تاريخ العبودية في الخليج العربي |
|
هشام العوضي |
أول ما صدر كتاب (تاريخ العبيد في الخليج العربي) لهشام العوضي حَرصت على اقتنائه؛ لأن هذا الموضوع حساسٌ وقَلٌّ مَن تكلّم فيه، وهو مسبوق بعدة كتب في هذا الباب، ولكن كفتابهف أفضلها، فكتاب (غزاة باسم الإنسانية: قصة السياسة البريطانية تجاه تجارة الرقّيق في سلطنة عمان وشرق أفريقيا) للدكتور عبد لله التركي تكلم عن الجانب السياسي لتجارة الرقّيق؛ ناهيك أنّ المؤلف فيما أظن وقع في اشكالية التكلف في مناهضة المستشرقين حتى فيما أصابوا فيه، وأما الكتاب الآخر (مزاد الجواري والعبيد في الجزيرة العربية) للشريف محمد الحسني كان أغلبه منسوخ من المنتديات والصحف، فهو ليس بحث علمي بل أشبه بتجميع ركيك المستوى. إذاً تأتي أهمية كتاب د. هشام العوضي في كونه تكلم عن الجانب الاجتماعي لهذه الممارسة التي تتمثّل في إثبات مكانة العبيد في مجتمعاتهم السابقة ونظرتهم ونظر الآخرين إليهم. أبان د. العوضي عن منهجه في التأليف في مقدمة كتابه، كون هذا الطرح مندرج ضمن ما يسمى بمدرسة التاريخ الحديث، التي تتكلم عن الطبقات الدفنيا والمهمشة والعادية في المجتمع وليست النخب، وفي اعتقادي أنّ أبرز رواد هذا الفن هو الأديب علي الطنطاوي وقد نبّه إلى ذلك في مقدمته لكتابه (قصص من التاريخ) إذ يقول: «ولست أدري إلى متى يبقى تاريخنا عبداً واقفاً على أبواب الملوك، لا ينظر إلا إليهم، ولا يهتم إلا بهم، ولماذا لا يصير حراً، يخالط الشعب ويسجل مناقبه، ويصف أخلاقه؟! ومَن منا يعرف ماذا كان يأكل الناس في عهد الرشيد مثلاً أو الواثق، وماذا كانوا يلبسون، وماذا كانوا يصنعون في أفراحهم وأتراحهم، وجدهم ولهوهم، وكيف كانت حياة التاجر والصانع والجندي والزارع؟!»1. هذه الاهتمام في هذا الجانب قد حَوّله الطنطاوي الى جانب عَملي تطبيقي في كتابه (ذكريات الطنطاوي). لقد حدد المؤلف في المقدمة أيضًا مرجعهف وهي الوثائق البريطانية، باعتبار الدور التي كانت تقوم به الوكالات البريطانية آنذاك في الخليج عند لجوء العبيد الهاربين إليها هَربًا من أسيادهم وطلبًا للحرية، فكانت الوكالة آنذاك تقوم بتدوين نبذة عنهم بسؤالهم عن أسمائهم وتاريخ عبوديتهم وأسباب هروبهم، فإذا اقتنعت من التفاصيل أعطتهم وَرَقَةَ العفتق، وهذا يذكّرك بتفاصيل سيرة حياة هاريت توبمان التي عرضت في فلم (Harriet)، فهذه التدوينات وهذه التفاصيل غدت في وقتف لاحق مرجعًا لدراسة المجتمع من عدة نواحي بينما كانت في وقتها الغرض منها فقط النجاة بالجفلد. ولكن المؤلف لم يَلتزم بهذا المرجع بل تنوّعت مصادره ما بين مذكرات الرحالة الغربيين وما بين أصحاب الدراسات الأكاديمية في الغرب والذين قاموا ببحث ميداني في الخليج، والتي أتمنى أن تترجم كتبهم، إذ أن المؤلف كأنَّ عمود هيكله البحثي في الكتابة هي المراجع الانجليزية، فكان طرحه جديدًا بالنسبة إلى شخص قرأ عن هذا الموضوع من مراجع عربية مبعثرة. ولكن لم أحب فكرة الاستشهاد بهم عند استعرضهم لبعض المراجع العربية، بل وددت أن المؤلف رجع الى الأصل، فأحيانًا يقع شيء من الغلط «الفني»، مثل قول المؤلف في صـ209: «كان الكواكبي ممن كتبوا في مجلة المنار التي رأس تحريرها الشيخ رشيد رضا. وقال رضا الذي استعرض آراء الكواكبي في المنار سنة 1905، إن الكواكبي اعتقد بأن الإسلام سعى الى تضييق الخناق على الاسترقاق مما دل على أن هدفه النهائي كان إلغاءه»، لم يكتب الكواكبي في مجلة المنار بل المقال المنشور له عن الرقّ في المجلة نَشرهف محمد رشيد رضا بعد وفاة الكواكبي كما هو ولم يستعرضه -أي بمعنى يلخصه- وإنما فقط ذكر قبل المقال: «من آثار المرحوم السيد عبد الرحمن أفندي الكواكبي الشهير، كتبها بعد سياحته الأخيرة قبل موته» وثم علق عليه بتعليق مقتضب في نصف صفحة لم يفشفر إلى هذا الرأي الذي