المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني6 


محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

 استنزاف عثماني أم عدوان غربي؟ ثم إن الادعاء بأن الاستنزاف استمر في مرحلة الضعف في الحروب الداخلية وحملات التأديب وقمع العصيان يلفت الأنظار بشكل مخل عن الدور الغربي في العدوان ويصور بشكل غير واقعي صورة دولة لا هم لها سوى قمع مواطنيها الساخطين ولو كان الأمر كما يزعم أنها طورت أساليب القمع السابقة عليها لما استمر الحكم العثماني أربعة قرون وفي أماكن أخرى ستة قرون في حين أن دولاً كبرى مارست القمع في مناطق أصغر ولم تستطع الاستمرار أكثر من قرن وثلث في حالات استثنائية كما حصل مع الاستعمار الفرنسي في الجزائر رغم كل تجهيزاته القمعية الحديثة، بل إننا نجد في البحث التاريخي الجديد صورة مناقضة لفكرة الاستنزاف ومؤكدة للدور المقاوم للدولة العثمانية، وفي هذا يقول كواترت:"إن هذه الإمبراطورية بقيت تكافح للمحافظة على نفوذها حتى أيامها الأخيرة في الوقت الذي كانت الإمبريالية الأوروبية في ذروة تسلطها وحين كانت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية تسيطران على معظم مناطق المعمورة، وفي أواخر القرن التاسع عشر لم يكن هناك سوى قلة قليلة من الدول المستقلة خارج القارة الأوروبية، ولعل أهمها، الدولة العثمانية والصين واليابان، وبصفتها دولاً مستقلة كانت آنذاك محط آمال الشعوب الآسيوية المستعمَرة في كفاحها ضد الإمبريالية الأوروبية ، كما يلاحظ المؤرخ جستن مكارثي أنه في القرن التاسع عشر "في الوقت الذي كانت فيه الإمبراطورية العثمانية تكافح لإصلاح ذاتها والحفاظ على وجودها دولة حديثة، اضطرت في البداية إلى أن تستنزف مواردها المحدودة لتحمي شعبها من القتل على يد أعدائها ثم إلى أن تحاول أن تقدم الرعاية للاجئين الذين تدفقوا إلى الإمبراطورية عندما انتصر هؤلاء الأعداء...لم يكن للدولة العثمانية "فسحة للتنفس" لترتيب بيتها من الداخل، كانت هناك حاجة إلى الوقت لبناء دولة وجيش حديثين. كانت هناك حاجة إلى الوقت لخلق الاقتصاد الصناعي الذي كان أساس الدولة القوية. لم يتح أعداء العثمانيين، خصوصاً روسيا، لهم هذا الوقت" واضطروا الدولة لخوض حروب متتالية في الأعوام التالية كالحرب مع روسيا (1806-1812) والحرب الثانية مع روسيا أيضاً (1828-1829) والحرب مع محمد علي باشا التي أججتها أوروبا ومنعت التفاهم بين طرفيها  (1832-1833) و(1839-1840) وحرب القرم مع روسيا (1853-1856) والحرب الرابعة مع روسيا كذلك (1877-1878) والحرب مع اليونان (1897) وحروب البلقان (1911-1913) والحرب الكبرى الأولى (1914-1918) وحرب الاستقلال (1919-1923) ، إضافة إلى حوادث العصيان المسلح الكبرى في مصر عام (1804) والانتفاضة الصربية (1815-1817) والثورة اليونانية (1821-1830) والثورة في جزيرة كريت (1866-1868) والثورة في بلغاريا (1875) و(1876) والتمرد الأرمني (1896-1897)، وهلكت الجيوش العثمانية التي كانت في طور التدريب وأُجبرت على خوض الحروب وهي غير مهيأة، وأُنفقت الموارد المالية اللازمة للتحديث على هزائم أدت إلى خسارة الأرض والدخل، فكان الضعف هو سبب خسائر العثمانيين التي أبقتهم أضعف من القدرة على النهوض .

ويؤكد المؤرخ جيرمي سولت ما سبق بقوله إنه "منذ بدايات القرن التاسع عشر كان الغرب الإمبريالي هو الذي يقرر الحدود؛ وفي الغالب كان المسلمون هم الذين يموتون في آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان وأفريقيا، وكان السلطان العثماني يحاول جاهداً الاحتفاظ بما عنده، ولم يكن في وضع يسمح له بفرض الحدود على أي كان....(و) على مدى قرن من الزمان تقريباً كان السلام العثماني الطويل يتمزق بثورات إثنية دينية قومية، مدعومة في الغالب بقوى أجنبية وكثيراً ما تنتهي بحرب" وكانت دماء المسلمين هي التي "سفحت بغزارة"  وكانت الدوافع الغربية للغزو والاجتياح والاحتلال والعقوبات الجماعية والغارات والتخريب والتدمير والتمرد والضراوة والتهويل الاستغلال الاقتصادي ودعم الحكام الطغاة والمرتشين والمحرَضين والتلاعب بهم هي الحاجات الاستراتيجية والطمع التجاري ، المنطق الإمبريالي المتعجرف منذ الحملة الفرنسية على مصر 1798 :"نحن نهاجم وأنتم المهجوم عليكم. نحن نجتاح وأنتم من يتعرض للاجتياح. نحن نحتل وأنتم من تحتل بلادكم. نحن نهدد وأنتم ترتعبون. نحن نحاضر وأنتم الذين تستمعون. نحن نقتل وأنتم القتلى....."  بتبريرات بلاغية متشابهة عبر العصور: "المدنية والنظام في القرن التاسع عشر؛ المدنية والحرية والديمقراطية في القرن العشرين...كانت المدنية والقيم الغربية والديمقراطية هي الأقنعة، في حين كانت القوة البهيمية هي الوجه الحقيقي" .
