المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني15 


محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

 

-الأنظمة العربية متناقضة مع الحكم العثماني: ثم إن ربط الأنظمة العربية بالماضي العثماني يقفز على كثير من الحقائق التي تنقض هذا الارتباط ويبرئ القوى الأوروبية التي صنعت هذه الأنظمة ونصبتها وأنفقت عليها وليس من العدل ربطها بالدولة العثمانية لأجل تبييض صفحة الشعارات الليبرالية التي صنعتها وروجتها أوروبا، وإنه من العجيب أن تحسب هوية الأنظمة العربية على الماضي العثماني وقسم كبير منها بنى شرعيته على الانفصال عن الدولة العثمانية والتحالف مع القوى الاستعمارية والارتباط بها وهو ما أقر به الكاتب نفسه فيما سبق، فلماذا تحسب الحركات الانفصالية على أوروبا عندما توصف بالنهضوية في مرحلتها الثورية ثم لما تصل إلى الحكم وتسيء السلوك نعيد ربطها بالواقع الذي انفصلت عنه وثارت عليه؟
-الاتحاد السوفييتي هو الذي واجه المصير الحتمي للاستبداد: ثم إن الحديث عن "المصير الحتمي" للإيديولوجية السلطوية المعادية للتغيير وعدم قدرة الشعارات الشعبوية المتسربلة باسم الدين على إنقاذها عندما تصبح قوى التغيير الجذري قادرة على صياغة مشروعها البديل، يبدو أنه انطبق أولاً على نفس هذه الإيديولوجية التي تسربلت بحماية مصالح الطبقات الشعبية فاجتاحتها قوى التغيير دون حتى مشروع تغييري جذري بل كانت هذه الإيديولوجية من الهشاشة والضعف أن تمكنت قوى الردة الرجعية الرأسمالية من القضاء عليها وسحقها ولم تتمكن شعاراتها الشعبية من إنقاذها من مصيرها الحتمي بعدما تحولت إلى إيديولوجية سلطوية استبدادية ديكتاتورية، وسنجد المسألة الأساسية في جوهرها ليست في الإجابة عن مدى مصداقية الشعارات الثورية الشعبية وتعاطف الجماهير الفلاحية والعمالية والمسحوقة معها وتوقها لتطبيق مبادئ الاشتراكية الشيوعية على أيديها، بل في الإجابة عن الطبيعة الاستبدادية الديكتاتورية للسلطة السوفييتية ومدى رغبتها أو إفادتها من تنفيذ شعاراتها غير الطبقية، أما الحنين إلى هذا الماضي السوفييتي فلا يمكن أن يخفي الوجه الطبقي للقوى التي سيطرت على شعوب الكتلة السوفييتية باسم تحرر الشعوب وإلغاء الطبقات.
-زوال الاستعمار مصير استبداده: ونفس الحديث ينطبق على الإيديولوجية الليبرالية الاستعمارية التي غزت الشعوب وحكمتها باسم جلب الحضارة والتمدين وأجبرتها على القتال في سبيلها في الحروب العظمى التي دخلتها ومع ذلك كان جزاؤها التنكر لإنجازاتها وسفك دمائها لما طالبت بنصيبها من الجنة الموعودة بعدما دفعت ثمنها غالياً، وبعد السكرة بالديمقراطية والحرية والليبرالية وحقوق الإنسان جاءت الفكرة بالاستعمار والهيمنة والسلب والنهب والإبادة فرفعت أسلحتها ضد هذا النموذج الذي تجعله هذه القراءة مقصوراً على شعارات لم يف بها ولم تحصد جماهير الشعوب منها سوى الخسارة والمرارة، ومع ذلك يصبح هذا النموذج هو التطور "العلمي" الذي يكتسح ما عداه من أحلام وأوهام.