زَعمت خريجة جامعة ألبرتا أنه استعرضه. وذكر المؤلف أنّ كتابه مجرد مَدخل إلى تاريخ العبودية في الخليج، لذلك تراه لم يستطرد كثيرًا بل إن عدد صفحات كتابه قليلة فيقع في 239 صحيفة؛ فلم يجعله باستفاضة كتاب عبد الإله بنمليح مثلًا والذي وضع كتابه (الرقّ في بلاد المغرب والأندلس) في مجلد كبير يقع في 630 صفحة، وكون المؤلف ذكر أن الكتاب مجرد مقدمة فهو قد يَعفيه من تبعات العتاب بأنه لماذا لم يستطرد أو يستوعب كل ما جاء في الباب. ناهيك أن بعض فصول الكتاب كان يشرح فيها نمط اقتصادي معين ويستغرق فيه ثم يذكر في أجزاء بسيطة دور العبيد فيه مثل مهنة الغوص في الخليج، التي إلى الآن لا أفهم سبب اعتبارها شيئًا يففتخر به؛ وهي في الحقيقة رقٌّ للعبيد والأحرار من الفقراء في ذلك الزمان؛ وارتبطت تلك المهنة بالظلم وأكل حقوق الناس والربا، فلو كان النظر هنا نظرٌ شرعي لاعتبرت تلك المهنة من الجانب المظلم من التاريخ لا من جانبه المشرق الذي يفستدل بهف دائمًا للدلالة على ماضي ما قبل النفط في الخليج. وقد قام المؤلف بشرح وافف وجميل لمهنة الغوص، إذ أنّ عادةً هذه المهنة قد يصعب شرحها بناءً على مصطلحاتها هي التي قد لا تكون مفهومه للقارئ؛ ولكن لو جردت من المصطلحات مع إبقاء المضمون تبقى مفهومة الى حد كبير، ومن أفضل الكتب التي مرت عليّ كتاب عبد الله الشملان (صناعة الغوص) في استيعاب وتفصيل هذه المهنة التي لا أقول أنها اندثرت ولكن تغيّرت ظروفها في وقتنا الحالي. *** عندما تكلم المؤلف عن تاريخ جذور الرقّ، ركز على الحقبة الأخيرة التي تشمل آخر ثلاث قرون، بينما في جزيرة العرب فالتاريخ أبعد من ذلك، أنا لا أريد أن أصل إلى ما قبل الإسلام ووجود نماذج مثل عنترة بن شداد العبسي، ولكن لفترة القرامطة مثلًا حيث كان لهم تواجد في شرق الجزيرة العربية بالآلاف كما نصّ على ذلك الرحالة الفارسي ناصر خسروا لَمّا زار الإحساء في زمن الدولة القرمطية بعد هلاك مؤسسها أبو سعيد الجنابي الهالك سنة 301هـ وعندما أصبح الحكم في أبنائه، تراه يقول: «وكان لهم –أي أبناء الجنابي- في ذلك الوقت ثلاثون ألف عبدًا زنجي وحبشي يشتغلون بالزراعة وفلاحة البساتين»2 وأظن أن هؤلاء في هذا الاقليم وغيره هم جزء لفمَا بات يعرف لاحقًا بالخضيرية3، الأشخاص الذين باتوا عربًا دون نسب عربي لطول استقرارهم بين العرب وتطبعهم بعاداتهم4، فقد كان العبد المملوك اذا أفعتق فإنه يَندرج ضمن فئة الخضيرين5، وإن كان المصطلح قد يكون أوسع من هذا المعنى فيشمل العبد وكذا العربي الذي أخفى نسبه لسبب من الأسباب أو العربي الذي طفرد من قبيلته لامتهانه بعض المفهَن التي تستعر منها القبيلة6 أو لزواجه من امرأةف غير ذات نسب7. وكما أنّ الفرق بين هؤلاء أبناء العبيد السابقين وأبناء العبيد الجدد الذي تكلم عنهم المؤلف، هو في تغير سحنة الوجه مع اختلاط القسم الأول مع العرب لقرون خلت، وأظن أن هذا هو المصير الذي سوف يأتي على القسم الثاني، خاصةً مع خفوت التعصّب في الزيجات لدى بعض الأسر العربية المتحضرة أو وجود بعض الأسر ذات الأصول الفارسية أو الآسيوية التي ليس لديها هذا التعصب في تحديد المكانة الاجتماعية بناءً على العفرق كما هو لدى العرب. وعودًا إلى الكتاب، فصور الرقّ التي حصلت في القرون الأخيرة هي دلالة على الانحطاط التي وصلت إليه الأفمّة، لأن كان مصدر الرقّ في أيام عزّها اقترن بشكل بارز مع حركة الفتوح الاسلامية عبر الجهاد وكان الكثير من الأرقاء هم من الجيش الذي وقف وقاتل الجيش الإسلامي الفاتح فجاء استرقاقهم من أصل شرعي معتبر وهو أَسْر الكافر بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ولكن في الفترات اللاحقة، ومع توقف عجلة الجهاد، وتغيّر حال الأفمّة، أصبح الرقّ دائمًا مرتبط بعمليات الاختطاف لأشخاص أحرار بل ومسلمين في كثير من الأحيان! ومن قرأ فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية استشفّ من ثنايا كلامهم عدم اعتبار مشروعية الرقّ الموجود في الخليج، كونه:
