الباحث في التاريخ العثماني محمد شعبان صوان
في سنة 1988 صدرت عن دار الفارابي في بيروت الترجمة العربية لكتاب "الفتح العثماني للأقطار العربية 1516-1574" للمؤرخ السوفييتي نيقولاي إيفانوف، وقد احتوى الكتاب على أفكار جديدة ومثيرة في موضوعه ويمكن عدها انقلاباً على المفهوم الماركسي الرسمي للتاريخ العثماني، ليس بسبب ضخامة "الاكتشاف" بل بسبب اختلافه عن الصورة شديدة السلبية التي يحملها أنصار الماركسية عن تاريخ المشرق الحديث، وجرأة الكاتب في طرحه رؤية مغايرة في زمن الرقابة الثقافية المشددة، ولهذا لم يكن من العجيب أن يحاول المؤرخون الرسميون الالتفاف على النتائج التي توصل إليها إيفانوف ومحو آثارها العملية، كما يبدو جلياً في مقدمة الكتاب وخاتمته، وهذا ليس عجيباً وفقاً لحاجات الرقابة على التفكير "القويم" في الأنظمة الإيديولوجية المستبدة والتي كانت نسختها السوفييتية على وشك الانهيار في ذلك الزمن، بل العجيب أن يستمر الحديث بهذه اللغة الفوقية بعد التحولات التاريخية الكبرى التي جرت على الاتحاد السوفييتي، وبالطبع ليس المقصود هنا شخصاً بعينه، وهناك دلائل على تغير في لغة الخطاب عند مقدم الكتاب، بل المقصود استمرار هذه المقدمة والخاتمة رغم التغيرات التاريخية التي عصفت بالكتلة الاشتراكية كلها والكشوف العلمية المتعلقة بالدولة العثمانية بعد فتح الوثائق ونشر الأبحاث الجديدة، ولعل ذلك الاستمرار في الطرح بعد انتهاء صلاحيته خير لتطلع الأجيال الجديدة على الثقة المفرطة التي كانت لغة الاستبداد المزيفة تتحدث بها إلى ما قبل سقوطها بقليل، ليتواضع الجميع ولا يظن أحد أن البقاء للقوة مهما علت.