صناعة الألقاب_ هيرودوت نموذجا 


بقلم : أ.عبدالله العبيد

بقلم : أ.عبدالله العبيد

صناعة الألقاب.. هيرودوت نموذجا

 

بعض المقولات أو الألقاب التي تعطى للناس أو الأشكال الحضارية التي ينتجها البشر (كتب، مباني، علوم و فنون) تمارس في كثير من الأحيان سلطة معرفية تختزل الواقع بدل أن تلخصه و تضخم حاملي الألقاب و تجعلهم معيار يقاس عليه و تهمش في الآن نفسه غيرهم لأنهم تبع لحاملي تلك الألقاب.

من هذه الأمثلة تلقيب هيرودوت المؤرخ الإغريقي المشهور (عاش في القرن الخامس قبل الميلاد) بأنه أبو التاريخ (يقال إن أول من لقبه بذلك هو الخطيب الروماني شيشيرون في القرن الأول قبل الميلاد). ويعنون به أنه أول مؤرخ عرفته البشرية كتب كتابا تأريخي دون فيه تاريخ قومه وتاريخ الشعوب التي حولهم. بل إن استخدامه لكلمة  historia (وتعني بالإغريقية البحث و التقصي inquiry) أصبح الأصل اللغوي لكلمة التاريخ في اللغات الأوروبية. فيما بعد.

يقتضي هذا اللقب ثلاثة احتمالات رئيسة:

الاحتمال الأول أن هيرودوت هو أول مؤرخ وأول مؤلف كتاب تاريخي في تاريخ البشرية. وهذا أمر ينازع عليه خاصة إذا قارنا حضارات البحر المتوسط بالحضارة الصينية التي عرفت منذ أكثر من سبعة قرون قبل الميلاد مصطلح التاريخ والمؤرخ و شهدت بلاطات الأباطرة الصينيين وظيفة المؤرخ (shi ). و لئن لم تصل لنا مؤلفاتهم المبكرة فقد نجت المؤلفات الأخرى و أسماء المؤرخين من النسيان بدءا من القرن الخامس قبل الميلاد.[i] فعدم علمنا بما عند الشعوب و الحضارات الأخرى (و التي سبق وجودها التاريخي وجود الإغريق) من إرث تاريخي لا يعني أنهم لم يدونوا التاريخ بقالب كتابي لغوي.

الاحتمال الثاني أن منهجية هيرودوت في التأليف وعرض المواضيع و تفسيرها أصبحت نموذجا يحتذى لدى من أتوا بعده من مؤرخي الأمم جمعاء (و بشكل أخص حوض البحر المتوسط). وهذا الأمر يتفرع عنه أمرين. الأمر الأول أنهم تبنوا نموذجه صراحة بأن أبانوا عن تأثرهم به أو اعتماده عليه، وهذا لم يحصل على الأقل عند غير الإغريق. بل حتى عند الإغريق فالأمر فيه شك أن تاريخ هيرودوت أصبح نموذجا لما بعده من مؤرخي الإغريق. فكما هو معلوم، منهجية المؤرخ الإغريقي ثوكيديديس تختلف جذريا عن هيرودوت بل إن كتابته التاريخية أقرب للتصور الفلسفي الإغريقي من كتابة هيرودوت.[ii] الأمر الثاني أنهم لم يصرحوا باحتذاء نموذجه لكن كتاباتهم ومنهجهم تشبه ضمنا عمل هيرودوت الذي سبقهم بقرون وعليه فالتشبيه من باب إلحاق المتأخر أو اللاحق بالمتقدم أو السابق. وأبرز مثال المؤرخ المسلم المسعودي الذي عاش في القرن الرابع الهجري، و الذي لقبه المستشرقون مثل دمتري ميكولسكي بهيرودوت العرب[iii]، و كذلك تلقيب المؤرخ الصيني سيما جانSima Qian  والذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد بهيرودوت. و هذا الأمر قد يكون مقبولا  لو كان اللقب أكثر تفصيلا و توضيحا. أما وقد أعطي أبوة التاريخ (بألف ولام التعريف اللتان تفيدان الاستغراق والعموم) فالمسألة فيها نظر ويصعب قبولها.

الاحتمال الثالث والأخير أن المصادر التي اعتمد عليها هيرودوت والمعلومات التي دونها أصبحت مرجعا لمن جاء بعده سواء حديثه عن تاريخ الإغريق أو عن الأمم الأخرى. وهذا الأمر مشكوك فيه أيضا. بل إن المؤرخين المسلمين عندما كتبوا عن أمم أوروبا (بما فيهم الإغريق) لم يعتمدوا بشكل عام على المصادر الإغريقية (مثل ثوكيديديس، بولوبيوس وطبعا هيرودوت) و إنما مدار اعتمادهم كان على المصادر اليهودية و الرومانية و السريانية و البيزنطية المترجمة منه إلى العربية و غير المترجمة (حيث أن بعض المؤرخين المسلمين لديهم اطلاع على لغات الأقوام الأخرى). أما التاريخ القديم للأمم غير الأوروبية فمن باب أولى لا تجد اعتمادهم على هيرودوت ناهيك عن بقية مؤرخي الإغريق.

 

إذا ماذا بقي من لقب (أبو التاريخ) من مصداق تاريخي؟ ما نريد قوله أن التاريخ و الوعي التاريخي و الكتابة التاريخية ليست حكرا على أمة دون بقية الأمم و لا ينبغي أن تكون وقودا في الصراع الوهمي و المنهك على الأسبقية الحضارية بين الشعوب و التي تبني معرفة متوترة و متعصبة بدل المعرفة المنصفة. فأن يتفرد طرف دون آخر بالتاريخ يعني ”أن هناك نظامين للبشرية، أحدهما أكثر بشرية من الآخر لأنه أكثر تاريخية“ كما يقول منظر التاريخ المعروف هايدن وايت.



[i] انظر الفصل الأول من الكتاب المهم On-Cho and Q. Edward Wang, Mirroring the Past

[ii] ذكر هذا الأمر كولنجوود في كتابه (فكرة التاريخ)

[iii] تُرجم كتابه عن المسعودي إلى العربية.



اخبار أحدث:

هايدن وايت بالعربي هايدن وايت بالعربي
بقلم : أ.عبدالله العبيد

ملاحظات أولية حول الوعي التاريخي ملاحظات أولية حول الوعي التاريخي
بقلم : أ.عبدالله العبيد


الصفحة السابقة