كما يجب التنبيه أن الكثير من الممارسات التي مورست والتي وردت في قصص هؤلاء العبيد بالكتاب لا تفقفرّها الشريعة، مثل تفريق الأسرة المملوكة ببيع أفرادها كلٌّ على حفدا، بينما لو فتشت في كتب الفقه، لوجدت عدم جواز التفريق في البيع بين كل ذي رحفم محرم من العبيد وقد وردت أحاديث في ذلك9، بل إن الإسلام أحياناً يقوم بمعالجة هذا الأمر تطبيقًا من خلال فقه ما يسمى بأم الولد -وهي الجارية التي ولدت من سيدها- فيضع قيود على السيد لمنع التصرف بالأم وولدها، فولدها يصبح حفرًا بمجرَّد الولادة وهي يَحرم عليه التصرف بها وبيعها فأم لولد لها أحكام الأَمَة إلا «في نقل الملكف في رقبتها»10، أي في كلا الحالتين لا يستطيع أن يفرق بين الأم وابنها. وأظن من هنا خرج مصطلح الموّلد الذي أخطأ المؤلف في الدلالة عليه، فذكر في صـ37: «وأفطلق على الأطفال المولودين في الرقّ أي لأبوين عبدين، لقب المولّدين» والصحيح أنّ المولّد هو الولد الهجين «أي العربي غير المحض مَن جاء من سلالتين مختلفتين»11، كأن يكون ابن السيد العربي وأفمّه الأَمَة السوداء، وهذا الصنف شائع في سلطنة عمان فعندما زارت الرحالة مورين تويدي مسقط في منتصف الخمسينات خرجت بوصف مبالغ فيه وقالت: «الأفارقة هنا ليسوا من سلالة خالصة بل هجين هو نتاج أيام العبودية»12؛ وبلا شك قالت ذلك لكثرتهم، وهذا الصنف أقلّ منه في البحرين، فحسب غوردون لوريمر صاحب كتاب (دليل الخليج) عندما تحدث عن التركيبة السكانية في البحرين بمطلع القرن العشرين قال: «نلاحظ أنه برغم كثرة العبيد في البحرين إلا أنّ اختلاط دمهم بدم العرب أقل انتشارًا مما هو ملحوظ في موانئ عفمان وساحل عفمان المتصالح، والسبب في عدم اختلاط الدم هو أنّ العبد الأصيل في البحرين له أهميةٌ وقيمةٌ أكبر من الابن المولد مختلط الجنس»13. وقد سمعنا من كبار السن في منطقتنا حادثة؛ وهي أنه سيد وَاقَعَ أَمَتَهف، فحملت منه وهو غير راغب ولا أسرته كذلك، كونهم من أسرة ذات نسب وحسب فتنتقي لنسلها من هو من جنسها من القبائل العربية الأصلية، ولكن استمر حَمْل الأَمَة حتى ولدت، ٿَحمل الابن اسم أباه ولكن لم يكن في نفس المكانة الاجتماعية لإخوانه، بل عاش منفصلاً مع والدته وأقاربها العبيد وأصبح هذا الفرد محسوب على أخواله لا على أعمامه وإن حمل اسمهم. وأحياناً يكون الاختلاط عكسي أي العبد يتزوج عربية حرّة في ظروف معينة، وقد شاهدت أثناء زيارتي لأحد البيوت وأنا صغير امرأة ذات ملامح مفختلطة ففيها من التقاطيع الإفريقية والعربية، ثم أخبرني أبنها بعد وفاتها بعقدين، أن والدها كان عبدٌ وأفمّها كانت امرأة عربية غنية، وقد هلكت أسرة هذه المرأة التي نشأت في بيت فيه عبيد وقد اختارت في النهاية الزواج بأحد عبيدها وكان والد هذه المرأة العجوز التي رأيت. بينما بقيَ الوضع في نجد في عدم التصاهر مع العبيد رغم تسري بعض الحاضرة في نجد بالإماء ولكن بدى أنّ الوضع في البادية مختف قليلًا، فكانت الإماء لا يتسرى بهن والسبب «حفاظًا لأنسابهم وأصالتهم»14 ولا يتزاوج بهن15 من باب أَوْلَى. *** وعوداً على الكتاب، تستطيع أن تستشف من القصص الواردة في الكتاب أو تستطيع أن تستخرج بتصور تستطيع من خلاله أن تعمل مقاربة بين حال العبيد في الخليج وفي أمريكا مثلًا، فتجد أن حالهم في الخليج أقل بؤسًا مما هو عليه في أمريكا الذي يكون التصور المادي شبه صارم ويكون هو المدار الذي تقاس به الأمور، فمن القصص أنّ بعض السادة يعتقون عبيدهم لوجه الله، رغم أنّ في هذا الاعتاق خسارة مادية لهم فمن الواضح أنّ هناكَ معيارٌ آخر لاتخاذهم هذا القرار فاقَ المعيار المادي، بل وتجد أنّ بعض السادة