المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني8 


محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

 -من الذي عطل القوى الإنتاجية للشعوب؟ ثم من الذي عطل القوى الإنتاجية في بقية العالم؟ أليس هو الاستعمار الأوروبي الذي دمر الصناعة الهندية وتسبب في المجاعات (1770 و 1783 و 1865-1920 و 1943) التي حصدت الملايين في الهند ليتنعم الاستعمار بمواردها في نفس زمن المجاعة مع كون ناتج الهند قبل الاستعمار البريطاني يقدر بخمس الإنتاج العالمي ثم أصبح 4% فقط عند خروج الإنجليز وفقاً لبعض التقديرات، أليس الاستعمار الأوروبي هو الذي دمر المجتمع الصيني بنشر الأفيون باسم حرية التجارة؟ أليس الاستعمار الأوروبي هو الذي استنزف قوة إفريقيا بالاسترقاق عندما حلا له هذا ثم بالاستعمار لمحاربة الاسترقاق كما راق الأمر له بعد ذلك؟ وأين هي الحضارة التي وعدتنا بها أوروبا في صيغتيها "العلميتين" الليبرالية والماركسية بعد كل هذه التضحيات ورفض أي طريق بديل غير الطريق الغربي مع أن شواهد التاريخ أكدت على استقلالية كل أمة في طريق تطورها؟ وهل كان الحلم هو رفاهية المستعمِرين وحدهم؟ وهل الفردوس الأرضي الذي كنا نوعد به على ذلك المذبح الدموي، الذي رفض الاعتراف بأي طريق آخر للتطور ووزع تهم التخلف والوحشية تبعاً لذلك على كل من يقاومه، هو عالم يحتكر فيه النخبة المتحضرون (20%) غالبية موارد الأرض (80%) لتترك أغلبية البشر بخمس الموارد فقط دون الإقرار بالثمن الباهظ الذي دفعه الآخرون وكان من الممكن لو دفعوه في سبل تطورهم الخاصة لربما كانت النتيجة أوفى بمراحل؟

أليس كل هذا هو ما أدى إلى تعطيل القوى الإنتاجية وهو ما لم يكن التأكيد عليه سوى كإثبات البديهيات والإشارة إلى سطوع الشمس في رابعة النهار، ولكن ما العمل عندما يحصل من ارتكبوا كل هذه الجرائم في بلادنا على صفات القدوة الواجب اتباعها في ترديد عجيب للعناوين الماركسية التقليدية عن الدور الإيجابي للاستعمار وهو ما دفع ماركس لتأييد الاستعمار البريطاني في الهند ، وإنجلز لتأييد الاستعمار الفرنسي في الجزائر بالإضافة إلى الثناء على الظواهر الرأسمالية الظالمة كمؤسسة الرق في الولايات المتحدة بصفتها محركاً للتاريخ نحو المجتمع الاشتراكي دون الاعتبار بأي قيم أخلاقية خارج هذا الإطار، ولما ورثت الستالينية هذه الوحشية تم التغاضي عنها ليقال بعد ذلك إن العثمانيين هم مرتكبو الجرائم والمجازر لنستيقظ بعد ذلك من حلم المجتمع الفردوسي الشيوعي على أهوال بددت الحلم كله.
