المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني16 


محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

 

۞خلاصة واستنتاج
-قراءة إيديولوجية تطالب الناس بعكسها: نادى حضرة الكاتب في البداية بضرورة الحياد وعدم النظر للموضوع نظرة إيديولوجية تحرف الوقائع وتضعها في قوالب مخالفة للأحداث ولكنه سقط فيما حذر منه، وإضافة لكونه يحرف وقائع التاريخ وأحداثه بما تمليه عليه النظرة الإيديولوجية التي تدعي العلمية وتنظر بفوقية لما عداها رغم أنها سقطت بعد برهة وجيزة، فقد استخدم مراجع قديمة تميزت بالعموميات ولم يطلع على الأبحاث التي استجدت في الموضوع بل اطلع على بعضها ولم  يعتبر بمعلوماتها حيث كان همه نقض ما جاء به المؤرخ فلاديمير إيفانوف، ولو التمسنا عذراً للدكتور في طبعة الكتاب الأولى حين كان للإيديولوجية الماركسية دولة قائمة عليها فقد كان من الواجب إجراء مراجعة جذرية وعدم الجمود ، وهي نفس دعوة الكاتب، وذلك بعد الانهيار المريع لنظرية كانت تحتكر الصفة العلمية وتسفه ما عداها ثم أصبحت في عداد الانهيار.
-ضيق الأفق في نظرة المراحل الحتمية: إن السلبية الرئيسة في هذه القراءة هي محاولة صب التاريخ في قالب المراحل الجامدة التي تحدثت عنها الماركسية من المشاعية إلى العبودية إلى الإقطاع ثم الرأسمالية ثم الشيوعية، وفي هذا الإطار يتم تقويم الحوادث التاريخية حسب انطباقها على هذه المسطرة، فما يسهل القطار التاريخي السائر بحتمية نحو الشيوعية يكون صحيحاً وما تعارض مع ذلك يكون خاطئاً دون أي اهتمام بصفات أخلاقية "مثالية"، وذلك كمن ينادون بنشر الرذائل في المجتمع الإسلامي المنحل لتعجيل ظهور المهدي المنتظر، فليس هناك أي أهمية لأي إيجابية للدولة العثمانية ما دام تاريخها لم يفض إلى المرحلة الرأسمالية التي سبقت إليها أوروبا لتكون تمهيداً للفردوس الشيوعي الموعود، ومن هنا يتم الثناء على تجربة محمد علي "الرأسمالية" ويصبح من غير المجدي الحديث عن اتفاقه مع أوروبا على ذلك، أما السلطان العثماني الذي لم يهتد إلى الرأسمالية فإن اتفاقه مع أوروبا يكون حلفاً استعمارياً، وكذلك لا اعتراض على ظواهر التغريب وعمالتها مادامت تسير على الصراط التاريخي "العلمي" المستقيم، حتى لو حصلت على الدعم الاستعماري، أما مقاومة العثمانيين فليس لها سوى الموت في مواجهة "التحولات التاريخية الكبرى" التي أطاحت بها، ولا يكون من الخطأ سفك الدماء إلا إذا كان في غير المسار "العلمي"، ولهذا تسفح الدموع على ضحايا الدولة العثمانية دون ضحايا الاشتراكية العلمية بل والاستعمار الغربي أيضاً، ولا مانع من إلصاق التهم بالعثماني مع تبرئة الرأسمالي من حقائق مشابهة، إذ يمكن القول إن العثماني ظالم مستبد دموي يضطهد فلاحيه، مع الثناء على ظاهرة العبودية الإفريقية في الولايات المتحدة، ولا يهم أن يكون الفلاح العثماني أفضل حالاً من الرقيق الإفريقي في أمريكا، بل ما يهم الماركسي أن ظاهرة العبودية في أمريكا جزء من فعالية الطبقة البورجوازية السائرة في مسار التاريخ "العلمي" و "الصحيح" نحو الشيوعية، وضحايا البورجوازية هم أضحيات في سبيل دخول الجنة، وقد وسم هاجس البحث عن المظاهر الرأسمالية والطبقة البورجوازية في تاريخنا القراءة الماركسية دون جدوى ودون القبول بأي سبيل آخر للتطور غير ما رسمه مؤسسو الفكرة نتيجة قراءتهم الحصرية وإلمامهم المحدود بالتاريخ، حتى لاقى المعسكر الاشتراكي حتفه قبل أن يوصلنا إلى الجنة.