بعد اعتاقهم لعبيدهم يصرفون عليهم وهم أحرار رغم أنهم ليسوا مكلفين بذلك! وأحياناً يتدخل الحاكم لإنصاف العبد وتحريره دون أن تقوم حرب أهلية كما حصل في أمريكا حول ذات الموضوع! وأحيانًا تكون باب الحرية مفتوحة ولكن العبد هو من يرفض ذلك، لاعتبار عَملي وهو أنه بعد الحرية سوف يكون ملزماً بالبحث عن مسكن مستقل ومصدر دخل يكفيه ويكفي أفسْرَته، فلذلك فَضَّلَ بعضهم -كما يقول المؤلف- «الاستمرار في الرقّ طالما تكفّل سيد العبد بنفقاته»، وهذا التصوّر شائع في عبيد الغرب والشرق، تقول الرحالة مورين تويدي عن بعض العبيد بالبحرين «وقد يكون أفضل أن يكون الشخص عبدًا يخص بمعاملة حسنة من أن يكو حرًا ولكنه جائع»16، وهذا المعنى قريب من محاورة حصلت في مسلسل (الجذور) بين كونت كونتيه والفتاة فانتا، فقد كان كونت كونتيه يريد الهرب برفقة فانتا وكان كلاهما حديث عهد بالعبودية، فرفضت فانتا ذلك، فقال لها كونتي هل تريدين إذاً أن تبقي مستعبدة؟! فردت: «سأبقى على قيد الحياة! وسأبقى دافئةً بدلًا من البرد، وشبعى بدلًا من الجوع»17، فكانت هذه الأمور هي مَن أزاحت فكرة الهروب من رأسها لتتحرر. فوجود القدرة على النفقة والتكيف مع حياة الحرية أمرٌ مهم، وهذا لا يكون إلا بوجود مصدر دخل، لذلك ترى بعض الفقهاء يقولون: «يستحب عتق من له كسبٌ. وعكسهف بعكسفهف»18، فمَن كان قادراً على التكفل بنفسه جرّاء كسب كان عتقه مستحب على مذهب الحنابلة، والعكس بالعكس؛ والسبب؟ «لأننا نجعله عالة على نفسه وعالة على غيره»19. *** ومن اللافت كلام المؤلف عن عبيد الأمراء فيقول في صـ27-28: «وغالبًا ما تمتع عبيد الشيوخ والأمراء بمعاملة خاصة، ولم يكن شائعًا أن يبيع الشيوخ عبيدهم في سوق العبيد حفاظًا على أسرار البيوت سوى في حالات نادرة. وكان من العرف السائد أن يقوم شيوخ القبائل بإهداء العبيد إلى الحكام». وأحياناً يحصل العكس، وهو أن يقوم الحاكم بإهداء أحد شيوخ القبائل عبداً تكريماً له، وقد سمعنا من كبار السن أن أحد شيوخ النعيم من آل جبر ذهب لزيارة الشريف حسين بن علي في الحجاز، فأهداه الشريف عبدًا هديةً فأحضره معه إلى البحرين حيث استقر، ومَن حدثوني بالرواية أخبروني أنهم أدركوا هذا العبد بعد أن حفرر وله ذرية. ويبدو أنّ الشريف حسين كان (كريمًا) في إهداءه للعبيد، فقد تعددت عنه الروايات، فقد أهدى أيضًا حكام البحرين الشيخ عيسى بن علي آل خليفة فتاة مملوكة بعد حجّه قام بها فعاشت هذه الفتاة في كنف هذا الحاكم ومن جاء بعده من الحكّام.20 وقد تتخذ تلك الفتيات المملوكات مفلكَ يمينف للسيد فيعاشرهنّ معاشرة الأزواج، وثم يزوجهنّ إلى أحد عبيده دون انتظار العدّة فيحصل نوع من الالتباس حول الأب الحقيقي إن حملت كما ذكر المؤلف قصة العبد الذي كانت أفمّفه أَمَةً مملوكة عند أحد الشرفاء في المدينة في صـ39، وهذا ذكرني برواية أخبرتني بها أمي نقلاً عن جدتي مريم بنت محمد بن جابر العليوي، وهي أنّ هناك شخص في حيّهم بمدينة المحرق كان قبل أن يزوج أحد الفتيات المملوكات لديه إلى أحد عبيده يدخل عليها أوًلًا ثم بعد ذلك يزوجها إلى هذا العبد. فإن حملت فلا يفعرَف من أي نطفة! وهذا حصل في زمن قبل أن يوجد اختبار (DNA paternity testing) المعتبر قضائيًا إن رفعت شكوى أو قضية حول نسب الطفل. وفي بعض البيئات يكون الوضع أسوء وأقذر مما كان، فمثلاً في كوريا الشمالية عندما تَفرّف المرأة من كوريا الشمالية باتجاه الصين فإنهن غالبًا ما تكون صيدًا ثمينا لتجار البشر في المنطقة الحدودية، وقد خطفت إحدى النساء ذات مرة بعد هروبها مباشرة، وتروي إحداهنّ قصتها: «فَرَّت فتاة كنت أعرفها في الوطن عبر النهر أيضًا. لقد بيعت لعائلة في قرية صينية، حيث أفقففل عليها وتعرضت للاعتداء من كل رجال العائلة، لقد طارحها الكل الفراش. وهكذا لم تعرف من يكون والد