نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني-الحلقة الثانية |
|
الباحث في التاريخ العثماني الكاتب /محمد شعبان صوان |
وفي الوقت الذي يتهكمون فيه على الأعمال والمؤلفات الموسوعية الموثقة (ككتاب الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي الشهير : الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها) يستندون في رؤاهم على أعمال قديمة إما عفى الزمن على آرائها التي تغيرت بعد فتح الوثائق والسجلات التاريخية التي دفعت المعادين للدولة العثمانية إلى تغيير وجهات نظرهم كما يعترف بعض المستشرقين كجب وبوون وبعض الأكاديميين العرب المعاصرين ومع هذا نستمر نحن في جلد ذواتنا استناداً إلى تعميمات قديمة، أو بانتقاء ما يناسب الرؤية الإيديولوجية وطرح ما يخالفها، ولعل تناقض استشهاد المؤلف والمقدم بمرجع واحد هو ساطع الحصري ينبئ عن اختلاف أطروحتيهما، فبينما يستشهد الدكتور مسعود بساطع الحصري في إدانة استخدام العثمانيين للدين في ثبيت سلطتهم (ص 28)، يستشهد به إيفانوف في تأكيد أن العرب لم يشعروا بالغربة من الحكم العثماني الذي عدوه استمراراً للخلافة الإسلامية (ص 315)، وسياقا الاستشهادين مختلفان تماماً، أحدهما سلبي، والآخر إيجابي.
-طوباوية استنكار الطبقية: التركيز على صفة الطبقية في النظم العثمانية وكأن المجتمع العثماني هو المجتمع الوحيد الذي انقسم إلى طبقات، وكأن التجارب الماركسية والليبرالية التي يمدحها الكاتب لم تعرف الطبقية رغم أنها تلت التجربة العثمانية ومع ذلك لم تتمكن من القضاء على الطبقية، والغريب أن التاريخ يحدثنا أن معظم شعوب الدولة العثمانية بما فيها غير المسلمين لاسيما الأرمن ويونانيو الأناضول فضلاً عن الشعوب المسلمة، فضلت الاستمرار في حظيرتها إلى لحظتها الأخيرة بعد ستة قرون، وفي هذا يقول المؤرخ دونالد كواترت المتخصص في التاريخ العثماني: "ليس من الصواب القول بأن التيارات القومية التركية والعربية والأرمنية والكردية، كانت وراء تضعضع الدولة العثمانية وانهيارها بعد سنة 1914، صحيح أن بعض الأرمن كانوا يدعون إلى إنشاء وطن قومي للشعب الأرمني، لكن أغلبيتهم الساحقة استمرت في رغبتها في البقاء داخل الحظيرة العثمانية، ثم إن قلة قليلة من الأكراد كانت تدعو إلى الاستقلال الذاتي، ونستطيع القول أيضاً إن غالبية العرب كانت تود البقاء ضمن الكيان العثماني بالرغم من تعالي أصوات بعض القادة والمفكرين العرب بضرورة إلغاء المركزية ومنح الأقاليم شيئاً من الاستقلال الذاتي، على حين قام آخرون بالدعوة لإحياء الهوية الثقافية العربية، خلاصة القول إن معظم الرعايا العثمانيين في سنة 1914 لم يكونوا يطمحون إلى الانفصال عن الإمبراطورية بل ظلوا محافظين على هويتهم في إطار المجتمع العثماني" ، "ويبدو أن هناك شبه إجماع على أن معظم العرب لم يكونوا راضين عن النهاية التي آلت إليها الدولة العثمانية ولم يشاركوا طوعاً في القضاء عليها"، ويقول المؤرخ نيكولاس دومانيس إن معظم اليونانيين والأرمن في الأناضول كانوا في وضع سيؤدي إلى خسارة كبرى لو تدهورت العلاقات الاجتماعية بين الطوائف، ولهذا لم يكن هؤلاء مرحبين بالأفكار القومية الانفصالية، في حين أن الشعوب السوفييتية لم تطق الاستمرار في حظيرة الاتحاد السوفييتي أكثر من سبعين عاماً كما أن شعوب العالم الثالث بذلت الغالي والنفيس منذ لحظات الاستعمار الغربي الأولى للتخلص منه وأصبحت ذكريات الجلاء والاستقلال أعياداً قومية في كل العالم الثالث، ولكن كل هذا لا يهم القراءة الإيديولوجية ما دامت الطبقة البورجوازية لم تظهر في الدولة العثمانية.