-فوائد دون جمود: وعموماً فإن للتفسير الماركسي جوانبه المفيدة في لفت النظر إلى أهمية العوامل المادية في حركة التاريخ، ولكن الجمود عليها غير صحيح، إذ بماذا نفسر انقلاب الشعوب والجماهير العمالية على هذه النظرية التي ادعت أنها أتت لحماية هؤلاء؟ وكيف تقوم دولة الجماهير بقمع وقتل الملايين في روسيا وشرق أوروبا في سبيل الوصول إلى تحقيق الفردوس المزعوم؟ وكيف نفسر ثورة الجماهير على الثورة نفسها؟ 1956 و 1968 و1989.
-إن للتغيير حتى الآن تجربتين عمليتين: التجربة الأوروبية الغربية التي قامت على أشلاء العالمين في الأمريكتين وأستراليا وإفريقيا وآسيا ثم استقرت على توزيع موارد العالم على نخبتها وترك الفتات لمعظم البشرية، وحتى لو رغبنا باستنساخ هذه التجربة فلن تنجح بدلالة أرقام الاحتكار غير القابل للتعميم، كما أن الخطر آت من قبل العدوان الغربي الذي يحطم كل نهضاتنا حتى لو سارت على نهجه، والثانية هي المحاولة الاشتراكية التي تكلفت ملايين الضحايا في الداخل دون القدرة على الاستمرار والصمود في وجه الدعاية والاستنزاف الغربيين رغم أنها كانت قد صدت الهجوم الغربي المسلح عقب انتصار الثورة البلشفية ونقلت الاتحاد السوفييتي نقلة صناعية نوعية في غضون جيل واحد.
-أين الخطر على النهوض؟ إن الخطر على نهوضنا ليس مما يسميه الكاتب الشعبوية الدينية المعاصرة ولا من القراءة الفلاحية لمبادئ الشريعة الإسلامية، وكونها لم تعد الحياة إلى الدولة العثمانية فهذا ليس استثناء من قوانين الحياة إذ لم تعد إلى الحياة أية دولة بعد ضعفها وزوالها ولكن علينا أن نتذكر أن استمرارية دولة شيء واستمرارية الأمة شيء آخر، وكثير من الدول سقطت في تاريخ الإسلام بعد أعمار متفاوتة ولكن الأمة كانت تنهض من جديد بعد كل كبوة، والخطر آت منذ قرنين من العدوان الغربي الذي تمارسه الدول الكبرى لوأد أية نهضة في أمتنا بقوة السلاح، ومع أنه ليس من الغريب الانبهار بالواقع الغربي، فإن الخطر آت من المنبهرين أصحاب الأوهام الحداثية الذين يحلمون بتكرار المستحيل واصطف كثير منهم مع الإمبرياليات ضد شعوبهم وأصبحوا آباء رغال جدد ضد أمتهم بزعم موهوم ثبت فشله مرات ومرات بأن التجديد قادم مع دبابات المستعمر، هذا هو الخطر الذي ثبت بالفعل وليس أحلام الشعوب بتجارب تنمية مستقلة بعدما فشلت التبعية.