طفلها»21. *** وتحدث المؤلف كذلك عن أثر العبيد الثقافي في الثقافة الخليجية من حيث الموسيقى والعادات واللغة، فيذكر مثلًا أن بعض الألفاظ الدارجة أصلها إفريقي فيقول في صـ43: «ومن الكلمات الخليجية الشائعة وأصلها من أفريقيا: (أَكّفو) بمعنى يوجَد، و(مَاچفلَّهْ) أي الزاد، و(مفولفيَّهْ) بمعنى أبدًا أو نهائيًا». ثم تكلم عن الزار وهي الطقس الذي يقام لإخراج الجن من المريض عبر إيقاع موسيقي معين وقال: «لا توجد دراسات وافية عن الزار في الخليج، ربما لأنها عادةٌ قديمة قد انقرضت ولم يوثّق وجودها أحد»، والصحيح أنه ثمة هناك دراسات ككتاب جاسم بن محمد الحربان (الزار) الصادر عن وزارة الإعلام البحرينية عام 2005م، وقد تكرر ذكر الزار علي في غير مرجع من بينها (معتقداتنا الشعبية بين الماضي والحاضر) ليوسف النسابة22، وغيرها، وهي تكاد تذكر في كل مرجع يتكلم عن العادات والفنون الشعبية، بل لا يَقتصرف على التوثيق النصي بل كذلك المرئي، إذ ونحن صغار شاهدنا حلقة ضمن مسلسل (فرجان لوَّل) تتكلم عن الزار، وهذه العادة من الجيد أنها انقرضت لأنها استبدلت بالوسيلة الصحيحة لمعالجة هذه الأمراض عبر الرقّية الشرعية وما يَلزم من الطب النبوي. ولكن الشاهد أنّ كلام المؤلف غير صحيح أنه لم يوثّقها أحد. وكذا من الطقوس الغنائية المستوردة من إفريقيا ولم يذكرها المؤلف ما يعرف بـ(فن دق الحب) وتجده في المناطق التي يزرع فيها القمح، فيكون هذا الطقس الموسيقي عند موسم الحصاد، الذي يفجمع فيه القمح داخل أكياس قماشية خشنة ويتحلق مؤدو هذه الرقّصة كالدائرة وينزلون بالقافود (وهو عصى السعف) ضربًا للقمح وهو في داخل الأكياس مرددين بعض الأهازيج، وقد شهد العم يوسف الحمدان هذه الطقوس التي انقرضت فيقول: «لا أتذكر جيدًا الكلمات الغنائية أو المواويل التي تصاحب هذا الفن الطقوسي بامتياز، ولا أذكر منها سوى بعض المفردات الأشبه بالمفردات الإفريقية والتي حينها يتعذّر عَلَيَّ فَكّف رموزها مثل: (ياسيلا يا سي لامبو.. ياسي لامبو)، مما يؤكّد لدي بأنّ لهذا الفن الطقوسي ذا جذور فنية طقوسية بعيدة»23، وهذا الطقس الغنائي كان يمارس في البحرين وقطر والسعودية (الإحساء). *** أيضًا تكلم المؤلف عن عبيد الحكام أو الشيوخ والسلطة التي ينالونها والأثر السيء الذي يتركونه خاصةً عندما يتعاملون تعامل سيء مع وجهاء البلد مستغلين هذه السلطة المعطاة لهم، مثل الحادثة التي ذكرها المؤلف وهي اعتداء خادم حاكم الكويت مبارك الصباح على أحد التجار فهدد بقية التجار بالهجرة من الكويت، ولكن غاب عن المؤلف أنّ العبيد أحيانًا لا يعكّرون العلاقة بين الحاكم وبعض الوجهاء بل يتسببون بحرب بين الدول! ومن نافلة القول أنّ للعبد قديمًا اعتبارٌ لدى أسياده، بل قد تكون كرامة العبد مرتبطةٌ بكرامة السيّد، فمن أهان العبد كأنه أهان السيد نفسه، ولأجل ذلك قد تحصل بعض الخلافات بين القبائل، مثل ما حصل في وقعة الزبارة سنة 1895م والتي تسببت بقصف بريطانيا للزبارة كان السبب أنه حصل شجار كبير بين خدم البنعلي وخدم آل خليفة، فقتل خادم لآل خليفة وقتل خادم آخر للبنعلي24، فتعاظم الأمر وارتقى من الموالي إلى الموالي ثم ألجأ الأمر إلى ضعون آل بنعلي من البحرين ونزولهم في الزبارة25، فأدى هذا الأمر وما ترتب عليه إلى تحشيد بين قطر والعثمانيين من جهة والبحرين وبريطانيا من جهةف أخرى، واجتمعت الحشود في منطقة الزبارة بقطر ورأت بريطانيا أنّ ما حدث -حسب رأيّ المؤرخ ناصر الخيري- «فرصة لإخضاع البنعلي وإذلال الشيخ قاسم بن ثاني وكبح جماحه، فبعثت عدة مراكب حربية ووقفت بها تجاه الزبارة ... ثم صوبت مدافعها دفعة واحدة إلى معسكر القطريين وبلدة الزبارة فأصلتهم النيران الحامية فبعثرت جموعهم وشتت نظامهم، وقد هلك مهم خلق كثير، وتهدمت بنايات البلد، ودخل منهم ناس غير معدودين