ثم يتم إغفال كل هذا الدور الاستعماري الغربي، وتدان الدولة العثمانية، برأي إيديولوجي مسبق يريد صب الوقائع في قالبه قسراً، باستنزاف شعوبها رغم أنها كانت تدافع عنها، بل يحصل الغرب على شهادة النجاح في الليبرالية وحقوق الإنسان والحرية حيث تحول إلى الإمبريالية "اليوم"، ثم إن علينا استقصاء حالات العصيان التي حملت أكثر مما تحتمل حين صورت كحركات ثورية قومية استقلالية في الوقت الذي "جاء القادة المحليون (في الأقاليم العربية) من فئات مختلفة، فمنهم كبار الأسر المملوكية، ومنهم شيوخ القبائل، ومنهم وجهاء المدن. وكان دافعهم هو الطموح، وليس شعوراً معيناً بالاستياء من أسلوب العثمانيين في إدارة الأمور...(و) مع أن ظهور مثل هؤلاء القادة المحليين لم يكن قاصراً على الأقاليم العربية-إذ ظهر أمثالهم في دول البلقان وفي الأناضول التركية- فإن الأراضي العربية كانت أقل أهمية لإسطنبول من جميع النواحي؛ فالعثمانيون اعتمدوا على عائدات الأراضي العربية وقواتها أقل مما اعتمدوا على عائدات البلقان والأناضول وقواتهما. إضافة إلى هذا فإن الأقاليم العربية أبعد كثيراً عن إسطنبول من البلقان والأناضول، ولم تكن الحكومة المركزية على استعداد لأن تكرس قواتها ومواردها للقضاء على حركات التمرد الصغيرة. واهتمت إسطنبول بالتحديات التي أثارتها فيينا وموسكو أكثر ما اهتمت بالمشكلات التي أثارها القادة المحليون في دمشق والقاهرة. (و) بحلول القرن الثامن عشر كانت التهديدات التي تتعرض لها الإمبراطورية العثمانية من جيرانها الأوروبيين أكبر كثيراً من أي تهديد من الممكن أن توجهه لها الأراضي العربية ... وهكذا لم يكن لتهديدات وجهاء بغداد أو دمشق أي وزن أو أهمية إذا قورنت بتهديدات من هذا الحجم (في النمسا وروسيا) ...(و) لم يمثل القادة المحليون حركة عربية بأي شكل من الأشكال، وكثير منهم لم ينتموا للعرق العربي، بل إن كثيرين منهم لم يتحدثوا العربية أصلاً. ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كان المتمردون على السيادة العثمانية أفراداً طموحين يسعون لتحقيق مصالح شخصية دون اهتمام كبير بالشعوب العربية التي يحكمونها" كما يقول المؤرخ البريطاني يوجين روجان (2009) ، ويقول المؤرخ الفرنسي روبير مانتران (1969): "ظلت الفترة العثمانية من تاريخ مصر، تعامل كما لو كانت أحد الأقارب الفقراء لهذا التاريخ. وحين نتصفح المؤلفات التي تناولت هذه الحقبة، فإننا نلاحظ أن تناول حقبة كهذه بلغت ثلاثة قرون من تاريخ مصر، قد اقتصر – حتى عهد قريب- على عدة فصول هزيلة، كما أنه كان يتم من زاوية لا تقدم إلا كل ما يثبط الهمم، ويعود هذا إلى حقيقة أننا ظللنا نعتمد أساساً ولفترة طويلة على يوميات أو حوليات لم تكن تقدم عن التاريخ الحقيقي لمصر إلا بعضاً من الأخبار البالغة السطحية كما يعود بالمثل إلى أن مؤرخي الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر –وخاصة ابتداء من جوزيف فون هامر (Joseph Von Hammer)- قد اقتصر تناولهم لتلك الحقبة على أحداثها العارضة فكانوا يلحون بشدة في بعض الأحيان على الاضطرابات والاغتيالات وحوادث العصيان والتمرد .. إلخ الأمر الذي جعل العثمانيين يبدون في أسوأ مظاهرهم مما ساهم في اتهامهم بأنهم قد أغرقوا مصر في فوضى سياسية واضطراب مالي، وبأنهم جروا إليها الخراب الاقتصادي منذ مجيئهم وحتى قدوم حملة بونابرت" .
