نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني-الحلقة الثامنة |
|
محمد شعبان صوان |
-ملامة غير تاريخية للدولة العثمانية: السؤال المغلف بالاتهام للدولة العثمانية عن سبب حدوث "التحولات الكبرى في تاريخ الإنسانية من الإنتاج قبل الرأسمالي إلى الرأسمالية" في أوروبا التي وحدت مجتمعاتها المفككة وطورت إنتاجها وحققت ثورتها الصناعية وعقلانيتها التي تجسدت بدولة المؤسسات، ولماذا تفككت الدولة العثمانية في نفس الوقت بعد الوحدة الشاملة وانهار اقتصادها وعجزت عن حماية ولاياتها إلى "سقوطها المدوي"، مع محاولة قسر الإجابة على هذا "السؤال المنهجي المهم" بجواب إيديولوجي طبقي لا علاقة له بواقع الحال والجماهير الذي يدعي الحديث باسمها والحرص على مصالحها مع تجاوز مصدر الخطر الحقيقي عليها وتجاوز السنن الطبيعية في أعمار وبقاء الدول مما يجعل هذه القولبة التاريخية غير تاريخية: 1- فاللغز النهضوي الأوروبي لم يتم حله حتى اليوم، وهذا باعتراف المؤرخين الغربيين الذين ما زالوا يؤلفون الكتب والأبحاث المتزايدة باستمرار للإجابة عن السؤال العويص : لماذا نهض الغرب؟ ولهذا فمن الإجحاف تحميل العثمانيين وزر هذا السبق الأوروبي الذي كان نجاحه بعامل هام هو أنه سار بسلاسة دون تدخل من قوة عظمى حرفت مسار الدورات الاجتماعية لغير مصالح الأوروبيين، وليس من العدل بعد ذلك أن يتم جلد أية أمة كونها لم تسبق أوروبا أو تلحق بها في وقت قياسي لاسيما مع قيام أوروبا بعد نهوضها بعرقلة بقية الأمم، كما أنه ليس من العدل أن يتحمل أي بشر مسئولية مصادفة تاريخية لم يعرف صاحبها نفسه كيف حققها ولهذا فمن باب أولى ألا يعرف غيره كيف يتبع خطواتها وفشل كل المحاولات الاستنساخية على مدى قرون لتجربة ثبت فيما بعد أن تكرارها مستحيل، وإذا كانت أوروبا قد عرفت شيئاً فإنها عرفت كيف ترسخ أقدامها على حساب الآخرين وتستغل الفرصة التاريخية لنهبهم وسفك دمائهم تحت شعارات براقة من الحرية والليبرالية وحقوق الإنسان مما جعل الكثيرين يظنون أن هذا هو إنجاز حقيقي. 2- وصف "السقوط المدوي" ينطبق على دولة السوفييت المعاصرة التي سقطت أمام كاسحة الغرب بعد 70 سنة فقط من قيامها أكثر مما ينطبق على دولة العثمانيين التي عمرت أكثر من ستة قرون صامدة أمام شتى التحديات الغربية ولم تضعف إلا في قرنها الأخير وكان سقوطها بعد ذلك حدثاً طبيعياً وليس استثنائياً كالذي وقع للاتحاد السوفييتي الفتي وهو ما يعطي إشارة واضحة لطبيعة الخطر الآتي من الغرب وليس من دورات الاجتماع الداخلي في الأمم الأخرى. 3- ظاهرة التزامن بين صعود أوروبا وهبوط الدولة العثمانية طبيعية جداً وطالما شهد التاريخ مثلها في تزامن صعود حضارات وهبوط غيرها ولم يوجه اللوم يوماً لأحد في ذلك لأن هذه سنة التاريخ، شهد صعود الحضارة الإسلامية في زمن أفول الفرس والروم من قبل، وصعود روما في زمن أفول الإغريق الذين كانوا قد صعدوا في زمن هبوط مصر القديمة، وهبطت سومر في زمن صعود أكد التي هبطت في زمن صعود آشور التي هبطت في زمن صعود بابل....إلخ، فما المشكلة في هذه السنة التاريخية وهل سأل أحدهم، باستنكار طبعاً وليس باستفهام، لماذا هزم الفرس مصر القديمة أو لماذا هزم المسلمون الفرس أو لماذا هزم الاسكندر العالم القديم أو لماذا سقطت القسطنطينية؟ وهل استنكر أحدهم لماذا لم يظهر قانون حمورابي لدى الآشوريين قبله؟ ولماذا لم يظهر أفلاطون في مصر القديمة؟ ولماذا لم تصل اليونان إلى القانون الذي ابتدعته روما؟ وهل لام مؤرخ آشور القديمة إذ لم تبن كأهرام مصر، أو شنع مؤرخ على بابل إذ لم تنجب كفلاسفة الإغريق؟ فلماذا إذن يطلب من العثماني أن يخرج عن سنة الطبيعة ويصل إلى ما لم يصل إليه نفس الأوروبي إلا في وقت متأخر حين كان العثماني في زمن هرمه يجابه التحديات من كل الجهات وليس لديه فسحة من الوقت ليلتقط أنفاسه؟ 4- وهل من إنصاف المؤرخ شطب كل إنجازات العثمانيين واختزالها في كونهم لم يحققوا وعودهم والزعم بأنهم خدعوا جماهيرهم؟ والقفز عن كل مساوئ الغرب ضد الآخرين والاقتصار في التقويم على ما حققه لنفسه وحصر الاستغلال بالعثمانيين والادعاء فوق كل هذا أن أوروبا هي التي وصلت بالبشرية إلى فردوسها؟ أليس هذا هو التقسيم المانوي للبشرية بين ملائكة وشياطين لتصب النتيجة في النهاية في سلة المركزية الأوروبية التي لا ترى إلا نفسها ولا تقدر إلا إنجازاتها ولا تخفي إلا عيوبها؟ وإذا كان العثمانيون لم يحققوا وعودهم فهل الغرب هو الذي حقق وعوده؟ ولمن؟ أم كان السوفييت هم الذين حققوا وعودهم؟ ومن الأولى بصفة خداع الشعوب وإطلاق الأحلام وعدم تحقيق الوعود: من استمر قائماً برضا شعوبه إلى اللحظة الأخيرة بعد ستة قرون أم الذين لم يستمروا برهة من الزمن بين شعوبهم (السوفييت) أو بين الآخرين (الاستعمار الغربي) ؟ من تغير بعد أجيال طويلة، وفقاً لطرح الكاتب، أمن تغيرت ممارساته عن وعوده على يد نفس الجيل؟ 5- أما كون العثماني لم يحقق وعوده فهي مقولة لا تفرق، حسب منطقها، بين الخديعة المتعمدة والتطور الطبيعي، فوصف الشعارات العثمانية بكونها مجرد "ضجيج إعلامي شعبوي غير قابل للتحقيق"، لا يتفق مع واقع الحال ولا مع وصف المؤرخين للنظام العثماني، ولا يمكن أن تستمر كذبة إعلامية خيالية لمدة قرن يتمكن فيه العثمانيون من تحقيق انتصاراتهم السريعة باعتراف الكاتب، دون أن يكون هناك واقع لمسته الشعوب التي تتطلع إليهم لاسيما أن وسائل الإعلام لم تكن متطورة كاليوم بحيث يمكن خداع الناس دون واقع حقيقي، فإذا كان زمن الانتصارات العثمانية يمتد إلى فتح تونس (1574) فكيف يمكن الادعاء أن ثلاثة قرون مرت من عمر الدولة على خديعة لم تتحقق؟ فهذا أولاً يخالف اعترافات الكاتب بوجود القوة والتعاطف والاستكانة والتسامح ولا يمكننا أن نزعم أن استمرار ذلك لقرون بني على مجرد أوهام لم تتحقق فهذا يخالف حقائق التاريخ عن تقبل الشعوب للدولة العثمانية قبل وبعد هذا التاريخ، وينحو بتفسير الضعف بعد ذلك تفسيراً تعسفياً وكأن حدوثه أمر غير طبيعي طرأ مع الفشل في السير على هدى أوروبا مع أن الدولة العثمانية من أطول الدول عمراً في التاريخ وهذه ميزة لم تتفق لكثير غيرها وكان لا بد حسب سنة التاريخ أن تتراجع بعد ذلك فكيف نعترض على ضعفها بعد هذه المدة الطويلة وكأن عمرها الممتد جعلنا نستنكر هبوطها ونعتقد بضرورة خلودها؟ كما أن من التعسف إغفال دور التغريب الذي كان سبباً في نخر المجتمع العثماني بمحاولاته تقليد أوروبا وفقاً لكثير من المؤرخين ومنهم الكاتب نفسه الذي اعترف بأثر الطورانية والتتريك ولكنه لم يكن منطقياً بعزل ذلك عن الأثر الأوروبي مع أنها كانت دعوات متأثرة بالغرب وثورته الفرنسية على وجه الخصوص وهو الذي رعاها وغذاها ومن الإجحاف إلصاقها بتراث الأمة، وبهذا يتبين أن ما نجح في أوروبا فشل عندنا وهذا رد على منطق وجوب اتباع أوروبا، فالتحولات لم تكن ناتجة عن خداع بقدر تولدها عن سنة الضعف وفشل التقليد. 6- ماذا قال التاريخ عن موقف شعوب أوروبا من العثمانيين؟ ماذا قال عن موقف شعوبنا؟ وماذا قال عن موقف شعوب الدولة في نهاية عمرها؟ وماذا قال عن وضع الفلاحين فيها؟ وماذا قال عمن حولها في زمنها (العبودية في أمريكا مثلاً)؟ وماذا قال عن إنجازاتها؟ هل فعلاً لم تكن تمت لمصالح جماهيرها؟ وماذا قال عن الثورات التي نشبت ضدها؟ ومن الذي حركها؟ وما هو حال من انفصل عنها؟ ومن هي الامبراطوريات التي لم تستمر فعلاً: دولة العثمانيين ذات القرون الستة أم امبراطوريات السوفييت والاستعمار التي ثارت الشعوب عليها (رفضاً للتقدم والتنوير والعلم ؟) وأسقطتها في غضون فترة وجيزة؟ هل كل ذلك مجرد "ضجيج إعلامي لم يتحقق"؟ وأوروبا التي استعمرت وقتلت ونهبت واستعبدت ودمرت فهي التي أوقفت الحروب الصليبية والتفتت لبناء نفسها وحققت الليبرالية والحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والمؤسسات؟ فأين كل هذه الإنجازات على خريطة المستعمَرين وماذا كان نصيبهم منها قبل أن تتحول أوروبا "اليوم" إلى الإمبريالية؟ 7- من الذي ضلل الجماهير؟ تضليل الجماهير بمخاطبة طاقاتهم غير الواعية واستخدامهم في معارك لا تمت لمصالحهم بصلة هو الذي مارسته الشيوعية التي افترضت مصالح الجماهير بمعزل عن رؤية أصحاب الشأن أنفسهم حتى أسقطت هذه الجماهير المنظومة الاشتراكية التي تعاملت بفوقية مع الناس وشخصت مصالحهم دون استشارتهم وكلفتهم ملايين الضحايا في فترة وجيزة ولم تعمر أكثر من عمر شخص واحد بعدما تصدت الشعوب السوفييتية في البداية للعالم كله للدفاع عن ثورتها البلشفية وافتدتها بالغالي والنفيس وتحمست حماساً منقطع النظير لتحقيق الوعود الاشتراكية والأحلام الشيوعية التي ما لبثت أن تحولت بعد برهة قصيرة إلى كابوس مريع، وكذلك مارس الغرب وأذنابه التضليل ودغدغة العواطف برفع شعارات براقة لم ينل منها الآخرون سوى الإبادة والنهب والسلب والاسترقاق والاستعمار ثم الاستغلال منذ اليوم الأول لنهضة أوروبا (وقد أشار إيفانوف إلى ذلك في بداية كتابه ص 43 الذي أدى إلى صداع الإيديولوجيين) وهي التي استخدمت أبناء المستعمرات في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل ثم أثارت حروب الوكالة بعدما كانت دولها تدخل الحروب بأنفسها، كل ذلك هو التضليل والاستغلال وليس ما فعلته الدولة العثمانية حين حمت بلادنا من الاحتلال الإسباني والبرتغالي ثم الأوروبي عموماً حيث تحملت الضربات من كل الجهات ووحدت بلاد المشرق في دولة عظمى تربعت على رأس العالم مدة طويلة وصنعت مجالاً اقتصادياً واسعاً كانت تجارته الداخلية لقرون أضخم من تجارته مع الخارج وهو متمتع بالاكتفاء الذاتي وظلت المشاريع الحيوية العملاقة كسكة الحجاز وسكة بغداد وسدود المياه تبنى فيه حتى أيامه الأخيرة وكان اختيار شعوبه البقاء فيه والاستمرار معه حتى لحظاته الأخيرة، ومازالت ذكرى هذه الدولة حية في أذهان الأجيال ويراها حتى غير المسلمين صيغة سحرية للتعايش في بلادنا[1]، ثم يقال إنها عجزت عن تطبيق شعاراتها أو إن كل هذا كان خارج مصالحنا؟ 8- ما هو التضليل إن لم يكن جلد كل هذا التاريخ العثماني الذي عجزنا عن مجاراته بعد مغادرته إيانا وقصرت أوروبا عن تحقيقه أو تحقيق ما حققته لنفسها لنا عندما خلفته في السيطرة على بلادنا، ثم ننظر لتاريخها وكأنه المرحلة المهدوية في تاريخ البشر أو الفردوس الأرضي وهو ليس كذلك لأنه قائم على احتكار الموارد والمميزات ويسود فيه الظلم الذي يقصر معظم الموارد (80%) على أقلية من البشر (20%)، التضليل أن نزرع أوهام تقليد هذا النموذج المستحيل، التضليل أن نبيع أحلام الوفرة لغالبية البشر الذين لا يملكون سوى خمس موارد الأرض، التضليل أن نجلد تاريخنا الذي حقق لنا الكثير، وذلك بدلاً من وضع كل مرحلة تاريخية في إطار زمنها وعدم مطالبتها بحرق المراحل بشكل غير واقعي، فالغرب نفسه الذي نقلده لا ينظر بهذه الظلمة إلى تاريخه ولا يطلب إليه أن يحقق الإنجازات قبل أزمانها ولكننا نزايد عليه ونستخف بتضحيات أسلافنا ولا نضعها حتى في إطار تضحيات الغربيين أنفسهم التي نقبلها ونجلها ونقدسها بزعم أنها وحدها كانت في الطريق "العلمي" الصحيح رغم أن معظمها كان في سبيل دمارنا ثم نوهم أجيالنا بسراب غير قابل للتحقيق ونجمّل في أعين أبنائنا واقعاً هو مجرد حلم خيالي ليظلوا لاهثين خلف تحقيقه دون طائل. -ميزان متقلب حسب الحاجة: ومن صفات هذه القراءة أنها تسيء وصف الحوادث والدوافع التي أدت إليها، وتتحيز في توزيع الصفات السلبية حسب الأهداف الإيديولوجية، فالفعل نفسه قد يكون سلبياً مرة ثم يصبح إيجابياً مرة أخرى حسب فاعله أو يمحى من الذاكرة التاريخية وكأنه لم يقع لكيلا يجرم فاعله، ومن ذلك الادعاء أن