تحت الردم»26، النزاع بين القبائل تحول إلى نفزّاع بين الدول وحصلت هجرات ودمرت بلدات؛ وكل هذا بسبب شجار بين عبدين! وشيء مقارب حصل لجزء من قبيلة النعيمي، وحسب ما سمعنا من كبار السن، أنّ لقبيلة النعيم عبد اسمه مطر، قفتل على يد أحد البلوش في منطقة عوالي، وثم دخل القاتل على أحد الشخصيات المعتبر لكي يدخل في أمانه؛ فأعطي له، وجرَّ ذلك الى عدم إنفاذ الثأر لأنه قد ترتب على ذلك مشكلة بين القبيلتين، فأدى هذا إلى هجرة جزء من هذه القبيلة من البحرين إلى قطر. وكان باستطاعتهم أخذ الدية وأن يقولوا أنّ العبد يأتي مكانه عبد آخر، ولكن جاء قرار الهجرة لأنهم رأوا أنّ الاعتداء على عبيدهم هو اعتداءٌ عليهم. واعتبار السادة لعبيدهم شيء ملفت للانتباه، فمن القصص الغريبة في هذا الصدد والتي سمعتها من كبار السن نقلًا عن أجدادهم وهي قصة هجرة عائلة ميسورة من قطر الى البحرين، وكانت لهم أَمَة ولدت طفلًا هو في سن مقارب لطفل سيدتها، ثم أظنّ أنّ هذه الأَمَة توفيت فقامت السيدة برضاعة ابن الأَمَة، الذي نشأ وكَبفرَ مع أبنائها، فداهما ذات يوم زوجها طالبًا منها أن تجهز هذا الصبي -ابن الأَمَة- لكي يَبيعه غدًا في سوق النخاسة، فقامت هذه المرأة وبدلًا من أن تجهزه هو قد جهزت نفسها وأبنائها وهذا الصبي وأبحروا إلى البحرين إلى أقارب لهم هناك؛ لأنه بلغهم أنّ المستشار هناك منع بيع الرقّيق منعًا باتًا، فوجدها فيها الأمان، فكان قرار الهجرة والغربة عن الأوطان كان سببه عبد! ذرية هذه المرأة وذرية الصبي ما زالت في البحرين بسبب هذه الحادثة. *** وتكلم المؤلف أيضًا عن أجناس العبيد، فترى أنهم لا ينحصرون في العرق الأفريقي الأسود، بل أحيانًا يتم اختطاف حتى العرب الصغار أو الشوام أو الآسيويين سواء الفرس أو ذوي العرق الأصفر أو حتى الأبيض مثل الآراميات وهذا التنوع قديم27 ولكن في الخليج وفي القرون الأخيرة بات العرق الأفريقي هو الغالب، وأحيانًا يكون الاسترقاق ليس قسريًا رغمًا عن الوالدين، بل طَوعياً فهفمَا مَن يبيعان أحد أبنائهم إن حصلت مجاعة في منطقتهم، فهذه الظروف قد تجعل من خيار بيع أبنائهم هو الحل الأخير، بذلك يضمون حياته وحياتهم بالمال الذي سوف يقبضونه، وهذا أفضل -في نظرهم- من أن تهلكهم المجاعة كلهم. ولكن الغريب أن في بعض الأحيان يباعون بثمن بخس، ففي كوريا الشمالية وبعد انهيار نظام توزيع الحصص الغذائية عمّت المجاعة في البلاد، وفي أحد المرات عرضت أحد النساء بنتها للبيع بـ100 وون (أي ما يقارب 10 سنتات أمريكية)، فثار الناس في السوق مستنكرين هذا الأمر وهذه التسعيرة قائلين: «أيتها اللعينة! حتى لو كنتف تتضورين جوعًا، كيف يمكنك بيع ابنتك؟!» و« هفيه، أيتها الساقطة، إذا كنت تريدين بيع طفلتك، ضَعف لها السعر المناسب»، «حتى إنّ الكلب يفباع بثلاثمئة وون! هل تساوي ابنتك أقّل من ذلك؟» «من سيشتري فتاة في حين أنّ أحدًا لا يمكنه تدبّر الطعام لنفسه؟!»،28 ورغم شيوع المجاعة وهلاك البعض جوعًا؛ إلا أنّ هذا الفعل كان مستنكرًا لدى الشعب الكوري بخلاف ما قصة المؤلف في كتابه بعد أن حصلت المجاعة في منطقة مَكْرَان بإيران ازدهرت تجارة العبيد بعد أن بدأ الناس ببيع أبنائهم! فهذا بيع للاضطرار ولكن يحصل ما هو أسوء منه وهو أنّ البيع الاختياري الذي يكون مقصده الجاه والسلطة، وهذا وجدته في كتاب (السجينة) لمليكة أوفقير التي تبناها ملك المغرب الحسن الثاني وصورت في مطلع كتابها حياة القصور، فذكرت أنه يتم انتقاء 40 فتاة ليكونوا جواريَ للملك من بعض الأفسَر، وأنّ أكبر أفسْرَتَيْن من البربر تبعثان فتاتين لأجل أن ينتقي الملك منهما زوجته الوحيدة، وأما التي لا يختارها زوجة فإنها تبقى جاريةً طول عمرها!29 فتلك الأفسْرَتَيْن تَعلمنا أنّ الخاسرة في هذا الرهان سوف تبقى جاريةً ومع ذلك يجازفون لأجل الجاه. *** ختم