-الماركسية نظّرت للاستعمار الغربي فأزالها من الوجود: إن من يعتقد بأي دور تقدمي للغرب بتلك الصورة المثالية يسهل عليه أن يألفها ويسوقها بصورة مهدوية لا أساس عملياً لها وما دامت الشيوعية قد فشلت وانهارت فالتعويل سيعود في منظورهم إلى الغرب الأكثر حداثة من تخلفنا المزعوم لا سيما أنه سحق وفق هذه الرؤية الإيديولوجيا الشعبوية الدينية ثم أثبت وجوده ضد الإيديولوجيا الشيوعية نفسها، فكان من الطبيعي بعد فشل النموذج السوفييتي أن يتعلق أنصاره بالنموذج الليبرالي الأقرب إليه بحكم الجوار الحضاري الذي أدى في الماضي إلى مدح المهمة التمدينية للاستعمار التي يبدو الرجوع إليها وارداً بعد السقوط السوفييتي، ولكن هذا هو الوهم وهذا هو الخيال الذي يلوم الضحية ويحملها مسئولية الجريمة التي ارتكبت ضد ضعفها وبدلاً من استقاء العبر من سلوك المجرم المعترف به (ص 39) للاهتداء إلى طريقة مثلى في التعامل مع واقع إجرامه لصد خطره يتم الاصطفاف إلى جانبه والفخر بتحولاته الكبرى رغم أنها كانت على حساب الأمة التي لم تأل جهداً في التحديث والتجديد حتى على غرار الغرب لكنه كان بالمرصاد وهذا هو سبب فشلنا حتى اليوم والخطر من هذه الجهة لا من غيرها ولهذا لا يجوز الشماتة بعثرات الأمة ونسبتها إلى عيوب متأصلة فيها.
-مسئولية الفشل: وإن محاولة تحميل تراث الأمة جريرة الجرائم الغربية هي دهليز العمالة الرغالية والفشل في تشخيص المرض مما يؤدي إلى الاصطفاف مع العدو بحجة الإنقاذ الذي ليس هناك دليل عملي واحد عليه كما أن أنظمة التحديث كانت علمانية على غرار التجارب الغربية وليس لديها أحلام دينية ومن حطمها هو الغرب وليست أحلامنا أو تراثنا ومن الظلم الواضح حسبان هذه الأنظمة على التراث.
-فرص النهوض بالمحاولة والخطأ: المطلوب اليوم بعد هذه العبر المتواصلة من تاريخنا الحديث والمعاصر أن نأخذ فرصتنا في المحاولة والخطأ كما أخذ الغرب فرصه العديدة "بتضحيات" جمة كما يذكر الكاتب وقد تراوحت اتجاهات النهضة الأوروبية بين التعصب الديني المتزمت والإلحاد المنفلت ولم يكن أي لون من هذا الطيف خطراً على النتيجة وهو أيضاً ليس خطراً علينا إلا في لحظة التدخل الخارجي لحرف مسار الأحداث لصالحه لا للصالح المحلي، أما التجربة مع الخطأ والصواب فليس فيها ما يعيب.