الدولة العثمانية تبنت شعار الجمود والتحجر دفاعاً عن المكتسبات الطبقية الهائلة التي حصلت عليها بعد الانتصارات الكبيرة التي حققتها في القرن السادس عشر وتحولت شعاراتها الشعبوية إلى إيديولوجيا سلطوية، فلم تستمر في حربها ضد الأوروبيين بل تحالفت تباعاً مع القوى الفاعلة في حروبها ضد قوى أخرى فدفعت السلطنة الثمن الباهظ على الدوام، ولو تحققت انتصارات فلمصلحة القوى الأوروبية الأخرى كما تؤكد الحرب ضد محمد علي باشا وحرب القرم وحروب البلقان التي كانت نماذج واضحة على تفكك الدولة وانهيارها الاقتصادي وارتمائها في أحضان القوى الغربية المتصارعة على النفوذ ولكنها متفقة على إضعاف السلطنة تمهيداً لإزالتها من الوجود. -الضعف سنة طبيعية وليس من الطبيعي أن يحقق أحد في زمن ضعفه ما يحققه الآخرون زمن القوة: وهذه القراءة نموذج واضح على التحريفات المذكورة أعلاه، فلو سايرناها في أن الدولة العثمانية تبنت شعارات الجمود في القرن السادس عشر، فإن هذا تم بعد مرور قرنين من عمرها، وتحول "القوة إلى ضعف، والتعاطف إلى كره، والاستكانة إلى تمرد، والتسامح الديني إلى تعصب، والطائفية إلى مذهبية، والأفكار القومية إلى شوفينية عرقية، جاءت دعوة الطورانية والتتريك تتويجاً لها قبل سنوات من السقوط الأخير للسلطنة العثمانية: فالشعبوية تحمل في طياتها بذور انفجارها وموتها لأنها تضلل الجماهير وتخاطب الطاقة اللاواعية في شعورهم وأحاسيسهم" (ص 37)، ولو قبلنا التسليم بكل ما جاء هنا من مبالغات فإنها تمت بعد قرون من التدرج من القوة إلى الضعف وتحول الإيجابي إلى سلبي، ولم يكن ذلك لو قارناه بالنماذج التي يمتدحها الكاتب سوى تطور طبيعي كما تم في جميع مراحل التاريخ للدول العظمى الأخرى، فكل الكيانات عاشت ثم ماتت، هذا ليس أمراً معيباً إذ لم نر حتى اليوم الكيان الخالد إلى الأبد بل رأينا الدولة العثمانية من أطول الدول عمراً في التاريخ ولهذا من الإسفاف غير التاريخي ذم تراجعها ثم موتها، ومن ادعى أنه سيبقى إلى الأبد وسيرث الأرض ومن عليها كان أسرع موتاً من غيره هكذا كان التطور السريع للحكم السوفييتي في غضون سنوات قليلة وليس قروناً، من شعاراته الشعبوية إلى حقيقة طبقية نتيجة المكتسبات الهائلة التي حصلت عليها الطبقة المهيمنة في الاتحاد السوفييتي وكانت موقع تندر نتيجة المفارقة الكبرى بين شعاراتها الثورية وحقيقتها الثرية، فلماذا لا نعترف بعد الانهيار السوفييتي المدوي أن شعاراته الشعبوية الخيالية حملت بذور انفجارها وموتها لأنها ضللت الجماهير التي اعتنقتها في البداية بكل حماس بعدما خاطبت هذه الإيديولوجيا الطاقة اللاواعية في شعورها وأحاسيسها مما جعل الجماهير تتخلى عنها بسرعة وحماس أشد بعدما عجزت هذه الإيديولوجية عن تقديم أي حل للجماهير الشعبية؟ هذا ما يستحق التعجب من سرعته الفائقة وليس الانهيار العثماني الطبيعي. وينطبق نفس التطور على الغرب الذي تغيرت شعاراته عن الحرية والليبرالية والعلمانية والديمقراطية والإنسانية والمساواة والإخاء إلى واقع استعماري بغيض في نفس الوقت الذي رفعت فيه هذه الشعارات ولم يكن تطوراً لاحقاً مع ذلك يمتدحه الكاتب بكل الصفات الإيجابية مع ملاحظة متأخرة أن الغرب تحول "اليوم" إلى الإمبريالية، أي حان وقت موته ووراثته من جانب الإيديولوجية العلمية الماركسية التي فاجأت العالم بانهيارها السريع بدل وراثة العالم، فالخلاصة أن تغير الحال من الثورة إلى الدولة ظاهرة طبيعية وفق هذه القراءة ولا يستدعي الأمر حشد كل هذا الهجوم على التاريخ العثماني وكأنه فريد في هذا الباب، ولعل الحديث هنا يكون أكثر صواباً لو أشرنا إلى سير الدولة في طريق الانحلال بعد أزمنة القوة[2]، وهذا أمر طبيعي لم تخرج عن سنته أي دولة، فكيف يمكن مطالبة الدولة العثمانية في زمن انحلالها بتحقيق ما حققته أوروبا في زمن صعودها؟ أليس في هذا قدر كبير من التجني غير التاريخي؟ هذا إذا غضضنا النظر عن الرد على القراءة الطبقية التي تحصر التاريخ في قالب ضيق لاسيما إذا طالعنا مصير الدول التي يزعمون أنها استندت وقامت على استيعاب هذه القراءة الطبقية وتبنت هذا الفهم للتاريخ وعملت على إنهاء الانقسام الطبقي بين البشر في زمن الإنسانية الموعود. اما الأمثلة التي حشدها الكاتب لضعف وانهيار الدولة العثمانية فيلاحظ أنها كلها كانت في قرنها الأخير حين ضعفت بالفعل ولكن نتيجة عوامل طبيعية منحتها الاستمرار أكثر من دول كثيرة أخرى ومن الظلم أن نحاسبها بعد ذلك على أعراض كبر السن ولكونها لم تخلد إلى الأبد، وليس كتفكك الاتحاد السوفيتي ومنظومته الاشتراكية كلها في لمح بصر التاريخ، وليس من الغريب أن تلجأ للتحالفات حسب أهدافها، فالدولة العثمانية لم توقف الحروب ضد أوروبا في القرن السادس عشر وظلت تشن حروب الهجوم على الأعداء والدفاع عن مجالها الذي يعيش سلامها الطويل، وليس من الإنصاف إهمال عمليات الحصار المضروبة على فيينا في وسط أوروبا أو استمرار الحروب البحرية في المتوسط، كحرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا، والحروب في خليج البصرة والبحر الأحمر والمحيط الهندي والحروب المتتالية ضد روسيا، نعم أخطأت الدولة في بعض سياساتها وارتباطاتها في ذلك الزمن ولكن هذا لم يحولها إلى خاسر وحيد فضلاً عن الارتماء بين أحضان القوى الأوروبية بل كثيراً ما كانت هذه القوى تنال جزاءها عند إساءة التصرف وهذا الغدر الأوروبي هو ما يجب أن نعتبر به لا أن نكرر الخطيئة من موقع الضعف هذه المرة ونصطف في خندق التحولات الاستعمارية باسم العلم والتاريخ ثم نلصق صفة الارتماء بغيرنا، كمن رمتني بدائها وانسلت. -التراجع العثماني بالمقارنة أفضل من تراجع الإمبراطوريات الكبرى: ولو طالعنا تواريخ الإمبراطوريات لوجدنا أنه حتى الكبرى منها كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وروسيا