-المبالغة في تصوير سلطة السلطان (ص 31 و32) بما لا يؤيده البحث التاريخي الذي يؤكد أن سلطة السلطان العثماني كانت محدودة، وفي هذا السياق يقول المؤرخ شارل عيساوي واصفاً الحكم العثماني عند بداية القرن التاسع عشر: "كانت سلطة السلطان العثماني محصورة في منطقة صغيرة حول استانبول رغم ضخامة الدولة التي كانت بقيتها تفحكم بواسطة باشاوات وأعيان وزعماء قبليين مستقلين استقلالاً ذاتياً" ،كما يشير المؤرخ دونالد كواترت إلى مبالغة بعض الباحثين في تقدير الدور الذي قامت به السلطة المركزية العثمانية في إدارة الدولة مؤكدا أن قوة السلطان لم تكن مستمدة من الجيش وحده بل "من تواصل السلالة الحاكمة مع القوى السياسية والشعبية أيضاً"، مقدماً أمثلة تاريخية للاستقلال الذاتي الذي تمتعت به قوى محلية إلى درجة أن "أصبحت لا تقيم وزناً لأوامر وتعليمات الباب العالي" وذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أما في القرن الثامن عشر فإن السلطة المركزية "لم تعد بيد السلطان أو كبير وزرائه (الصدر الأعظم) بل أصبحت قائمة على التراضي والمساومة بين مختلف القوى من جهة والسلطان من جهة أخرى"، وقبل ذلك كان "القرار السياسي في الحقبة 1550-1650 أصبح إلى حد بعيد خارج إرادة السلطان" و "أن عناصر جديدة أخذت تشاطر السلطان الحكم لا بل تنوب عنه أحياناً" .
ويقول المؤرخ السوفييتي فلاديمير لوتسكي الذي وصف بأنه أكبر اختصاصي سوفييتي في مجال تاريخ البلاد العربية الحديث والمعاصر: "بينما كانت الإمبراطورية العثمانية تبدو في الظاهر دولة مركزية، كانت في الواقع دولة لامركزية"،ويقول المؤرخ المعاصر زين نور الدين زين إن البلدان العربية "لم تكن تحكم إداريا وبصورة مباشرة من القسطنطينية" مستدلاً على ذلك بدراسة الملفات الرسمية وقوائم تقدير الواردات الخاصة بسوريا والعراق ومصر، كما أشار إلى أن الأمراء الإقطاعيين والزعماء المحليين في البلاد العربية مفنحوا "استقلالاً داخلياً يكاد أن يكون استقلالاً ناجزاً"،وأكد الدكتور محمد أنيس هذه الحقائق مشيراً إلى أن المركزية لم تكن مباشرة ولا شاملة وذلك في حديثه عن خصائص الحكم العثماني للشرق العربي حتى نهاية القرن الثامن عشر.
كما تحدث مجموعة من المؤرخين عن تحديد سلطة السلطان العثماني بالشرع الإسلامي الذي يحكم جميع المسلمين ويؤلف قاعدة البناء السياسي والاجتماعي للدولة ويخضع له الجميع وهو من ضمنهم، ولهذا يستنتج برنارد لويس أن السلطان "لم يكن مستبداً حقيقياً"، ويؤكد كارابل الناحية نفسها وهي أنه رغم سلطات السلطان الواسعة "كان هو نفسه مقيداً وخاضعاً للشرع الإسلامي كأي واحد من المسلمين، وكغيره ممن سبقه من الحكام، راعى السلطان العلماء والقضاة واحترمهم".
ويشير المؤرخ كورتن إلى أن اتساع المناطق التي سيطر عليها العثمانيون، أضعف روابطهم مع المقاطعات البعيدة التي اتجهت إلى الحكم الذاتي، فلم تكن منطقة الجزائر مثلاً خاضعة عن قرب لسلطة اسطنبول، ومع خضوع المناطق الأقرب لمراقبة أكبر، فإن سلطة السلطان الفعلية أو البيروقراطية المركزية التي تصدر الأوامر وتفرضها، "كانت محدودة"، وكان هناك مصادر مستقلة عن السلطان لإصدار الأوامر مثل العسكر والعلماء، والأعيان الذين تخطوا سيطرته.
