المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني9 


محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

 -هل كان التغريب مغلوباً على أمره؟ كيف يقال إن شعارات "النهضة" طمست بفعل القوى المعاكسة لها مع جود الأمثلة المستشهد بها؟ تركيا وتونس وغيرها؟ وهل حقاً كانت مظاهر العلمانية بسيطة؟ ومن الذي طمس من في تلك البلاد؟ ومن الذي قمع الآخر قمعاً دموياً وعنيفاً وقاسياً؟ أليست تلك الأنظمة "النهضوية" هي التي تحكمت بشعوبها؟ وما الذي أنجزته في البلدين المحتفى بهما لدى الكاتب؟ وما الذي يريده دعاتها بعدما قام به كمال أتاتورك؟ وهل من الإنصاف علمياً تقمص العلمانية دور الضحية مع كون أنصارها هم الحاكمين بدعم دولي لزمان طالت مدته؟ وهل لها برنامج نهضوي فعلاً أم أن المطلوب فقط مجرد مسخ لمجتمعاتنا كما يبدو جلياً من تحطيم نهضاتها والتركيز على قشور لا قيمة لها؟ ثم ألم تتحقق الإنجازات النهضوية المحدودة بالخروج عن طوق الغرب (الليبرالي الحقوقي التنويري الذي "أوقف" الحروب الصليبية)؟ ومن الذي حطم إنجازات أنظمة التغريب التي خرجت عن طوق الغرب وطمس فعلاً شعارات النهضة: هل هم أنصار التراث أو المجتمعات التي يزعمون أنها لم تتقبل العلمانية (وهذه مبالغة، حيث يشير المؤرخ جيرمي سولت إلى حقيقة جلية: "في مصر، كان إسقاط الملكية في تموز – يوليو عام 1952، وتبعه إقامة دولة الحزب الواحد. مصر الثورة، الفتية والديناميكية، كانت بعجلة من أمرها لتعويض الوقت الضائع: فشيدت المستشفيات والمشاريع السكنية والمدارس والطرق، وكان كل ذلك على حساب قمع حق الناس بالمعارضة والتحدي، ولكن بدا من التقديرات أن أغلب المصريين قبلوا هذا التبادل ) أم أن الغرب العلماني والعدواني هو الذي لم يقبلها؟ إذ من الذي حطم التجربة المصرية في ضربة 1967؟ وهنا يصدق حديث الدكتور حسن الضيقة في نقض لوم الأمة فيما هي مكبلة في خاتمة كتابه "دولة محمد علي والغرب" حيث قال: "وفي الوقت الذي تمتلك فيه قوى الحداثة والتغريب مراكز التحكم بأنشطة الفكر والسياسة والاقتصاد في سوق الدولة ودولة السوق، يجري تحميل قوى الأمة المسجونة والمهمشة والمستعبدة مسئولية يباس شجرة الحداثة وهرمها باعتبار ما تحمله هذه القوى من موروثات لربيع العصر" .

-هل كانت أوروبا قدوة صالحة فعلاً؟ وتبلغ المفارقة حداً استثنائياً في الادعاء أنه "رغم أهمية "التعاطف العربي والإسلامي" مع الفتح العثماني في مرحلة تجدد الحروب الصليبية بعد سقوط القسطنطينية، فإن الأوروبيين أنفسهم قدموا النموذج الواجب اتباعه في هذا المجال حين رفضوا الاستمرار في تلك الحروب، ومنعوا تجددها، بعد أن انصرفت قواهم البورجوازية إلى إقامة دولها القومية على امتداد القارة الأوروبية، فتوحدت أراضيها وشعوبها في دول حديثة ذات توجه علماني واضح، وفصلت الدين عن الدولة، وأقامت حكم المؤسسات الدستورية، واعتمدت العقلانية والليبرالية والخدمات الاجتماعية واحترام الحقوق الأساسية للإنسان طريقاً للخروج من إيديولوجية القرون الوسطى الغيبية، إلى الحداثة والمعاصرة في مختلف المجالات. فمعركة الحداثة هي، في أحد وجوهها الأساسية، معركة الخروج من دائرة الشعارات الشعبوية الفلاحية التي جعلت من الجماهير الشعبية وقوداً للحروب الصليبية في القرون الوسطى، وقضت على الإنتاج والقوى المنتجة معاً لمصلحة الكنيسة والنبلاء. لذلك رفضت البورجوازية الأوروبية إعادة تجديد تلك الحروب لمصلحة الكنيسة والنبلاء. وعلى قاعدة غناها الاقتصادي وتطورها الاجتماعي والسياسي بعد الاكتشافات البحرية، عملت على إشعال حروب داخلية (فقط؟) باسم الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، انتهت بهزيمة التحالف القائم بين الكنيسة والنبلاء لمصلحة البورجوازية الأوروبية الصاعدة.