أما في الدولة العثمانية التي تتهم بتعطيل القوى المنتجة فقد استمر الاكتفاء الذاتي بقواها الإنتاجية حتى أيامها الأخيرة، وفي ذلك تقول الدكتورة ثريا فاروقي إن الأقاليم العثمانية كانت تتمتع بالاكتفاء الذاتي في السلع الضرورية اليومية والمواد الحربية في الفترة الممتدة من منتصف القرن السادس عشر إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وإن الدولة العثمانية كانت قادرة على الأداء دون استيراد البضائع الضرورية التي يحتاجها معظم السكان مثل الحبوب وبقية المواد الغذائية، بالإضافة إلى تصنيع الحديد والنحاس والأقمشة وكل الأشياء اللازمة للاستعمال اليومي بكميات كافية ، أما المواد الحربية فكان العثمانيون مكتفين ذاتياً إلى حد كبير، واستمر هذا الأمر في الناحية الغذائية حتى أواخر أيامها ، فماذا قدمت الشيوعية للفلاحين والقوى المنتجة التي ارتبطت بها غير سيول الدماء التي طفت عليها الإنجازات التنموية؟ ولماذا العمى عن الثمن الباهظ الذي دفعته الشعوب من قواها المنتجة نتيجة الارتباط بالسلطات الشيوعية المركزية الصارمة؟ حتى أصبح الحكام الشيوعيون من كبار جزاري التاريخ؟ ولماذا الصمت عن حروب الجيش الأحمر التي جندت واستنزفت القوى المنتجة في الاتحاد السوفييتي حتى سقط صريعاً بعد مدة وجيزة وسط مشاركة أو صمت من زعم أنه يحمي مصالحهم؟ وإذا كان السوفييت قد مدحوا لدورهم في الدفاع ضد النازية والفاشية فلماذا نعمى عن دور العثمانيين في التصدي للاستعمار الأوروبي؟ ثم ما هو البديل المشرق: أتاتورك وبورقيبة (ص 33)؟ ألم تبين نهاية هذه الرؤية أنها كانت مغرقة في التنظير الجامد؟
-اتهام الدولة العثمانية بممارسة "أشد أساليب القمع والإرهاب والتقتيل الجماعي، والتهجير القسري، وكم الحريات" (ص 29) يفقد أي مضمون له عندما يأتي من قراءة ماركسية بعدما ارتكبت أنظمتها الشمولية نفسها أشد أساليب القمع والإرهاب والتقتيل الجماعي والتهجير القسري وكم الحريات حتى أصبح بعض حكام الشيوعية كستالين وماوتسي تونغ وبول بوت ضمن أشهر جزاري التاريخ  ولم تعد الشعوب قادرة على الاستمرار في هذا البؤس والاضطهاد والحمام الدموي رغم الإنجازات التنموية ونفضت عن أنفسها هذه الأغلال في مدى عمر الإنسان الواحد، فكيف يمكن أن نعتقد بمصداقية جزار كبير يتباكى على دماء الآخرين وفي الوقت الذي عاش الآخرون ستة قرون وربع واستمرت شعوبهم تفضل بقاءهم عجز هو عن الاستمرار لقرن واحد فقط وسط رفض شعبي شامل رغم كل وسائله القمعية المتطورة.
-هل القراءة الماركسية علمية فعلاً؟ وتوصف هذه الرؤية رغم كل تجاوزاتها، التي سبق وصفها، بأنها نظرة محايدة بين إنكار كل إيجابيات الدولة العثمانية وإنكار كل سلبياتها، ورغم الانحياز الواضح لتشويه صفحتها وتبرئة أعدائها بما فيهم الغرب الاستعماري الذي لا يكون شراً إلا حين يكون في صف الدولة العثمانية أما حين يقف في صف معاد لها نرى السخرية من التعاطف العربي والإسلامي معها، والاستهزاء بالدفاع المستميت عنها في وجه صليبية أوروبا "المتجددة باستمرار" (ص 33) (وكأن هذا خيال من ابتداع أنصارها وليس حقيقة أشار إليها كثير من المؤرخين الغربيين أنفسهم)، ويتبدد العجب حين نرى الدفاع عن "الحركات التحررية العربية ضد السلطنة العثمانية وشعار النهضة" (فوفق هذه الرؤية المنحازة كان الهجوم على هذه الحركات التحررية "تحت ستار" مكافحة التغريب