ويقول الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى إن السلطان العثماني لم يكن حاكماً مطلقاً بالمعنى المعروف، ورغم تمتعه بالسلطتين التشريعية والتنفيذية فقد كانت فرماناته تأتي في المرتبة الرابعة بعد القرآن الكريم والسنة الشريفة والمذاهب الفقهية الأربعة، ومن ثم كانت مراسيمه "تكميلية"، ورغم وجوده على قمة نظام الحكم، فقد كان عليه الحصول على فتوى شيخ الإسلام بانسجامه مع الشريعة "وكثيراً ما أفضى رفض المفتي إلى إرغام السلطان على العدول عن مشروعاته...وكان تصريح المفتي بأن السلطان لا يحترم الشريعة وأنه غير صالح للحكم كفيلاً بالتمهيد لخلعه...ومما يؤكد أن السلطان العثماني لم يكن يتمتع بالسلطة الطاغية المتواترة في كثير من الكتابات أن ملامح هامة من الحياة العثمانية كانت مستقلة في الواقع عن السلطة المركزية...ذلك أن السلاطين الأول كانوا يتجهون إلى ترك كل الشئون المحلية والمالية والإصلاحات العامة والبوليس في أيدي الحكام المحليين والإدارة المحلية-وبالتالي فقد كانت كل المدن تتمتع بمزايا وصلاحيات محلية واسعة"، وقد كان ولاء الأمة العثمانية لآل عثمان لأسباب دينية من الملامح البارزة في التاريخ العثماني ولم يجرؤ أي ثائر على أن يستبدل بهم أسرة حاكمة أخرى "وهو أمر لم تنعم به أي أسرة حاكمة في أوروبا".
وإذا كان حضرة الدكتور يقصر المركزية الشديدة حتى نهاية زمن السلطان سليمان القانوني (بعد زمن الشعبوية الأولى) ثم يجعل الاستبداد موزعاً بين السلطان والولاة (ص 32) فإننا نجد في التاريخ ما يخالف ذلك وفقاً للفقرة السابقة، وكذلك عند دخول مصر و"بعد هزيمة المماليك، احتفظت سوريا ومصر بقدر كبير من الحكم الذاتي الداخلي ....فقد وفضع هذان البلدان التابعان سابقاً للدولة المملوكية تحت إشراف دائم من جانب القادة العسكريين المماليك الذين انحازوا إلى جانب السلطان سليم الأول" إلى أن أدى تمرد الولاة إلى "إلغاء الحكم الذاتي" في عهد السلطان سليمان القانوني ثم عادت الأمور إلى تفويض الولاة فيما بعد، وإذا كان السلطان نفسه غير مطلق الصلاحية كما تبين سابقاً فمن الإجحاف وصف الولاة بالسلاطين مطلقي الصلاحية في ولاياتهم أو بالتمرد المستمر، وفي ذلك يقول جب وبوون إنه رغم سلطات الوالي فإنه "كان يحد من قدرته على الإشراف الفعال عدد من الإدارات المختلفة يبدو من الواضح أنها قد وضعت للحيلولة دون ممارسة أي شكل من أشكال الإدارة المباشرة" ثم يذكران المناصب المالية والقضائية والإدارية التي كانت تحد من سلطة الباشا الوالي وتتصل مباشرة مع العاصمة، وكل ذلك كان قيوداً بسيطة إذا قورنت بالقيود على سلطاته العسكرية، وهو مرجع اطلع عليه المقدم ولكنه لا يتناسب مع السرد الإيديولوجي، وسيتبين لنا لاحقاً قيمة عمليات التمرد الداخلي في جدول الدولة العثمانية وتفضيلها مواجهة الخارج على الصراع الداخلي، وعموماً يقول المؤرخ ألبرت حوراني:" إن تاريخ الولايات الناطقة بالعربية في الإمبراطورية يبدو –على قدر ما أمكنت دراسته- شبيهاً بالمناطق الأوروبية والأناضول. ويبدو أن السكان قد ازداد عددهم في المرحلة التي تلت الغزو العثماني مباشرة، وذلك بسبب استتباب الأمن والرخاء العام في الإمبراطورية، ولكن بعد ذلك ستحافظ على مستوى ثابت أو أقل بقليل. كانت المدن العربية الكبرى هي الأكبر في الإمبراطورية بعد استنبول. وقد زاد عدد سكان القاهرة حتى قارب مائتي ألف نسمة في منتصف القرن السادس عشر وثلاثمائة ألف عند نهاية القرن السابع عشر، وكانت حلب في الوقت ذاته تعد مائة ألف نسمة. وربما كانت دمشق وتونس أصغر ولكنها تقارب هذا الحجم نفسه. ولم تستعد بغداد موقعها أبداً بعد انهيار نظام الري في جنوب العراق، والغزو المغولي وحركة التجارة في المحيط الهندي من الخليج إلى البحر الأحمر. وقد كانت أقل سكاناً من المدن السورية الكبرى. لقد كانت الجزائر إلى حد كبير من صنع عثماني كنقطة قوية ضد الإسبان، وكان فيها ما بين خمسين ألف إلى مائة ألف ساكن في نهاية القرن السابع عشر".