-اتفقوا علينا واتهمونا بأمراضهم: لقد اتفقت مدرسة التغريب الليبرالي والمدرسة الماركسية على نقد تاريخنا نقداً لاذعاً بصفته منبع التخلف والاستبداد والتوحش والدموية، كان غرض الغرب هو تفتيت وحدة بلادنا ونهب ثرواتها وساعده على ذلك تبعية التغريب التي مهدت الطريق لأفكاره التي أدت إلى الهيمنة على بلادنا ونهب مواردها بعد تدمير وحدتها، اتفق الماركسيون مع الرأسمالية بصفتها المرحلة اللازمة وخطوة رئيسة للوصول إلى جنة الشيوعية الموعودة، فنقدوا تاريخنا لتخلفه عن ركب التاريخ "العلمي" الذي يجب أن يمر بالمراحل المحددة سلفاً، كان غرض الليبرالية هو النهب وغرض الماركسية هو الدعاية، لم تنجز أي من المدرستين وعودهما البراقة، انتهت وعود الغرب باحتكاره ثروة الأمم، وانتهت وعود الشرق إلى حتف الشيوعية، وكل ما رموا به التاريخ الإسلامي من صفات سلبية كانت لصيقة بهم أكثر من اتصافنا بها، فالقتل والنهب والاستغلال والاحتلال والدمار والتمييز والظلم والاضطهاد أفعال مارسها الغربيون والشيوعيون أكثر بكثير مما شهده طول تاريخنا، والأحلام الخيالية والشعارات الطوباوية صدروها هم لنا بعناوين مختلفة ثبت كذب جميعها كالحضارة والمدنية والحرية والمساواة والإنسانية والديمقراطية والعلمانية ونهاية التاريخ والرخاء والازدهار والوفرة والاشتراكية والتقدم، إذ لم يتحقق عندنا شيء منها، والأولى لنا بعد هذه التجارب المريرة من التبعية أن نبحث عما في جعبتنا بعدما خابت آمالنا في صدقات الآخرين التي طلبناها دون تقدير مخزوننا الحقيقي.
-ليس كل ما تروجه الدعاية السياسية صحيحاً: لقد راجت هذه القراءة الماركسية في زمن المد الشيوعي وكانت تحتفي بنفسها بصفتها القراءة العلمية الوحيدة القادرة على تحليل الظواهر الاجتماعية ووزعت تهم الوهم والتخلف على ما عداها بفوقية ظاهرة وغير مبررة، ثم انهارت في لمح البصر بشكل مفاجئ ومدوي، فتوزع أنصارها السابقون على مختلف التيارات الأخرى، والعجيب أن كثيراً من المتطرفين السابقين منهم صاروا متطرفين جدداً في المدارس الاستعمارية المحافظة الجديدة، وهذا ما يعطينا الدرس الأهم من هذه المراجعة وهي وجوب عدم الانبهار بالدعاية السياسية والرواج الإعلامي دون تمحيص فكري عميق.
-ماذا فعلت بنا الدعاوى "العلمية"؟ لقد ادعى الماركسيون أن رؤيتهم المادية هي رؤية علمية لا جدال فيها، وأي اعتراض عليها جهل وتخلف، مما جعل كل الدماء المليونية التي سفكتها مبررة بصفتها تضحيات في سبيل اليوم الفردوسي الموعود، ولو نظرنا على الضفة الأخرى لوجدنا أن الخسائر الضخمة التي أوقعها الاستعمار الغربي بمستعمراته تمت تحت عنوان "العلم" أيضاً الذي حكم بتراتبية الأجناس ورقي الجنس الأبيض وحقيقة الصراع من أجل البقاء للأصلح، وباسم كل ذلك ارتكبت جرائم الإبادات الجماعية في قارات بأكملها بالإضافة إلى الاسترقاق والاستعمار في قارات أخرى، وفي كل مرة كان "العلم" حاضراً لتبرير أي جريمة مهما بلغت وحشيتها، وأي اعتراض كان يدرج تحت عناوين الجهل والتخلف والبدائية أيضاً، وبعد ذلك يأتي أنصار العلم، الذي "يصح أخطاءه" ويسير نحو اليوم الفردوسي الموعود أيضاً، ليعتذروا بكل بساطة عن أخطائهم ويكشفوا لنا أن العلم لم يكن علماً، فالماركسية لم تصمد وتراتبية الأجناس لا سند لها، وأن كل ذلك كان مجرد إيديولوجيا لتبرير المصالح، وما علينا إلا القبول في انتظار ذلك الحلم الموعود الذي لا نعرف كم ستستمر التضحيات الضخمة من جانب الضحايا والمظالم الكبرى من جانب الأقوياء في سبيل تحقيقه ومتى سيتم ذلك؟ فبأي حق يتحدث هؤلاء أو أولئك عن كون الدين مجرد إيديولوجيا لتبرير مصالح طبقات مسيطرة؟