"لعل المقارنة العلمية المهمة في هذا المجال بين السلطنة العثمانية والدويلات الأوروبية في القرن السادس عشر هي التي عقدها المؤرخون الاجتماعيون وليس المؤرخون المؤدلجون (نلاحظ قذف المخالف بتهمة الأدلجة وكأن الماركسيين ليسوا مؤدلجين، نفس التهمة التي يقذفها الغرب الليبرالي اليوم على مخالفيه وكأن فكره الليبرالي ليس إيديولوجياً)، من الأسئلة الأساسية التي طرحها المؤرخون الاجتماعيون حول القرن السادس عشر، عصر التحولات الكبرى في تاريخ الإنسانية من أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية ، إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، السؤال المنهجي المهم: لماذا سارت القوى البورجوازية المفككة في أوروبا في القرن السادس عشر إلى الوحدة المجتمعية والمؤسساتية عبر دولها القومية في القرون اللاحقة، فاستطاعت تطوير إنتاجها وتحقيق ثورتها الصناعية والعقلانية التي تجسدت بدولة المؤسسات، في حين سارت السلطنة العثمانية على الطريق النقيض تماماً من الوحدة الشاملة والدولة المترامية الأطراف إلى التفكك والعزلة والانهيار الاقتصادي والعجز عن حماية ولاياتها وأراضيها وخلافتها فكان السقوط المدوي في الحرب العالمية الأولى بعد تحولها إلى "الرجل المريض غير القابل للشفاء""  (ص 34-35).
فهل نسي حضرة الدكتور أنه إذا كانت البورجوازية قد رفضت العمل تحت راية الكنيسة والنبلاء، وهذا طبيعي كونها طبقة جديدة تريد أن تحل محل الطبقة القديمة، فإنها لم تقتصر على شن الحرب الداخلية على منافسيها بل قامت بغزو العالم كله ودمرته بعد الاكتشافات التي أشار إليها ولكنه لم يشر إلى نتائجها بطريقة علمية مع كونه يصف القراءات المخالفة بالأدلجة، ولا أدري ماذا نسمي هذا الاختزال، وكيف يمكننا القفز على ما صنعته الدول الأوروبية القومية منذ البداية في أمريكا ثم إفريقيا ثم آسيا؟ وكيف نغفل عن حركات الإبادة الجماعية في أمريكا والاسترقاق العام في إفريقيا والاستعمار الذي نهب من الهند أكثر مما أنتجته الثورة الصناعية ونشر الأفيون في الصين وسلب خيرات إفريقيا؟ من الذي صنع كل هذا؟ هل هي الكنيسة أم الدول القومية الصاعدة؟ وكيف لا نرى في المشهد سوى المؤسسات الدستورية والعقلانية وحقوق الإنسان وهي كلها تمت لصالح الداخل الأوروبي وكانت بالنسبة لنا نحن في العالم الخارجي مجرد أوهام لأن مكاسب أوروبا كانت على حسابنا، والقفز على سلبيات قاتلة، كان لها الدور الكبير في صعود أوروبا وكنا نحن وقودها، هو الأدلجة بعينها وإلا فماذا تكون أصلاً؟
أوروبا لم تتحول إلى القتل والنهب والاستغلال في مرحلة متأخرة بل كان ذلك منذ بداية التنوير وبصورة موسعة عن الحروب الصليبية التي كانت محدودة جغرافياً حتى لقد بدت الصورة وكأن الكنيسة كانت تلجم الأطماع وتحصرها في القبر المقدس ومحيطه فلما جاءت العلمانية والتنوير والديمقراطية وحقوق الإنسان والليبرالية والحرية وسّعت هذه الأطماع وأعطتها أسساً أكثر رسوخاً من أساطير الكتاب المقدس ولهذا رأينا جيوش أوروبا الغربية تسيح في البلدان وتجوب العالم كله مكونة امبراطوريات استعمارية واسعة قاتلة سالبة ناهبة منذ بداية العصر الحديث بعقله وعلمه وأنواره وديمقراطيته وحريته وعلمانيته وإنسانيته وليبراليته قبل قرون طويلة من "اليوم" الإمبريالي المزعوم، وكتب التاريخ الغربية نفسها مليئة بالحديث عن عصر الإمبراطوريات الاستعمارية هذه، وكيف تعمى القراءة "العلمية" عن كل هذه الحوادث الكبرى التي شملت العالم كله ولم تغب الشمس عنها ثم تتهم غيرها بالأدلجة وتحتكر صفة العلمية؟