وعن صورة أخرى للولاة تختلف عما يعرضه التاريخ الإيديولوجي من تمرد مستمر يقول حوراني: "وقد حذا الولاة العثمانيون والقادة العسكريون حذو السلطان في استنبول فبادروا إلى الأشغال العامة الكبيرة في مراكز المدن وخصوصاً في القرن السادس عشر فبنيت المساجد والمدارس ومعها أبنية تجارية يخصص ريعها لصيانتها، وعلى سبيل المثال مؤسسة "دكاكين زادة محمد باشا في حلب" التي كان فيها ثلا "قيصريات" وأربعة خانات وأربعة أسواق مخصصة لصيانة الجامع الكبير. والتكية في دمشق وهي مجمع من مسجد ومدرسة ونزل للحجاج بناها سليمان القانوني، وفي وقت متأخر بنى مجمع على يد العسكري الشهير رضوان بك في القاهرة.
"لم تعد أسوار معظم المدن الكبيرة ذات فائدة وذلك لسببين أولهما استتباب النظام الذي حافظ عليه العثمانيون في الأرياف المجاورة وثانيهما تطور المدفعية ما جعلها غير مجدية في الدفاع".
ولو صدقنا بفكرة تحول الشعبوية إلى نظام سلطوي ذي نزوع جامح للاستبداد المطلق (وهو مبالغة خيالية) فعلينا أن نسأل: أين هي الإيديولوجيا التي لم تتحول من مثاليات إلى سلطة مطلقة؟ وأين هي التجربة السياسية التي لم تختلف عند التحول من الثورة إلى الدولة؟ علينا بعد ذلك أن نقارن التحول العثماني بتحول الإيديولوجيات التي يمتدحها الكاتب سواء الماركسية أم الليبرالية، والأحلام الفلاحية عن العدالة والمساواة والتخفيف من الضرائب ورفع الظلم والتعديات والتحكم بالحرية الشخصية للفلاحين (ص 32) لم تكن مجرد أحلام خيالية بل واقع عاشته الدولة وهو ما أنتج تأييدها والتعاطف معها في الأقطار المجاورة كما يعترف الكاتب (ص26) ولكن العجيب أن يجعله مجرد وهم وخيال لتغطية مصالح طبقية وكل مسبباته التي استشعرها الناس لا تمت لمصالحهم بصلة، وذلك مادام هذا الوهم المزعوم لم يطبق في مرحلة الإمبراطورية مترامية الأطراف واقتصر على المرحلة الشعبوية الأولى التي انتهت منذ توسع الدولة في القرن السادس عشر وهو طرح يناقض طرح إيفانوف الذي يمتد بالإيجابيات إلى ما بعد هذا التاريخ.
ثم على فرض التصديق بفكرة التحول: هل كان هذا التحول نتيجة خدعة مدبرة ومؤامرة أم نتيجة تغير ظروف عاشتها كل الإيديولوجيات البشرية؟ وأيهما أولى بالحديث عن ممارسته الخداع: النموذج السوفييتي الذي خان مؤسسوه أنفسهم مثله الأعلى ما أدى إلى انهياره السريع جداً أم نموذج استمر وطال لمدة ستة قرون ثم تم تحطيمه بقوة أعدائه في حين فضلت شعوبه الاستمرار في ظله؟
|
نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني ـ الحلقة الخامسة
محمد شعبان صوان
-نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني ـ الحلقة الرابعة
محمد شعبان صوان
نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني ـ الحلقة الثالثة
محمد شعبان صوان
نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني
الباحث في التاريخ العثماني محمد شعبان صوان