قراءة التاريخ الاسلامي من خلال النقوش الآثارية 


د.الزهراء بهزاد

د.الزهراء بهزاد

قراءة التاريخ الاسلامي من خلال النقوش الآثارية

(د.الزهراء بهزاد ـ جامعة المنصورة)

الباحث في التاريخ الإسلامي لا يكون مؤرخا بحق إلا إذا كان ملما بالمصادر الآثارية مجيدا لقرائتها، او على الأقل ان يحسن استخدام ما يتوصل اليه الباحثون في الاثار الاسلامية، وهنا سنتحدث عن أهمية النقوش الآثارية في تصويب العديد من الآخطاء التريخية الشائعة وحسم الخلافات بين المؤرخين، إذ انها وثائق رسمية غير قابلة للطعن في صحتها على عكس المصادر التاريخية التي تتضارب فيها اقوال المؤرخين تارة، وتتمايل اهوائهم وفقا لرضا السلطان او سخطه أو وفقا لتوجههم السياسي او الديني تارة أخرى.

ويمكن تصنيف النقوش الآثارية في ثلاث مجوعات رئيسية كما يلي.

1-    النقوش الصخرية: (شواهد القبور- نقوش الانشاء والتعمير، النقوش الإعلامية، علامات الطرق، النقوش الوقفية).

2-    نقوش السكة (العملات الإسلامية)

3-    نقوش الفنون الزخرفية والتطبيقية.

ولما كان المقام هنا لا يتسع لذكر الأمثلة على كل نوع من انواع النقوش السابق ذكرها  وتأكيد دورها في تصحيح وتصويب الأخطاء التريخية الشائعة سأكتفي بذكر أمثلة قليلة فقط لتوضيح فحوى الفكرة وهدفها. نجد أن مؤرخي العصر الإسلامي حرصو على تتبع اخبار الطرق واصلاحها والعناية بها وفي هذا الشأن نجد ما يكاد يكون إجماعا من المؤرخين أمثال الطبري وابن الجوزي وابن الأثير والقلقشندي والمقريزي وآخرون عن أن أول من أهتم بالطرق والعناية بها ورصفها هو الوليد بن عبد الملك (86-96هـ/ 705-714م)، ولكن أثبتت الأدلة المادية والنقوس الآثارية المسجلة على علامات الطرق الحجرية خطأ ذلك إذ إكتشفت مجموعة من علامات الطرق باسم عبد الملك بن مروان (65- 86هـ/ 684-705م)، عثر عليها في فلسطين وهي عبارة عن نقوش حجرية لعمارة الطريق وتحديد المسافة بالميل على طول الطريق بين دمشق وبيت المقدس. الى جانب نقش آخر مؤرخ بعام 73هـ/ 692م، بأمر تسهيل ورصف إحدى العقبات التي تتعرض مسار الطريق. مثل هذه النقوش تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن أول من أمر بالعناية بالطرق هو عبد الملك بن مروان وليس إبنه الوليد. وفيما ييبدوا أنه خطأ تاريخي وقع به الأولون ونقل عنهم المتأخرون دون تحقق، وأخذ عنهم الكثير من المؤرخين المعاصرين ولا زال رغم الدليل المادي الحاسم.