وكيف نقفز ونتجاهل الدور الحاسم الذي قام به الاستيلاء على موارد الآخرين في نهضة أوروبا وهو ما تحدث عنه نفس المؤرخين الغربيين؟ كيف نتجاهل دور الهجرات الأوروبية غير المقيدة إلى بلاد الآخرين، التي كانت تعد أراض خالية، والتي خففت العبء السكاني عن أوروبا وأتاحت لها فرصة تنفيس الاحتقان العددي داخلها وتصدير مشاكلها إلى البلاد الأخرى بأعداد وصلت عشرات الملايين في مدة قياسية بمعايير التحركات البشرية مما جعلها من الهجرات الكبرى في التاريخ؟ وهو ما ترفض أوروبا منحه اليوم لبقية الأمم وتضع قيوداً على الهجرات الواسعة من المناطق المأزومة، كيف يمكن القفز عما نتج عن تلك الهجرات الأوروبية من مآس بشرية للسكان الأصليين الذين أبيدوا بالملايين وما وفره الاستيلاء على مواردهم، لاسيما عمل أيديهم وأراضيهم الواسعة في الأمريكتين وأستراليا ومعادنها الثمينة، من شروط لازمة لتطبيق مُثل الغرب ومبادئه الديمقراطية على البيض وحدهم؟ كيف يمكن تجاهل الدور الرئيس الذي قامت به تجارة الرقيق الأفارقة وعملهم في المزارع الأمريكية في تحقيق بناء الأمة الجديدة التي سادت العالم فيما بعد؟ كيف يمكن نسيان الموارد التي نهبها الاستعمار الأوروبي والدور الذي قامت به في تحقيق التراكم الذي بنيت عليه الثورة الصناعية والنهضة الغربية؟ كل هذا حدث منذ بداية النهضة والأنوار والعقل في أوروبا وليس في وقت متأخر كما تدعي الماركسية التقليدية وكان شرطاً ضرورياً لتحقيق تلك المثل التي لم تكن لتشمل كل الأوروبيين لولا هذه الفرص التي سارعت كل دول أوروبا لاقتناصها بما فيها الدول الصغيرة والحقيرة كبلجيكا وهولندا ثم يقال بعد كل هذا إن أوروبا أوقفت الحروب الخارجية والتفتت إلى داخلها لبنائه بتضحيات جمة؟ أليست هذه نظرة متحيزة ضد فكرة الدين بتحريف واقعها لصالح علمانية مثالية لا وجود لها إلا في الخيال؟ ألم نكن نحن هذه الأضحيات التي قدمت على مذبح النهوض الأوروبي؟ أليس في هذا الاختزال الواضح للتاريخ الأوروبي نفس العيب الذي أخذه الكاتب (ص33) على طرح الشعارات الإيديولوجية الكثيرة لإخفاء الأسئلة العلمية عمداً؟ ولماذا يحرم ذلك في الحالة العثمانية ويجب في الحالة الأوروبية؟
ثم ننتقل بعد ذلك للمزايدة على الأوروبيين أنفسهم، فليس المهم هو التعاطف العربي والإسلامي مع الدولة العثمانية (مواقف أمتنا لا أهمية لها فهي مجرد مواقف قاصرين لا يدركون حركة التاريخ وكأن هذه المواقف مجرد أحلام مراهقة لا واقع لها)، وليس المهم أيضاً مواقف منظري القيادات "الشعبوية" الأوروبية المتعاطفين مع الدولة العثمانية (نعم من غير المقبول أن يتنازل المتفوق حتى باعتراف لصالح المتخلف إذ عليه أن يحتكر التاريخ ومسيرته وفي حال تنازله عن هذا الاحتكار علينا نحن الأتباع أن نصحح فهمه ) فليس هذا التعاطف مقولة علمية قابلة للتحول إلى فهم تاريخي صحيح للتطور الاجتماعي، والقراءة الفلاحية لمبادئ الشريعة تحولت إلى نظم قمعية استبدادية تشبه استبداديات أوروبا، ولا تنتج وعودها الخلابة إلا الخيبة والمرارة للجماهير الشعبية.
الغريب في هذه اللغة أنها تجعل مسيرة أوروبا وحدها هي التي تتبع مسار قوانين التغير الاجتماعي "الواجب اتباعه" على الجميع، ويصبح علينا قراءة التاريخ من زاوية نجاح أوروبا، الذاتي، في الوصول إلى الليبرالية والعقلانية والعلمانية والحرية وحقوق الإنسان والمؤسسات والخدمات وفشل الدولة العثمانية رغم كل نجاحاتها وتفوقها الأولي من الوصول إلى نفس النتيجة وبذلك تتحول الإيجابيات إلى سلبيات وتصبح كل القراءات المخالفة في نظر هذه الرؤية مجرد أوهام غير علمية تؤدي إلى تراجعات وعراقيل سيتم تجاوزها في النهاية كما تجاوزتها أوروبا سابقاً وذلك عندما تتمكن قوى التغيير عندنا من صياغة مشروعها البديل على خطى من سبقها.
  -د. جيرمي سولت، ص 205-206.
  -حسن الضيقة، دولة محمد علي والغرب: الاستحواذ والاستقلال، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 2002، ص 285.