فضلاً عن الأقل حجماً كهولندا والسويد وبلجيكا لم تقاوم عوامل التراجع حتى ضمن أوضاع مؤاتية لم تواجه فيه تكتلات معادية مصممة على القضاء عليها بالعنف كما حدث مع الخلافة العثمانية، فرأينا مثلا أوسع امبراطوريات التاريخ وهي إمبراطورية بريطانيا التي لا تغيب عنها الشمس تتراجع نتيجة عوامل الضعف الداخلي لاسيما الاقتصادي في مواجهة الصعود الأمريكي الذي ضيق الخناق عليها بأساليب سياسية غالباً وليست عسكرية، مع تقديم الدعم الاقتصادي أحياناً كمشروع مارشال الذي غطى خسائر الحرب الكبرى الثانية، أي أنها تراجعت رغم توفر هذا الدعم الاقتصادي من الجبهة الغربية الواسعة وغياب المنافسة العسكرية وعدم شن الحرب عليها من كل الجهات المحيطة بها كما حدث مع العثمانيين لقرون طويلة ومع ذلك ظلوا صامدين زمناً استثنائياً، وكانت نهاية الإمبراطورية البريطانية في حرب محدودة هي حرب السويس 1956 التي لم تستطع الخروج منها منتصرة رغم تحالفها مع الإمبراطورية الفرنسية والكيان الصهيوني، وذلك نتيجة المنافسة السياسية وحدها من الأمريكيين والسوفييت دون التدخل العسكري، ثم أصبح اليوم مصير بريطانيا نفسه محل تساؤل مع ارتفاع أصوات الانفصال داخلها، كما وجدنا امبراطورية عظمى أخرى كالاتحاد السوفييتي تنهار بعد زمن وجيز من قيامها يقدر بعمر فرد واحد نتيجة الاستنزاف السياسي والاقتصادي والفكري الذي مارسه المعسكر المنافس دون الدخول في حروب كبيرة معها بعد الحرب الكبرى الثانية التي كانت فيها في جبهة واحدة مع الإمبرياليات الغربية، بل لقد كانت حرب أفغانستان وحدها كفيلة بدق آخر مسمار في نعش السوفييت، فأين كل هذا من الحروب الصليبية الكبرى التي شنت على العثمانيين ومع ذلك صمدوا قروناً في مواجهتها دون دعم إلا ما ندر ولم يكن حاسماً إلا في زمن محدود من عمرها وذلك ضمن المنافسات بين القوى الأوروبية؟ والسؤال الهام بعد ذلك هو لماذا تسليط الضوء الاستثنائي على ضعف الدولة العثمانية دون نماذج التاريخ المتوافرة في كل الدول العظمى؟ ولماذا يستنكر تراجع العثمانيين دون تراجع الدول الامبراطوريات الأخرى التي سارت على المنهج "العلمي" ؟ -من هو العميل وهل كان للرأسمالية دور إيجابي؟ ثم القفز من القرن السادس عشر لاستحضار أمثلة من القرن التاسع عشر حين كانت الدولة في مرحلتها الأخيرة ولا يقاس ضعفها آنذاك على زمن القوة السابق الذي جرى تهميشه وتهميش انتصاراته بجرة قلم، ومع ذلك الضعف كانت تحالفاتها حسب مصالحها لا حسب مصالح الأوروبيين ولهذا كانت كثيراً ما تحالف طرفاً أوربياً ثم تنقلب عليه إذا تحول إلى عدو، فصفة "الارتماء في أحضان أوروبا" لا تنطبق على من حاربت كل دول أوروبا حتى في لحظاتها الأخيرة، ولهذا كانت القوى الأوروبية "متفقة دوماً على إضعاف السلطنة تمهيداً لإزالتها من الوجود" خلافاً للعملاء الذين اكتسبوا صفات النهضويين ومع ذلك كانوا أدوات طيعة في أيدي الغرب فأبقى عليهم إلى اليوم، ولكن الغريب أن توصم الدولة العثمانية بذلك التحالف مع الاستعمار (ص 29)، ولا يوصم محمد علي نفسه الذي حصل على الإذن البريطاني الفرنسي للانطلاق إلى إضعاف الدولة العثمانية[3]، بل يحصل هو وغيره من القوى "النهضوية" التي ارتمت بالفعل في أحضان الغرب الأوروبي على كيل المديح بلا حساب وذم من تصدى لها "تحت ستار" محاربة التغريب والاستلاب والجاسوسية، بل حتى أن يتم امتداح هذه القوى حتى مع الاعتراف بارتباطها الوثيق بالقوى الاستعمارية الرأسمالية، وهنا نرى ازدواجية المعايير في وزن الارتباط بالغرب بين ذم العثمانيين ومدح معارضيهم على الفعل نفسه مع أن الواجب كان دراسة الحدث الذي خرجنا منه جميعاً خاسرين بعدما تسابقت أطرافنا لنيل الرضا الغربي للاعتبار بكل ذلك وليس الاصطفاف الواضح إلى جانب "تحولات التاريخ الكبرى" التي صنعتها هذه القوى الاستعمارية وكان منها القضاء على الدولة العثمانية، وهو موقف يعيدنا إلى الرؤية الإيجابية لدور الاستعمار القدري في التاريخ، باسم العلم طبعاً، في موقف يضاهي موقف كل الذين راهنوا على الغرب فيما سبق وبهذا لا يكون هناك وجه للاعتراض على العثمانيين في "تحالفهم" مع الاستعمار ما دام هذا الموقف مبرراً بكونه منحازاً إلى التحولات الكبرى التي صنعها الغرب، وهذا هو رأي كل من استظل بالمظلة الغربية يوماً ما، فعلام الإنكار على البعض وتبرير الآخرين؟ إن الزعم بأن حكم السلطان كان استبدادياً مطلقاً لا تحد من سلطته أي مجالس أو مؤسسات أو قيود شرعية، زعم لا يستند إلى واقع حقيقي ومصدره غير محايد (ساطع الحصري) ويخالف ما أثبته بعده جمع من المؤرخين الغربيين والشرقيين أنفسهم، وإدارة شئون المجتمع لم تكن خاضعة لسلطات الباشوات مطلقي التصرف، هذه كلها تعميمات تجاوزها البحث الحديث، وتركيب المجتمع العثماني كان أكثر تعقيداً من هذا التبسيط العمودي، وقد أثبتت الدراسات المستفيضة التي طالب بها الكاتب عكس ما ذهب إليه، وإذا كان الانحلال هو سبب التدهور كما يقر الكاتب فإن الأمر إذن بعيد عن كونه مجرد خديعة مارستها السلطة الحاكمة لتثبيت مواقعها ومكاسبها الطبقية، فبحث الانحلال والتدهور بحث طبيعي في تدرج جميع الدول من القوة إلى الضعف وهي ظاهرة ليست مقصورة على الدولة العثمانية، وهو بحث مغاير لموضوع الخداع والتضليل في سبيل الحصول على المكاسب الطبقية الذي ينطبق في التاريخ على الغرب الاستعماري والشرق السوفييتي، ومن المبالغة الادعاء بأن عامل الهدم كان في هذا التحول من الصيغة الشعبوية إلى الإيديولوجيا السلطوية ما جعل القوى القومية والطبقية تسعى للانفصال لا سيما مع الاعتراف بدور الغرب الرأسمالي في توجيه الضربات القاصمة وبارتباط تلك القوى الانفصالية به، ذلك أن معظم الشعوب فضلت الاستمرار في دائرة الدولة بعيداً عن الانفصاليين كما سبق ذكره، وكانت القوى الانفصالية مجرد أدوات