-قوى التغيير وخياراتها والأخطار عليها: وسنجد بالفعل أنه عندما بدأت قوى التغيير الجذري بالتململ للاستيقاظ وجهت سهامها للأنظمة العربية السلطوية سواء المتسربلة بالدين أو العلمانية التغريبية التي جرى امتداحها فيما سبق من المقال، ولم تعتنق هذه القوى الإيديولوجية الماركسية التي سحقتها التحولات التاريخية الكبرى وصار الحنين إلى ماضيها نوعاً من الأوهام بعدما عاينت الشعوب أن الشعارات المثالية التي رفعتها لم يتم تطبيقها ويصح القول إن السلطة السوفييتية بررت بها مكاسبها وامتيازاتها الطبقية ولم يكن لها مصلحة في الوفاء بالوعود التي قدمها نفس الجيل الذي انسلخ منها ولم يطل العهد للانتقال من الثورة إلى الدولة وإخلاف كل العهود التي قطعت على يد نفس الجيل المؤسس بطريقة كانت واضحة جداً عندما سطرت هذه القراءة قبل السقوط المدوي بأعوام قليلة ومع ذلك كانت تتجاوز كل هذه التجاوزات وتتهم تواريخ الآخرين بالخداع والاستغلال مما هو أقرب إلى النموذج السوفييتي نفسه الذي استمر أنصاره بعد ذلك بإلقاء تبعة سقوطه على فشل الثورة العالمية التي كان يفترض بها دعمه ، ولا ندري كيف لنموذج سياسي وحضاري أن يجعل شرط استمراريته أن يعم العالم كله وألا يواجه أي عدو يعتدي عليه أو يستنزفه أو حتى يناوئه لتصبح الجماهير التي لم يجذبها هذا النموذج ولم تنضم للقتال معه أو للكفاح في سبيله أو حتى للحماس للانضمام إليه (كما تحمست الجماهير للنموذج "الشعبوي" العثماني على الأقل) فصارت هي الملومة على سقوطه وليس تقصيره في حق من وعدهم بالمن والسلوى ولم يف لهم فتبدلت مشاعرهم بين السكرة به والفكرة الحقيقية عنه في مدة وجيزة، وذلك مع أن الغرب لم يدخل في عدوان عسكري ضد المعسكر الاشتراكي بعد سياسة الوفاق الدولي، فأين هو التضليل في الحقيقة ومن هم الذين جنوا الخسارة والمرارة ومن اتباع أي نموذج؟
وحتى لو سايرنا هذه القراءة بكون قوانين التطور هي الحاكمة في انهيار الاستغلال وإحلال التغيير الجذري محله فإن الخطر عليها ليس من الأحلام "الرجعية" ولا من سنة الاختلاف الداخلي بل من العدوان الغربي الخارجي الذي يصر على حرف مسار الأحداث إلى جهة المصالح الغربية ويأتي بجيوشه ووكلائه وطائراته وبوارجه وقنابله وغواصاته لتحطيم أي محاولة نهوض حتى لو كانت محدودة النتائج، هنا يحدث التعطيل والعرقلة لا بوجود خلافات داخلية كانت حاضرة دائماً في كل محاولات النهوض لاسيما في النموذج الأوروبي، الذي لم تتقصده عقبات خارجية .
-من هو الطبقي الدموي الذي انقلبت شعوبه ضده؟ وإذا كانت هذه القراءة تهمل أهمية تعاطف الشعوب الخارجية مع الشعارات العثمانية استناداً إلى الواقع الطبقي للسلطة العثمانية، فمن الإنصاف أيضاً أن نعمم هذا المقياس على كل السلطات الأخرى لاسيما السلطات التي ظهرت بعد العثمانيين وكان من الأجدر بها أن تكون صادقة مع شعاراتها الليبرالية أو الاشتراكية التي يمدحها الكاتب كتحولات تاريخية كبرى سحقت الأوهام، فنجد أولاً أن الشعوب الأخرى تعاطفت مع الطرح العثماني نتيجة مقارنة بين واقعها وواقع الدولة العثمانية وليس لمجرد تأثرها بدعايات خيالية، فقد كان الواقع العثماني متقدماً على عصره كما سبق ذكره عن مجموعة من المؤرخين من ذوي المشارب المختلفة ، كما أن اندلاع الثورة البلقانية ضد الحكم العثماني بعد قرون لم تكن نتيجة سوء الأوضاع ولم يعقبها تحسن فيها كما قال المؤرخ دونالد كواترت، وإذا كان لنا أن نقيس السياسة الفعلية بالشعارات النظرية فما هي نتيجة هذا القياس على الوضع السوفييتي الذي انتهج الاشتراكية العلمية فلم تنفذ الثورة وعودها وتحولت إلى أعتى حكم استبدادي طبقي ودموي فانقلبت عليها الشعوب بعد سنوات قليلة (1956) و (1968) انتهت بالسقوط المدوي (1991)، كل ذلك لم يستغرق قروناً بل تم في غضون أقل من ثلاثة أرباع القرن.