ويرد على هذه المزاعم بمقال جاء فيه: "إن السيطرة التي كانت تمارسها حكومة إستانبول على مصر لم تكن شديدة الوطأة كما لم تكن بالغة التعسف والجور. ومما لا شك فيه أننا نستطيع أن نتبين قيام الكثير من الاضطرابات، مثال ذلك اضطرابات أعوام 977، 1004، 1005، 1012، 1017، 1027. إلخ، لكنها في الواقع ليست اضطرابات تمرد أو حركات عصيان شعبية، ولكنها اضطرابات كانت تقوم بها الإنكشارية وبقية الأوجاقات، إما بسبب عدم حصولهم على رواتبهم وإما بسبب صدامهم مع المماليك. ولذا فيمكن القول بأنها كانت مجرد "مشاجرات شوارع" أكثر مما كانت ثورات حقيقية. وبعد ذلك، وخاصة في القرن الثامن عشر كان السبب الحقيقي للتوتر بين القاهرة وإستانبول ناتجاً عن أن إستانبول بدأت تستعيض تدريجياً عن النظام القديم للأوجاقات، بجيش من نمط جديد يتألف من متطوعين. فالسبب إذن هو مصاريف هذه الفرق العسكرية الجديدة أكثر مما هو بذخ الباشوات أو مطالب الباب العالي...." .
ويؤكد جب وبوون على وضع السلبيات في حجمها إذ يذكران أن سوريا تمتعت بحياة اجتماعية واقتصادية مزدهرة إلى حد كبير في ظل الإدارة العثمانية وبرغم الاضطرابات العسكرية وانتهاب الباشوات ومحصلي الضرائب والعرب (البدو)، وبرغم الأوبئة والمجاعات التي تمتلئ بها حوليات حلب ودمشق، فإن هنالك القليل مما يرجح أن التنظيم الداخلي للبلاد حتى حوالي 1750 كان يئن تحت وطأة أي ضربة جسيمة" .
وبهذا نلاحظ الفرق الشاسع بين التاريخ عندما تكتبه الإيديولوجيا ونفس التاريخ عندما تسجله الوقائع، ويجب ملاحظة أن من يكتب بالإنصاف ليس من الضروري أن يكون متعاطفاً مع العثمانيين كما ألمح حضرة المقدم (ص 18-19)، فكثير من هؤلاء المؤرخين من الغرب والشرق، وليسوا مسلمين ولا أتراكاً، وكتبوا بعد انتفاء أي مصلحة يمكن الحصول عليها، بل إن هناك من بدأ معاديا للدولة العثمانية ولكنه غيّر أفكاره بعد دراسة معمقة، وقد صرح بهذا الأمر جب وبوون وغيرهما، وإذا كان حال الدولة العثمانية يتجه للأسوأ بمرور الزمن فهذا لا يعني أن الشعار كان مجرد تضليل، بل كان دليلاً عملياً لمدة طويلة ظهر فيها كثير من الإيجابيات ولم تكن مجرد إيديولوجيا مثالية أو كتابات دينية أو صور خيالية أو خديعة إعلامية ولكن حين كانت الإيجابيات تتراجع فذلك نتيجة ظاهرة طبيعية هي ضعف بنيان الدولة بعد التقدم في العمر وليس بسبب الخداع أو استحالة التطبيق، ولهذا نرى أن الإيجابيات لم تتوقف في القرن السادس عشر كما تزعم الرؤية الإيديولوجية، هذا إلى جانب أن السخط الحقيقي في بلادنا كان ضد الغرب الحقوقي التنويري الديمقراطي والاستعماري في نفس الوقت، وهذا هو الخطر الذي واجهته الأمة حين اعتدى عليها بشعارات لا يمكن تصديقها وليس ما فعله المدافعون عنها حتى اللحظة الأخيرة، فكم من الوقت استطاع الغرب بكل آلته القمعية أن يبقى في بلادنا مقارنة بدولة العثمانيين "المتخلفة"؟
  -دونالد كواترت، ص 46.
  -د. جوزف حجار، أوروبا ومصير الشرق العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1976، ترجمة:بطرس الحلاق وماجد نعمه، ص 133.
-بيتر مانسفيلد، تاريخ الشرق الأوسط، النايا للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، 2011، ترجمة: أدهم مطر، ص 93.
  -جستن مكارثي، الطرد والإبادة مصير المسلمين العثمانيين (1821-1922 م)، قدمس للنشر والتوزيع، دمشق، 2005، ترجمة:فريد الغزي، ص 23-28.
  -د. جيرمي سولت، ص 47 و78 و15.
  -نفس المرجع، ص 449.
  -نفس المرجع، ص 450.
  -نفس المرجع، ص 13 و449.
  -يوجين روجان، ص 65-67.
  -روبير مونتران، العلاقات بين القاهرة وإستانبول أثناء الحكم العثماني لمصر من القرن 16 حتى القرن 18، بحث مقدم إلى ندوة ألفية القاهرة - إبريل 1969، مجلة المجلة، ترجمة: زهير الشايب، ص 58.
  -هاملتون جب وهارولد بوون، ص 30.