لا تخفي حقيقتها دعاوى النهوض والاستقلال وقد لاحظ المؤرخون أن ما كان يحفز الثورات الاستقلالية ليس "التحولات التاريخية الكبرى" بل التدخل الأجنبي الذي يستهدف تحقيق مصالحه الحصرية (بأدوات الارتهان المحلية بتعبير المؤرخ الأمريكي زاكري كارابل[4]) بدليل أن معظم هذه الحركات فشل في تحقيق أحلامه بعد رحيل العثمانيين نتيجة نفس السبب الذي عمل إلى جانبها ضد العثمانيين وهو التدخل الأجنبي الذي حرف مسار الأحداث إلى صالحه في الحالات العربية والأرمنية واليونانية والكردية والبلقانية مما يجعل إطراء إيديولوجيا الانفصال باسم عصر القوميات ودولها الحديثة ونمط الإنتاج الرأسمالي خالياً من أي مضمون يمكن الإفادة منه ولا يستدعي هذه الحفاوة بالتقدم المجهض في ظل التطورات التي تحققت فعلاً برحيل الدولة العثمانية وانفصال "القوى القومية والطبقية" عنها حيث لم تتحقق سوى مخططات التقسيم والاستغلال الاستعمارية (مقارنة بين ما قبل وما بعد في البلقان كما سبق ذكره)، وإذا كان التاريخ يسير باتجاه عصر القوميات ودولها الحديثة ونمط الإنتاج الرأسمالي فما بال كل هذه "التحولات التاريخية الكبرى" لم تجد طريقها إلينا بعد التحالف مع أوروبا المتطورة لتحقيقها مع الاعتراف بكونها استعمارية لنجد أن نفس هذه القوى "القومية والطبقية" التي عملت للاستقلال مازالت تحافظ على نفس الأوضاع القديمة بالتحالف مع أوروبا التي أصبحت الآن معادية لمصالح الجماهير الشعبية العربية مع أنها في الفقرة السابقة كانت عنوان عصر الحداثة ونمط الإنتاج الرأسمالي فصرنا مشتتين بين اتباع وصفة الحداثة بالتحالف مع أوروبا رغم استعمارها والوقوع في أسر أطماعها نفسها عند التحالف معها. والغريب بعد كل هذا أن تذم نفس القوى التي تم مديحها لأنها صنعت الاستقلال عن العثمانيين بالتحالف مع أوروبا كونها قامت بالحفاظ على نفس الواقع العثماني السابق بالتحالف مع أوروبا ! ورغم جرائم أوروبا وعجز حلفائها عن تحقيق أحلامهم بل أوهامهم من التحالف معها يظل لوم العثمانيين سواء كانوا حاضرين أو بعد رحيلهم هو عنوان النقد الموجه للواقع الشعبوي ونمط إنتاجه السابق على الرأسمالية الذي كان لينين قد فضحه وبين أنه مجرد إصلاح ترقيعي للواقع الرأسمالي، ولكننا هنا نحتار أمام هذه الألمعية الماركسية التي أبدلت بثورتها الجذرية أنماط الإنتاج وبنت دولة على الأسس العلمية المتقدمة ثم فوجئنا بانهيارها بعد عمر فرد واحد على أيدي الشعوب التي ادعت الماركسية الدفاع عن مصالحها فإذا بهذه الشعوب ترفض هذه الفوقية العلمية وترى مصالحها في جهة أخرى، أم أن الغرب هو الذي أسقط هذه التجربة و"سحقها" وعندئذ فلا داعي للتشبث ب"تحولاته التاريخية الكبرى" لأنها جعلت من أحلام الماركسية "أوهاماً" كما وصفت أحلامنا من قبل ( ص 41). ويحتار المرء في الذبذبة عند وصف التحالف مع أوروبا، فهو سيء عندما تقوم به الدولة العثمانية، ولكنه يصبح جيداً عندما تقوم به القوى الاستقلالية، ثم يرجع سيئاً عندما تصبح هذه القوى نفسها في السلطة وتتحالف مع أوروبا ضد الجماهير الشعبية على غرار العثمانيين، فهل كانت أوروبا معادية لمصالح الجماهير العربية عندما كانت متحالفة مع العثمانيين ثم أصبحت إلى جانب هذه المصالح لما تحالف معها أو بالأصح انضوى تحت أمرها زعماء "النهضة" بدءاً من علي بك والمماليك في مصر مروراً بمحمد علي باشا ثم الشريف حسين؟ ويخفي التحليل الطبقي الإيديولوجي طبيعة دولة التجزئة العربية بهويتها ونظمها وقوانينها وسياساتها وحكامها وتبعيتها، ولا يرى كل صفاتها المناقضة لطبيعة الدولة العثمانية وارتباطاتها المخالفة لسياسات العثمانيين، بل يراها مجرد استمرار لهم رغم الهوة العميقة الفاصلة بين العصرين بتغير القوى العظمى المهيمنة وتحول مسار الفوائد من الواقع من شعوب المنطقة التي كانت موحدة إلى القوى الخارجية[5]، التي فرضت عليها التجزئة والانقسام والترحيل والعداوات، وهذا العمى في التحليل الطبقي هو الذي أدى إلى الخطايا الفادحة في الحكم الماركسي الذي لم يستطع الاستمرار إلا برهة من الزمن نفضته بعدها نفس الشعوب التي ادعى حماية مصالحها من أعدائها الطبقيين الذين حلت نخبته محلهم كما يفزعم أن النخب العربية المهيمنة حلت محل العثمانيين بنفس طرائقهم، بهذا تبين أن كل الصفة العلمية التي كانت تلقى بفوقية على المعارضين ليست سوى صفة إيديولوجية كالتي حاولوا وصم الآخرين بها. -من أين أتى العجز؟ إن العجز عن التقدير الحقيقي للإمكانات في زمن الضعف الذي يمر بكل الكائنات والكيانات البشرية والمطالبة بالاستمرار في زمن القوة المنتهية يخرج بالبحث عن صفته العلمية، والحديث عن "العجز عن حماية الإنسان والأرض" أو عدم الحفاظ على الوحدة الحقيقية وكأنها عيوب اختارها العثمانيون لا يفي البحث حقه من سرد الحقائق، يمكننا أن نقول إن زعماء "النهضة" أدوا بشكل مباشر إلى ضعف بلادهم نتيجة الانفصال عن وحدة الكيان التي كانت بحاجة إلى تجديد لا إلى تمزيق يزيد الطين بلة، كما أن الانضواء تحت راية الأعداء جعلنا بشكل مباشر لعبة في أيديهم يتقاذفونها كما يحلو لمصالحهم وهذا ما حدث منذ اتفاقيات سايكس بيكو التي أبرمت في نفس الوقت الذي كنا نقاتل تحت رايات أوروبا ثم في مؤتمر الصلح في باريس ثم في سان ريمو حيث كنا كالأيتام على مائدة اللئام، هذا كله صحيح وتم بالاختيار حتى بعدما علمنا لما يدبر ضدنا عندما نشرت الثورة البلشفية فضائح الإمبرياليين فاخترنا الاستمرار معهم، ولكننا لا نستطيع أن نعيب الضعف على دولة عاشت أكثر من معظم الدول في التاريخ وكان من الطبيعي أن تصاب بسنة الانحلال والتدهور بعد قرون من القوة والسيادة وبعدما صمدت كما لم يصمد غيرها واستمرت تقاوم حتى لحظاتها الأخيرة ثم نأتي لنلقي على كاهلها عبء جرائم أعدائها ونبيض صفحتهم كالتالي. -أوروبا الوردية في النظرة