المؤلف بكتابه بكلام لا منطقي في نظري الشخصي، وهو الحثّ على التوسّع في هذا النوع من الدراسات لفهم أكثر لواقع منطقتنا الاجتماعي أو التاريخي، فيجب تناول هذا الموضوع بصراحة أكبر، حتى نردم هذه الفجوة الموجودة في تاريخنا الاجتماعي، والصحيح أنّ هذا الأمر كفلا الطرفين يتمنيان نسيانه وطَمره، وبالكاد تجد شخص يضحي بمكانته الاجتماعية ويعطي الناس مفستمسكًا للكلام عنه ويتكلم عن تاريخ عائلته بشكل صريح على نحو ما ورد في شهادات متحف ابن جلمود في قطر، والتي عرضت فيه بعض الشهادات الشفهية المصورة عن فترة الرقّ في قطر، والتي تكلمت فيها بعض الشخصيات حاكية قصة أفسْرَتها في الرقّ، ومن الصعب قياس المجتمعات على بعضها البعض، فعدم وجود شيء من الإحراج أو الخجل عندما يقوم شخص ويتكلم عن أصله في أمريكا كونه من سلالة رقيق على نحو ما فعل أليكس هالي في كتاب (الجذور) عندما تناول قصة جدة كونتا كونتيه، أو بنحو ما ذكرت الوندرا نيلسون في كتابها (الحياة الاجتماعية للحمض النووي) عن بعض القصص الأشخاص الذين خاضوا مرحلة فحص الحمض النووي لمعرفة جذورهم قبل أن يَستَرفقّ أجدادهم، أو حتى مقاضاة شركات التأمين على تجارة الرقّيق لأجل استرقاق أجدادهم، تجد أن هذا الأمر قد لا يسبب حرج بمقدار الحرج الذي قد يوجد في الخليج عندما يحاول شخص أن يكون بذات الموضوعية التي لدى الأمريكي ذو الأصول الأفريقية في تناولهم لذات الموضوع المشترك، والسبب أنّ المجتمع هناك قد يتعاطف بينما هنا يعيّر، والموضوع الاجتماعي هنا يَحكم ومؤثر وكما أسماه الباحث ستيفان لاكروا برأس المال الاجتماعي وهو ما يجعل ذو النسب الفقير لا يضحي بمصاهرته مع معدوم النسب الغني30، بينما الوضع المادي هناك هو مَن يحكم وهو مَن يحدد مكانتك، فالرهان لدى نسل الرقّيق في الخليج هو على ذاكرة الشعوب، التي مع تقدم السنوات والقرون سوف تنسى، وحينئذ سوف تتساوى المكانة الاجتماعية إلى حدف كبير مع بعض أطراف فئات المجتمع، وسوف تزول هذه المعرة التي تستخدم لتعييرهم في أمرف ليس لهم ذنب فيه، فإذاً من الخطأ أن تسبح عكس هذا التيار فتذكر الناس والأجيال بما كنت عليه، فالأمر كما ذكره المؤلف، في أنّ هذا الجيل هو أقل عنصرية وأكثر قبولًا للتعدد، وأقل اهتمامًا في قضايا البحث عن أصول الناس، فالذكي الحصيف هو مَن يستغل هذا الوضع لنسيان الماضي، وإن كان ولا بفدَّ فيجب أن تذكر الأحداث دون تسمية، على نحو ما فعلت في مراجعتي هذه، فإن في ذكرها هو إفساد ذات البَين، أولًا من جهة الراوي ومن جهة المحكي عنه، والمقصد من الرواية المبهمة هنا هو دراسة واقع اجتماعي لا تعيير أشخاص وتذكيرهم بما يكرهون. ولكن رغم أنّ الجيل هذا أقل عنصرية وأكثر حداثة وأكثر قبولًا للتعدد -كما وصف المؤلف- فإن العنصرية والنظرة الدونية ما زالت موجودة، وتجدها في أظهر صورها في محاولة المصاهرة31، فما دون ذلك تكون العلاقات حبيّة، ولكن ما أن تكون هناكَ محاولةٌ للمصاهرة إلا وتظهر مكنونات الأنفس. وقياس المؤلف في آخر صفحة من كتابه قياس غير سديد في نظرة المجتمع لنسل الرقّيق، وأنا هنا أورد كلامه ثم أعقب، يقول في صـ228: «كما تم وصف بعض المهن اجتماعيًا وربطها بالأفارقة. فأشار بارت إلى أن أحفاد العبيد في الباطنة يشاركون في العزف والغناء في الأعراس والاماكن العامة، وهي مهنٌ ينظر إليها المجتمع بدونية. كما وجد كلٌّ من بارث وفاليري أنه لا يزال يطلق على أحفاد العبيد تسميات شائعة مثل خال وعبد وخادم. ومع هذا فإن هناكَ تحولاً إيجابيًا يحدث في المنطقة، وهو أنّ الجيل الجديد، والمتأثّر بقيم العولمة التي تشجّع على الاحتفاء بالتنوع، هو أقل عنصرية وأكثر ترحيبًا بالتعدد من الأجيال التقليدية الماضية. وها نحن نرى اليوم المكانة المميزة التي يحتلها العازفون ونرى دخول أعداداً متزايدة من بناتنا