والاستلاب الثقافي وفقدان الشخصية العربية الإسلامية وضرب وحدة المسلمين وإلغاء الخلافة والهجوم على دعاة النهضة وعدهم جواسيس وعملاء للغرب وهراطقة ومرتدين وهي كلها في نظر هذه الرؤية شعارات "إيديولوجية" رغم الاعتراف بالارتباطات الاستعمارية لهذه الحركات التحررية (ص 39) ، لنصل إلى نتيجة عجيبة وهي أن هدف هذه الرؤية كان الدفاع عن نماذج فقيرة أنتجتها هذه الحركات وكان مصيرها إما أن شعوبها لفظتها ونفضتها عن ثوبها أو تراجعت عن التمسك بميراثها: أتاتورك (مع إغفال كل قسوته ودمويته ووصف أعماله بالإصلاحات)، وبورقيبة ! فهل هذه هي نماذج النهضة المرجوة أم أن الأمر لا يعدو شعارات إيديولوجية للتسويق)؟
هذه كلها حقائق موثقة وواقعة كما رأينا والخلاف ليس على تفسير الأحداث بل بسبب كون القراءة الإيديولوجية الماركسية تنفي الحقائق الواقعة وتحاول صب التاريخ في قالب جاهز دون الاعتراف بها، وإن محاولة نفي هذه الأحداث أو إنكار وجودها بعد هذه الإثباتات هي التي تدخل في باب الإيديولوجية وإخفاء الحقائق العلمية انطلاقاً من عد تاريخنا خارجاً عن المسار العلمي وأن اتباع المراحل الأوروبية هو الواجب على بقية الأمم ولهذا فإن الارتباط بالغرب لم يكن شراً بل نهوض حقيقي وفق القوانين "العلمية"، ولكن أين النتائج بعد كل ما حدث؟ أليس نفي كل هذا الواقع السلبي هو الإيديولوجية؟ وهكذا يوصف المخالفون برافعي شعارات إيديولوجية أخفت عمداً الأسئلة "العلمية" لنرى فيما بعد كيف كانت الحقيقة معكوسة وهي أن هذه الرؤية "العلمية" هي التي أخفت الحقائق لصالح رؤية إيديولوجية لواقع الغرب وأخفت حقائق كثيرة وروجت لنموذج كان السبب في دمار مجتمعاتنا بنفس التبرير الذي رفعه مجرمو الغرب وهو التمدين وجلب الحضارة، وكيف كان تعامل هذه الرؤية "العلمية" مع التاريخ بازدواجية معايير واضحة تجعل الأمر مرغوباً لو قام به أنصار الغرب وهو نفسه مذموماً لو قام به أعداؤه، مع أن الأمر يمكن أن يوضع تحت بند التطور الذاتي، ولكن الرؤى التي تحتكر الصفة "العلمية" ترفض أي تنازل لرؤى أخرى، والغريب أن تستنكر هذه القراءة رؤية للدولة العثمانية دولة مفترى عليها رغم أن صاحب هذه الرؤية وهو الأستاذ الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي كتب عملاً موسوعياً هو الكتاب الشهير "الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها" في إثبات مقولته واستند إلى مراجع وحقائق عديدة تذكر الإيجابيات والسلبيات، فتشطب رؤيته بجرة قلم يدعي الحيادية لصالح رؤية رأينا أنها هي التعميم الإيديولوجي الذي قفز عن كل معاناة الأمة ليصف أعداءها بأوصاف لم تلمس منه الجماهير التي يدافع عنها أي واقع إيجابي لا سيما في الأمثلة العجيبة التي وصفت لنا خيارات غير "الاضطهاد" العثماني مع كونها أشد قسوة وتخلفاً وعمالة بشهادة شعوبها التي صبرت على "الاضطهاد" العثماني أربعة قرون ثم نفضت عن واقعها هذه الأمثلة بعمر جيل واحد.
  - ثريا فاروقي، الدولة العثمانية والعالم المحيط بها، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2008، ترجمة: د. حاتم الطحاوي، ص 19 و 54-55.
  -محمد شعبان صوان، السلطان والمنزل: الحياة الاقتصادية في آخر أيام الخلافة العثمانية ومقاومتها لتمدد الرأسمالية الغربية، دار الروافد الثقافية، بيروت، ودار ابن النديم، الجزائر، 2013، ص 16-17 و 65-69.