الإيديولوجية: تتابع القراءة الإيديولوجية القول بأنه "عندما سادت الإيديولوجيا الشعبوية في السلطنة العثمانية والدويلات الأوروبية معاً في القرن السادس عشر، وكانت أبرز شعاراتها الصليبية المتجددة باسم "حرب الهلال والصليب"، عرفت أوروبا كيف تضع حداً لتدخل الدين في السياسة، وتسلط الكنيسة الكاثوليكية على الجماهير الشعبية المسيحية في أوروبا التي خاضت معارك دامية، وتعرضت لمجازر دموية بين الطوائف المسيحية نفسها، فقامت البورجوازيات الأوروبية بثوراتها الوطنية والقومية ضد نمط الإنتاج الفيودالي [الإقطاعي] السابق. وخاض المفكرون الأوروبيون معارك نظرية عنيفة ضد الجمود والتحجر والشعارات الشعبوية المسيحية التي كانت تبثها الكنيسة ورجال الدين والقوى الطبقية المسيطرة. ولم يكن خروج أوروبا إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، والحداثة، والمعاصرة، والعقلانية، والليبرالية، وحكم المؤسسات الدستورية وغيرها مسألة سهلة، بل تطلبت تضحيات كبيرة وصدامات دموية متلاحقة. "أما في الأقطار العربية فما زال الحنين إلى الماضي العثماني وما قبل العثماني السمة البارزة في الفكر العربي المعاصر. وكأن ما تمنعت عن تحقيقه السلطنة العثمانية في أوج مجدها كانت قادرة على إنجازه في مرحلة تفسخها وانهيارها. وما انهيار الصيغة الشعبوية العثمانية إلا نتاج التطور التاريخي نفسه، وبفعل العوامل الداخلية والخارجية معاً. إذ لم تكن هناك مصلحة حقيقية للقوى العثمانية المسيطرة في تحقيق الشعارات الشعبوية التي نادت بها في مرحلة صعودها بل تحولت العثمانية، منذ البداية، إلى إيديولوجيا سلطوية تحاول تأييد ما هو قائم وقطع الطريق على التغيير الجذري. وقد ورثت الأنظمة العربية الراهنة هذه الإيديولوجية السلطوية المعادية للتغيير. وبالتالي، لن تستطيع الشعارات الشعبوية المتسربلة باسم الدين أن تنقذها من مصيرها الحتمي عندما تصبح قوى التغيير الجذري قادرة على صياغة مشروعها البديل. عندئذ يعاد النظر في الكتابة الإيديولوجية التي اتخذت من الشعبوية مرتكزاً للتضليل الجماهيري وإبقاء الواقع العربي في جموده وتحجره الراهن. فالمسألة الأساسية، في جوهرها، لا تكمن في الإجابة عن مصداقية شعارات "الشعبوية العثمانية" وتعاطف الجماهير الفلاحية معها وتوقها لتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية على أياديها، بل في الإجابة عن الطبيعة الطبقية للسلطنة العثمانية ومدى رغبة القوى السلطوية العثمانية أو بالأحرى مدى الفائدة التي يمكن أن تجنيها من تنفيذ الشعارات الشعبوية الإسلامية. أما الحنين إلى الماضي التليد، فلا يمكن أن يخفي الوجه الطبقي للقوى المسيطرة في الأقطار العربية مهما تسربلت بثياب الدين وحافظت على إسلام الدراويش والفرق الصوفية. "اليوم، وفي مرحلة تحول الرأسمالية إلى أمبرياليات كبرى وفرعية يبدو الحنين إلى الإيديولوجيا الشعبوية، الدينية الفلاحية والحرفية، ضرباً من الأوهام التي سحقها التاريخ عبر تحولاته الكبرى. وما الشعبوية الدينية المعاصرة، والقراءة الفلاحية للمبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية، الماضية والمعاصرة على السواء، سوى طقوس متجددة للفرق الصوفية بأشكال حديثة، والتي لم تنقذ "الرجل المريض" العثماني، بل عبدت الطريق لغزو السلطنة وتوزيع ممتلكاتها. ولا يقل خطرها الراهن على الأقطار العربية عن مخاطر الشعبوية العثمانية التي ساهمت إلى حد بعيد، في انهيار السلطنة) ص 40-41. ويلاحظ أن هذا العرض الوردي يتضمن اختزالاً واضحاً لتاريخ أوروبا، فهي لم توقف حروبها ضد الآخرين يوماً واحداً، بل نقلتها من الشرعية الدينية إلى شرعية العقل والعلم والعلمانية، فانفلت العقال وطال العدوان كل البشر بعدما كان محدوداً نسبياً، كما أن هذا العرض يحمل في طياته رؤية استنساخية تطالب من الآخرين أن يصلوا لنفس ما وصلت إليه أوروبا مع أن طرق التطور مختلفة ومتعددة ولا يمكن لأحد أن يتقمص طريق الآخر لاسيما في حضارة رفضت أن تضم الآخرين إلى جنتها، ومن عدم الإنصاف الحكم على التاريخ العثماني بالفشل كونه لم يصل إلى ما وصلت إليه أوروبا في زمن صعوده، أي قبل الأوروبيين أنفسهم، أو في زمنهم هم حينما كانوا في زمن صعودهم وكان العثمانيون في زمن ضعفهم وشمسهم آيلة للمغيب، هذه مقارنات غير تاريخية وتحكّم في غير موضعه لاسيما عندما تصور الدولة العثمانية بصورة من رفض السير في الطريق الذي اهتدت إليه أوروبا وكأن الأمر كان عرضاً تاريخياً رفضه البعض وسبق إليه آخرون والتاريخ لا يسير بهذه الصورة إذ سبق الحديث عن كون النهوض الأوروبي لغزاً ما زالت محاولات حله جارية إلى اليوم ومن التحكم تصوير الأمر وكأنه عرض على العثمانيين ورفضوه، ونجد التحكم والقولبة أيضاً في مدح التضحيات التي بذلتها أوروبا والصدامات الدموية التي دخلت فيها في سبيل الوصول إلى نهايتها السعيدة، وعدم منح بلادنا نفس الميزة وذلك لأن طريق التطور وفق هذه الرؤية طريق واحد من سار عليه فاز وحصل على البراءة والغفران لكل أفعاله وعنفه ودمائه حتى لو كان سفكها ليس كما يصور وإجراماً ضد أبرياء فالأمر مغفور ومبيض مادام في سبيل الجنة الموعودة، أو هذا ما يراد لنا أن نصدقه، أما من لم يسر فيه فليس له سوى الخيبة والمرارة ولا يمكن الاعتراف بأنه يسير في طريق مختلف سيؤدي إلى نهوض ما في يوم ما رغم كل الدلائل التي تشير إلى النمو والصعود والصمود. ولا تسمح هذه النظرة الأحادية التي فشل المعسكر الذي تبناها وانهار في ليلة غير مقمرة، للضحايا الذين زعمت الدفاع عنهم، أن يرفضوا الاضطهاد الأوروبي الذي وقع عليهم، وصارت تصور رفضهم بحنينهم إلى هويتهم وطريقهم الخاص بأنه أحلام شعبوية لا تؤدي إلى نتيجة، وترفض رؤيته على حقيقته المقاومة للنهب والاستغلال والإبادة وكونه بحثاً عن طريق نجاة بعدما سدت الطرق في وجوههم، ومن الطبيعي أن يتخبط ابتداء ولكنه سيصل يوماً، وبكل فوقية يحكم عليه بأنه ليس طريقاً علمياً، فماذا أنتج الطريق العلمي لمن سلكه من قبل حين سقط معسكر كامل ادعى السبق فيما سبق؟ إن الحديث عن تمنع الدولة العثمانية عن تحقيق وعودها لأنه لم يكن من مصلحة القوى المسيطرة فيها أن تنجز وعودها حين تحولت تلك الوعود والشعارات الشعبوية "منذ البداية" إلى التسلط والجمود ، هو حديث لا ينطبق على الحقائق التاريخية التي يحاول الكاتب تجنب الإقرار بها وهو أن هذا التحول حدث وفق منظوره ومنظور الكتاب الذي يقدمه في نهاية القرن السادس عشر، بل إن المؤرخ إيفانوف يطيل عهد الإيجابيات أكثر من مقدم كتابه، فكيف يمكننا إهمال ثلاثة قرون مضت قبل هذا التحول؟ وما الذي كان مطبقاً فيها؟ إن المؤرخ السوفييتي إيفانوف يقر بوجود واقع إيجابي في تلك الفترة الممتدة ويقول إن التحول حدث بعدها، أما الدكتور العربي فيحاول الالتفاف على هذه الحقيقة ويريد إلغاءها بالقول إن التحول حدث منذ البداية ويتركنا في فراغ طيلة هذه القرون الثلاثة، وبالطبع لا يشير إلى أن هذه التحولات وقعت في كل الحضارات السابقة حتى التي يمتدحها ويغفل مساوئها، فمن الذي يستطيع أن ينكر التحولات التي جرت في الشيوعية بين الثورة والدولة؟ وكان هذا التحول سريعاً على يد نفس الجيل الذي رفع الشعارات الشعبية الثورية ثم حول دولة البروليتاريا إلى أقسى آلة قمع في التاريخ؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الغرب لم يف بأي وعد من وعوده الليبرالية والإنسانية والحضارية والتمدينية والديمقراطية والتحررية للشعوب الملونة التي يمن عليها وتحول الاستعمار من وعود الإعمار إلى واقع السلب والنهب والإبادة والدمار على أيدي نفس المفكرين والحكام المستنيرين الذين نادوا بالشعارات البراقة ابتداء؟ فإذا أردنا الحديث عن عدم الوفاء بالوعود يجب أن ندرج الجميع وإذا كان الأمر مجرد تطور طبيعي فيجب أن يطبق التسامح على الجميع، وهذا ما لم تف به هذه القراءة الأحادية. -الأنظمة العربية متناقضة مع الحكم العثماني: ثم إن ربط الأنظمة العربية بالماضي العثماني يقفز على كثير من الحقائق التي تنقض هذا الارتباط ويبرئ القوى الأوروبية التي صنعت هذه الأنظمة ونصبتها وأنفقت عليها وليس من العدل ربطها بالدولة العثمانية لأجل تبييض صفحة الشعارات الليبرالية التي صنعتها وروجتها أوروبا، وإنه من العجيب أن تحسب هوية الأنظمة العربية على الماضي العثماني وقسم كبير منها بنى شرعيته على الانفصال عن الدولة العثمانية والتحالف مع القوى الاستعمارية والارتباط بها وهو ما أقر به الكاتب نفسه فيما سبق، فلماذا تحسب الحركات الانفصالية على أوروبا عندما توصف بالنهضوية في مرحلتها الثورية ثم لما تصل إلى الحكم وتسيء السلوك نعيد ربطها بالواقع الذي انفصلت عنه وثارت عليه؟ -الاتحاد السوفييتي هو الذي واجه المصير الحتمي للاستبداد: ثم إن الحديث عن "المصير الحتمي" للإيديولوجية السلطوية المعادية للتغيير وعدم قدرة الشعارات الشعبوية المتسربلة باسم الدين على إنقاذها عندما تصبح قوى التغيير الجذري قادرة على صياغة مشروعها البديل، يبدو أنه انطبق أولاً على نفس هذه الإيديولوجية التي تسربلت بحماية مصالح الطبقات الشعبية فاجتاحتها قوى التغيير دون حتى مشروع تغييري جذري بل كانت هذه الإيديولوجية من الهشاشة والضعف أن تمكنت قوى الردة الرجعية الرأسمالية من القضاء عليها وسحقها ولم تتمكن شعاراتها الشعبية من إنقاذها من مصيرها الحتمي بعدما تحولت إلى إيديولوجية سلطوية استبدادية ديكتاتورية، وسنجد المسألة الأساسية في جوهرها ليست في الإجابة عن مدى مصداقية الشعارات الثورية الشعبية وتعاطف الجماهير الفلاحية والعمالية والمسحوقة معها وتوقها لتطبيق مبادئ الاشتراكية الشيوعية على أيديها، بل في الإجابة عن الطبيعة الاستبدادية الديكتاتورية للسلطة السوفييتية ومدى رغبتها أو إفادتها من تنفيذ شعاراتها غير الطبقية، أما الحنين إلى هذا الماضي السوفييتي فلا يمكن أن يخفي الوجه الطبقي للقوى التي سيطرت على شعوب الكتلة السوفييتية باسم تحرر الشعوب وإلغاء الطبقات. -زوال الاستعمار مصير استبداده: ونفس الحديث ينطبق على الإيديولوجية الليبرالية الاستعمارية التي غزت الشعوب وحكمتها باسم جلب الحضارة والتمدين وأجبرتها على القتال في سبيلها في الحروب العظمى التي دخلتها ومع ذلك كان جزاؤها التنكر لإنجازاتها وسفك دمائها لما طالبت بنصيبها من الجنة الموعودة بعدما دفعت ثمنها غالياً، وبعد السكرة بالديمقراطية والحرية والليبرالية وحقوق الإنسان جاءت الفكرة بالاستعمار والهيمنة والسلب والنهب والإبادة فرفعت أسلحتها ضد هذا النموذج الذي تجعله هذه القراءة مقصوراً على شعارات لم يف بها ولم تحصد جماهير الشعوب منها سوى الخسارة والمرارة، ومع ذلك يصبح هذا النموذج هو التطور "العلمي" الذي يكتسح ما عداه من أحلام وأوهام. -قوى التغيير وخياراتها والأخطار عليها: وسنجد بالفعل أنه عندما بدأت قوى التغيير الجذري بالتململ للاستيقاظ وجهت سهامها للأنظمة العربية السلطوية سواء المتسربلة بالدين أو العلمانية التغريبية التي جرى امتداحها فيما سبق من المقال، ولم تعتنق هذه القوى الإيديولوجية الماركسية التي سحقتها التحولات التاريخية الكبرى وصار الحنين إلى ماضيها نوعاً من الأوهام بعدما عاينت الشعوب أن الشعارات المثالية التي رفعتها لم يتم تطبيقها ويصح القول إن السلطة السوفييتية بررت بها مكاسبها وامتيازاتها الطبقية ولم يكن لها مصلحة في الوفاء بالوعود التي قدمها نفس الجيل الذي انسلخ منها ولم يطل العهد للانتقال من الثورة إلى الدولة وإخلاف كل العهود التي قطعت على يد نفس الجيل المؤسس بطريقة كانت واضحة جداً عندما سطرت هذه القراءة قبل السقوط المدوي بأعوام قليلة ومع ذلك كانت تتجاوز كل هذه