-ومن هو الذي عجز عن حل مشكلة الانقسامات الاجتماعية؟ إذا كانت الدولة العثمانية التي عمرت واستقرت أكثر من ستة قرون "بقيت الاختلافات المذهبية والعرقية فاعلة في داخلها ولم يكن من السهل تجاوزها. والشعبوية العثمانية السابقة باتت عاجزة عن إدارة الصراع في السلطنة الجديدة المترامية الأطراف، والمتعددة الأجناس والطوائف المذهبية"، فبماذا نصف التجربة السوفييتية التي لم تعش سوى عُشر هذه المدة ثم انقلبت عليها الشعوب المختلفة التي استظلت بها وكشفت الصراعات الدفينة التي خرجت من عقالها كالوحوش المفترسة عن فشل مريع في معالجة ما وصف بأمراض الماضي مع أن الدواء الذي وصفته الماركسية هو الدواء العلمي؟
وبماذا نصف تجربة التنوير الغربي الذي يراد منا اتباع خطواته مع أنه مارس التجزئة السياسية والتقسيم الاجتماعي في بلادنا لينعم استعماره بالهيمنة المطلقة والسيطرة على الموارد، ولا أدل على ذلك من أنه دخل مجتمعات عربية وإسلامية ذابت فيها الفوارق ودفنت فأحيا عظام كل أشكال الانقسامات من الرميم ودخلت بلادنا في دوامات دموية لا نعرف كيف الخروج منها.
-اختلاف الأنظمة الحاكمة عن القوى التي تحمل الحنين للماضي: هناك خلط واضح بين القوى المسيطرة اليوم والجهات التي تحمل حنيناً للماضي، بل إن من التجاوز عدم ملاحظة أن السلطات المسيطرة في العالم العربي كان من صالحها تشويه صورة الماضي العثماني ، بل لقد لاحظنا في الحقبة التي تلت كتابة الكتاب أن قوى التغيير هي التي حملت الحنين للماضي العثماني، ويجب أن نؤكد على أن المشروع البديل لن يكون بأي حال من الأحوال استنساخاً لتجارب مستحيلة التكرار كنا ضمن هيمنتها على العالم فأصبحنا في أغلبية سكانه الذين لا يحصلون سوى على خمس موارد الأرض في الوقت الذي يتمتع فيه خمس البشر بأربعة أخماس الموارد.
كشف الزمن عن زيف الخطاب الفوقي الذي سفه الحنين إلى الماضي وعده ضرباً من الأوهام "التي سحقها التاريخ عبر تحولاته الكبرى" في مرحلة تحول الرأسمالية إلى إمبرياليات كبرى وفرعية اليوم، ذلك أن التحولات التاريخية سحقت التجربة السوفييتية بأيدي شعوبها بعدما عجزت عن مواجهة الدعاية الإمبريالية ومجاراتها فضلاً عن غزو بلادها، أما الدولة العثمانية فقد تم تدميرها بقوة السلاح الخارجي في زمن ضعفها الطبيعي وفي وقت فضلت فيه شعوبها الاستمرار تحت مظلتها وكان انهيار السلطنة بعد ستة قرون بمشاركة خارجية حاسمة ظلت تنقض على أطرافها عشرات السنين، وليس من داخلها كما حدث في التجربة السوفييتية بعد أقل من قرن وفي ذروة شبابها، ولم يكن الفناء بعد ستة قرون غريباً بل كان العمر العثماني استثنائياً في طوله على عكس عمر السوفييت الاستثنائي في قصره، وإذا أردنا الحديث عن الدور الداخلي في انهيار السلطنة العثمانية فإننا سنجده في الدور السلبي الذي قامت به قوى التغريب التي مهدت الطريق وعبدته للهيمنة الأجنبية وهو ما أشار إليه مؤرخون غربيون كبار ، وذلك الدور أهم كثيراً من دور الشعبوية المزعومة والتي أدت دوراً مقاوماً لا معبداً للهيمنة الاستعمارية، فكيف يزعم بعد ذلك أنها ضللت الجماهير؟ فهل كانت القوى "الليبرالية العقلانية" المتسربلة بأوروبا الاستعمارية هي التي ترشد الجماهير إلى مصالحها التي تنتهكها سيدتها الأوروبية؟