اما النقوش الآثارية على المسكوكات، فمن الناحية السياسية تعد المسكوكات إحدى شارات الملك والسلطان الثلاثة التي يحرص كل حاكم على اتخاذها بمجرد توليه الحكم. ومن ثم فدراستها تفيدنا في تحقيق كثير من الحوادث السياسية التي تتعلق بفتح وإخضاع المدن حربًا أو صلحًا عن طريق ظهور اسم الخليفة أو الأمير أو السلطان على نقود إقليم من الأقاليم. وتصنيف النقود يساعدنا على دراسة الأسرات الحاكمة في العالم الإسلامي وضبط تواريخ حكمها بصورة دقيقة. كما أن تسجيل مدن الضرب عليها يبين حدود الدولة الجغرافية وامتداد نفوذ كل حاكم والأقاليم الخاضعة له وهناك أمثلة متنوعة تعكس أهمية النقود من هذه الناحية. من هذه الامثلة تسجيل النقود تسجيلا دقيقا لمراحل واحداث الصراع بين الأخوين الأمين والمأمون حول ولاية العهد وعرش الخلافة بعد وفاة الخليفة هارون الرشيد، ففي سنة 193هـ/ 809م عندما تولي الأمين الخلافة ورد اسم المأمون على النقود مصحوبًا بلقب "ولي عهد المسلمين" وذلك بوصفه وليًا لعهد أخيه. وفي عام 194هـ/ 809-810م عزم الخليفة الأمين على إقصاء المأمون من ولاية العهد وجعلها لابنه موسى ولقبه بالناطق بالحق. فضرب النقود باسمه وكتب عليها عبارة "مما أمر به الأمير الناطق بالحق موسى بن أمير المؤمنين" فقام المأمون بضرب النقود باسمه وسجل عليها "الإمام المأمون ولي عهد المسلمين عبد الله بن أمير المؤمنين" ليعلن أنه لا يزال ولي العهد الشرعي للخلافة. وفي سنة 195هـ/ 810-811م خلع المأمون من ولاية العهد، وقام بالدعاء لولديه موسى وعبد الله في الخطبة؛ لذلك ضرب المأمون نقود سجل عليها اسمه بالصيغة التالية "مما أمر به الإمام المأمون". وبعد انتصار جيش المأمون بقيادة طاهر بن الحسين على جيش أخيه الأمين بقيادة علي بن عيسى بايع أهل خراسان المأمون بالخلافة فاصدر المأمون طراز آخر من النقود اشتمل على اسمه وألقابه هكذا: "مما أمر به الإمام المأمون أمير المؤمنين".

من ناحية أخرى تعكس النقود المذهب الديني للحاكم الذي أمر بضربها وأحيانًا تعكس المذهب الديني للشعب المحكوم. وتبرز أهمية النقود من الناحية الاجتماعية؛ حيث اشتملت على كتابات توضح كثير من مظاهر الحياة الاجتماعية مثل: الزواج والمصاهرة والمصالحة وبعض الحالات مثل المرض والوفاة. وكانت تضرب هذه النقود تخليدًا لهذه المناسبات، وكانت توزع على كبار القود والأمراء ورجال الدولة. ومن أمثلة نقود الزواج والمصاهرة: دينار يحمل صورة كل من الخليفة العباسي القائم بأمر الله والسلطان السلجوقي طغرل بك ولا يشتمل على تسجيل مكان الضرب ومؤرخ بسنة 455هـ وهذا الدينار التذكاري ضرب بمناسبة زواج السلطان السلجوقي طغرل بك من ابنة الخليفة العباسي القائم بأمر الله. كذلك أمدتنا النقود بالأسماء الصحيحة لبعض المدن مثل مدينة "تطوان" والتي وردت في المصادر بصيغ مختلفة مثل: تطوان، تطاوان، تيطاوان، تطاوين بينما نقشت على دينار باسم الحاكم المريني أبي العباس أحمد المستنصر بصيغة "تطوان".

لذلك تعد النقوش الآثارية من أهم مصادر التاريخ الإسلامي وهي جزء أساسي من حضارتنا الإنسانية، التي يجب على المؤرخين والباحثين الشباب ان يولو وجوههم شطرها. ولا يأخذو كل ما يصادفونه في المصادر التاريخية على محمل الصدق والثقة دون تفنيد وتدقيق ومقارنة وبحث لنقل الصور النقية الأقرب الى الحقيقة والحق. فالتاريخ والآثار علمان مترابطان ولا توجد علاقة بين علم وعلم كتلك العلاقة القائمة بين التاريخ والآثار.



اخبار أحدث:

هايدن وايت بالعربي هايدن وايت بالعربي
بقلم : أ.عبدالله العبيد

صناعة الألقاب_ هيرودوت نموذجا صناعة الألقاب_ هيرودوت نموذجا
بقلم : أ.عبدالله العبيد


الصفحة السابقة