إلى المعاهد ليصبحن عازفات، ونرى المكانة التي يحتلها المغنيون والمغنيات .. وهكذا هو حال التمثيل والرقّص .. وكل أنواع المهن التي كانت مرفوضة ومقتصرة على ذوي البشرة السمراء ... وبالتالي ليس من المحرج أن نتناول هذا التاريخ بالدراسة ونضعه في سياق تاريخنا نظرًا لتأثيره الكبير على ما نحن عليه اليوم». ليس كل عزف وليس كل رقص كان مقتصرٌ على العبيد وأحفادهم بالخليج، بل هناك غفنَاءٌ لا يهم جنس صاحبه أو شكله مثل النهام في موسم الغوص، ولا حتى فيما يسمى بفنون الفجري والمجيلسي، ولا حتى في مطلق الرقّص اذا اعتبرنا أنّ العَرْضَة -رقصة-، والصواب أنّ هذه الرقّصات أو المعزوفات كانت في طقوس غنائية انحصرت في العبيد ولا زالت سارية في ذريتهم، مثل الفرق أو العدّة التي تقيم حفلات الزواج، أو كضربهم على الطَّارَة والطبل وعزفهم على الصفرْنَاي والطنبورة، فلا زالت الناس تنظر بدونية لمثل يزاول هذه الأمور، بل ولو أتى شخص من غير بشرتهم وباشرها فإن نظرة المجتمع تتغير نحوه، وهذا بخلاف دخول البنات إلى المعاهد ليصبحن عازفات على البيانو أو غيره من الأدوات الغنائية المستوردة من الغرب، فهنا قياس مع الفارق. فلا يصحّ أن نجعله مقياسًا لتغيّر نظرة المجتمع إلا إذا كان المجتمع بات ينخرط في ذات الأمور التي انحصرت في العبيد وذريتهم دون تعييرف أو ازدراء. وقد كان أو لا زال لدي اهتمام بجانب العبيد والرقّ لنواحي متعددة، فجانب الرقّ كان ولا زال مستهدفاً من قبل المستشرقين للطعن في الإسلام، وإلى اليوم كان مدخلًا مهمًا من قفبَل الملاحدة في الطعن في الإسلام، وقد أَحْسَنَ محمود عبد الوهاب فايد عندما وضع كتيبه (الرقّ في لإسلام) فأحسبه رَدَّ الشبهات بأجزل أسلوب وأقصره، ثم اهتمامي الآخر وهو التوثيق لحقبة تاريخية مضت بحلوها ومفرّها، وأَتْراحها وأَفْراحها، وصالحها وطالحها، فدور المؤرخ هنا تَقييد هذه المرويات ونقلفها كما هي، إفساحًا للباحثين أن يدرسوها ويربطوها بما لديهم ليرسموا صورةً أقرب للدقة لمجتمعنا السابق، وأنا ميّال في توثيقي بنقل الخبر أكثر من دراسته؛ أي أفضال أن تكون نصوصي مرجع خام أكثر من كونه دراسة بحثية، إلا ما اقتضت الحاجة إليه للتعليق. وقد رأيت أثناء بحثي وجمعي وتسجيلي للشهادات أنّ تناول قضايا الرقّ وجملة من الأحداث التاريخية الأخرى مثل الحروب القَبَلية؛ تففسّر لك الكثير من الأوضاع الاجتماعية في حياتك الحالية والتي كنت تجهل لماذا صارت إلى ما هي عليه. فهذه ثلاثة أسباب لاهتمامي لجانب الرقّ في تاريخنا الخليجي المعاصر، والتي أَلْمَس فيها الفائدة الدينيّة والدنيوية معًا، ويجب التشديد والتذكير أنّ تناول مثل هذه الأبحاث وذكر الرقّيق، يجب أن ينبهنا أنّ ميزان التفضيل الشرعي لا يقوم على النَّسَب والحَسَب، بل على التقوى، ولا حاجة للتذكير بما هو عليه وضع بلال وأبو لهب مثلًا في ميزان ديننا، فالثاني لا يساوي شسع نعال الأول رغم علو نَسَبه الذي لم ينفعه ولم يَعصمه من نارف تَلَظَّى، فلا عبرة باللون في الإسلام وإنما العبرة بالتقوى، بل وهناكَ من الفقهاء المعاصرين مَن ذَهَبَ في إسقاط الحدود الموجودة في المجتمع والمتعارف عليها إلى حدّ إسقاط الكفاءة النَسَبية عند الزواج32 لترسيخ المساواة بين الأجناس في داخل الاسلام، فكان عليّ أن أنوّه الى هذه النقاط، حتى لا يففهم من تناولنا لمواضيع الرقّ في الخليج أننا نزدري هذه الفئة وننظر إليها بدونية، والأمر لا يعدو كونه مجرد بحثف وتقصف ودراسةف لتاريخنا المعاصر وتوصيفف لفمَا هو عليه الوضع. |
كشف المفغْمورين
مبارك الخاطر
جزء من النص مفقود: محمد البراك الفضالة حياته وسيرته
د. عبدالرحمن الابراهيم
المصادر لتاريخية (2) : كتب البلدانيين والجغرافيين والرحالة
د. الزهراء بهزاد
المصادر التاريخية (1) : (كتب الحوليات)
د. الزهراء بهزاد