-هل الاستعمار الأوروبي ظاهرة جديدة؟ ثم إنه من العجيب الزعم أن الرأسمالية تحولت اليوم إلى الإمبريالية أو أن اليوم هو مرحلة تحولها، ويبدو أن هذه النظرة متفرعة عن النظرة الإيجابية لدور الرأسمالية قبل أن تتحول إلى الإمبريالية، ولكن هذا يغفل الحقيقة التاريخية لوجود الإمبريالية منذ بداية العصور الحديثة حين قامت بغزو العالم وارتكاب الإبادات الشاملة في أمريكا وأستراليا وإفريقيا وآسيا قبل ما زعمته الماركسية بزمن طويل، ثم أليس هذا التحول هو نتيجة طبيعية للعقلانية والحرية والأنوار والديمقراطية والإنسانية والمؤسسات الرأسمالية التي تم مدحها قبل قليل؟ وهل يمكن الادعاء بأن الغرب الذي يعطيه الكاتب صورة إيجابية طبق أي وعد من وعود الحداثة والمعاصرة والعقلانية والليبرالية وحكم المؤسسات في العالم الذي غزاه أم أن الأوضح هو أنه احتكر المزايا لنفسه على حساب الآخرين؟ وهل لخيانة الوعود الغربية علاقة بعودة الحنين لما يسميه الكاتب الشعبوية العثمانية "التي لا مصداقية لها" ؟ وهل الأولى أن يحن المرء عندما يبحث عن بديل لواقعه إلى تجارب استغلته واضطهدته ومارست الإبادات المليونية في الغرب الأوروبي والشرق الشيوعي أم أن يستلهم تجربة نجحت في الاستمرار قروناً دون أسلحة الهيمنة المتطورة وربح منها عدة مزايا وهي الوحدة السياسية والتكامل الاقتصادي والتعايش الاجتماعي والاكتفاء الذاتي والحماية العسكرية وهي منجزات لم تستطع الأنوار الغربية والعلمية السوفييتية تعويضه عن الحد الأدنى منها؟
-أين أصبحت الرؤى "العلمية"؟ وإذا كانت التحولات التاريخية الكبرى هي مسار التاريخ الطبيعي وعلى الرأسمالية أن تخلي مكانها، بعد تحولها عن دورها الإيجابي، للاشتراكية بعدها، فأين هو مصير الاشتراكية بعدما أطاحت بها الرأسمالية دون قتال وما هو تفسير ذلك وفق القراءة الماركسية؟ وما هو المنقذ بعد زوال الاشتراكية؟
ومن الوهم الظن بإمكان استنساخ تجارب الآخرين سواء المختلفة زمانياً أو مكانياً، والتاريخ لا يعود للوراء ولم تعد دولة للحياة بعد انهيارها، نعم من الممكن لشعب أن يعيد نهضته بعد عصور الفتور ولكن بثوب جديد ودولة أخرى، وإذا كان هناك خطر من الشعبوية العثمانية اليوم، فهل نفعت الإيديولوجيات "العلمية" المعاصرة التجربة السوفييتية؟ أم هل أنقذتها من الانهيار؟ وماذا نسمي المتعلقين برواسب هذه الشعبوية الماركسية إلى اليوم؟ ألا يصح وصفها بأنها لم تنقذ دولة عظمى ولا حتى رجلاً مريضاً ولم تحل دون انهيار الاتحاد السوفييتي ولذلك فإن خطرها اليوم لا يقل عن خطرها في المساهمة في انهيار المعسكر الاشتراكي؟
-وأين هو مصير الحلم التغريبي؟ وإذا كان الوهم في الإيديولوجيات الدينية المعاصرة وكذلك رواسب الماركسية فماذا نسمي محاولة استنساخ وتكرار تجربة قائمة على احتكار خمس البشرية لأربعة أخماس مواردها؟ كيف يمكننا تعميم هذا النموذج؟ وماذا نسمي وعود الازدهار التي يطلقها في وقت يرفض فيه المحتكر التنازل عن مكاسبه ولم يبق للضحية سوى الفتات؟ وكيف يمكن تعميم هذا النموذج في بلاد قام الغرب بتحطيم كل تجارب النهضة التي استنسخت نموذجه فيها كما استنزف المعسكر الاشتراكي حتى تحطم من الداخل؟ 
  - http://revsoc.me/theory/rd-ktb-ldwl-wlthwr-lynyn/
  -حمدان حمدان، العراق وثمن الخروج من النفق: من محمد علي باشا إلى عبد الناصر فصدام حسين، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت، 2004، ص 98.
-الدكتور محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007، ص 19.
  -دونالد كواترت، ص 339.
  -لتفاصيل أكثر يمكن مراجعة سلسلة دراسات آثار التغريب السياسي والاقتصادي والاجتماعي على المجتمع العثماني: التحدي والاستجابة، لكاتب هذا المقال في كتاب السلطان والتاريخ كما أنها منشورة على الشبكة.