التجاوزات وتتهم تواريخ الآخرين بالخداع والاستغلال مما هو أقرب إلى النموذج السوفييتي نفسه الذي استمر أنصاره بعد ذلك بإلقاء تبعة سقوطه على فشل الثورة العالمية التي كان يفترض بها دعمه[6]، ولا ندري كيف لنموذج سياسي وحضاري أن يجعل شرط استمراريته أن يعم العالم كله وألا يواجه أي عدو يعتدي عليه أو يستنزفه أو حتى يناوئه لتصبح الجماهير التي لم يجذبها هذا النموذج ولم تنضم للقتال معه أو للكفاح في سبيله أو حتى للحماس للانضمام إليه (كما تحمست الجماهير للنموذج "الشعبوي" العثماني على الأقل) فصارت هي الملومة على سقوطه وليس تقصيره في حق من وعدهم بالمن والسلوى ولم يف لهم فتبدلت مشاعرهم بين السكرة به والفكرة الحقيقية عنه في مدة وجيزة، وذلك مع أن الغرب لم يدخل في عدوان عسكري ضد المعسكر الاشتراكي بعد سياسة الوفاق الدولي، فأين هو التضليل في الحقيقة ومن هم الذين جنوا الخسارة والمرارة ومن اتباع أي نموذج؟ وحتى لو سايرنا هذه القراءة بكون قوانين التطور هي الحاكمة في انهيار الاستغلال وإحلال التغيير الجذري محله فإن الخطر عليها ليس من الأحلام "الرجعية" ولا من سنة الاختلاف الداخلي بل من العدوان الغربي الخارجي الذي يصر على حرف مسار الأحداث إلى جهة المصالح الغربية ويأتي بجيوشه ووكلائه وطائراته وبوارجه وقنابله وغواصاته لتحطيم أي محاولة نهوض حتى لو كانت محدودة النتائج، هنا يحدث التعطيل والعرقلة لا بوجود خلافات داخلية كانت حاضرة دائماً في كل محاولات النهوض لاسيما في النموذج الأوروبي، الذي لم تتقصده عقبات خارجية[7]. -من هو الطبقي الدموي الذي انقلبت شعوبه ضده؟ وإذا كانت هذه القراءة تهمل أهمية تعاطف الشعوب الخارجية مع الشعارات العثمانية استناداً إلى الواقع الطبقي للسلطة العثمانية، فمن الإنصاف أيضاً أن نعمم هذا المقياس على كل السلطات الأخرى لاسيما السلطات التي ظهرت بعد العثمانيين وكان من الأجدر بها أن تكون صادقة مع شعاراتها الليبرالية أو الاشتراكية التي يمدحها الكاتب كتحولات تاريخية كبرى سحقت الأوهام، فنجد أولاً أن الشعوب الأخرى تعاطفت مع الطرح العثماني نتيجة مقارنة بين واقعها وواقع الدولة العثمانية وليس لمجرد تأثرها بدعايات خيالية، فقد كان الواقع العثماني متقدماً على عصره كما سبق ذكره عن مجموعة من المؤرخين من ذوي المشارب المختلفة ، كما أن اندلاع الثورة البلقانية ضد الحكم العثماني بعد قرون لم تكن نتيجة سوء الأوضاع ولم يعقبها تحسن فيها كما قال المؤرخ دونالد كواترت، وإذا كان لنا أن نقيس السياسة الفعلية بالشعارات النظرية فما هي نتيجة هذا القياس على الوضع السوفييتي الذي انتهج الاشتراكية العلمية فلم تنفذ الثورة وعودها وتحولت إلى أعتى حكم استبدادي طبقي ودموي فانقلبت عليها الشعوب بعد سنوات قليلة (1956) و (1968) انتهت بالسقوط المدوي (1991)، كل ذلك لم يستغرق قروناً بل تم في غضون أقل من ثلاثة أرباع القرن. -اختلاف الأنظمة الحاكمة عن القوى التي تحمل الحنين للماضي: هناك خلط واضح بين القوى المسيطرة اليوم والجهات التي تحمل حنيناً للماضي، بل إن من التجاوز عدم ملاحظة أن السلطات المسيطرة في العالم العربي كان من صالحها تشويه صورة الماضي العثماني[8]، بل لقد لاحظنا في الحقبة التي تلت كتابة الكتاب أن قوى التغيير هي التي حملت الحنين للماضي العثماني، ويجب أن نؤكد على أن المشروع البديل لن يكون بأي حال من الأحوال استنساخاً لتجارب مستحيلة التكرار كنا ضمن هيمنتها على العالم فأصبحنا في أغلبية سكانه الذين لا يحصلون سوى على خمس موارد الأرض في الوقت الذي يتمتع فيه خمس البشر بأربعة أخماس الموارد. كشف الزمن عن زيف الخطاب الفوقي الذي سفه الحنين إلى الماضي وعده ضرباً من الأوهام "التي سحقها التاريخ عبر تحولاته الكبرى" في مرحلة تحول الرأسمالية إلى إمبرياليات كبرى وفرعية اليوم، ذلك أن التحولات التاريخية سحقت التجربة السوفييتية بأيدي شعوبها بعدما عجزت عن مواجهة الدعاية الإمبريالية ومجاراتها فضلاً عن غزو بلادها، أما الدولة العثمانية فقد تم تدميرها بقوة السلاح الخارجي في زمن ضعفها الطبيعي وفي وقت فضلت فيه شعوبها الاستمرار تحت مظلتها وكان انهيار السلطنة بعد ستة قرون بمشاركة خارجية حاسمة ظلت تنقض على أطرافها عشرات السنين، وليس من داخلها كما حدث في التجربة السوفييتية بعد أقل من قرن وفي ذروة شبابها، ولم يكن الفناء بعد ستة قرون غريباً بل كان العمر العثماني استثنائياً في طوله على عكس عمر السوفييت الاستثنائي في قصره، وإذا أردنا الحديث عن الدور الداخلي في انهيار السلطنة العثمانية فإننا سنجده في الدور السلبي الذي قامت به قوى التغريب التي مهدت الطريق وعبدته للهيمنة الأجنبية وهو ما أشار إليه مؤرخون غربيون كبار[9]، وذلك الدور أهم كثيراً من دور الشعبوية المزعومة والتي أدت دوراً مقاوماً لا معبداً للهيمنة الاستعمارية، فكيف يزعم بعد ذلك أنها ضللت الجماهير؟ فهل كانت القوى "الليبرالية العقلانية" المتسربلة بأوروبا الاستعمارية هي التي ترشد الجماهير إلى مصالحها التي تنتهكها سيدتها الأوروبية؟ -هل الاستعمار الأوروبي ظاهرة جديدة؟ ثم إنه من العجيب الزعم أن الرأسمالية تحولت اليوم إلى الإمبريالية أو أن اليوم هو مرحلة تحولها، ويبدو أن هذه النظرة متفرعة عن النظرة الإيجابية لدور الرأسمالية قبل أن تتحول إلى الإمبريالية، ولكن هذا يغفل الحقيقة التاريخية لوجود الإمبريالية منذ بداية العصور الحديثة حين قامت بغزو العالم وارتكاب الإبادات الشاملة في أمريكا وأستراليا وإفريقيا وآسيا قبل ما زعمته الماركسية بزمن طويل، ثم أليس هذا التحول هو نتيجة طبيعية للعقلانية والحرية والأنوار والديمقراطية والإنسانية والمؤسسات الرأسمالية التي تم مدحها قبل قليل؟ وهل يمكن الادعاء بأن الغرب الذي يعطيه الكاتب صورة إيجابية طبق أي وعد من وعود الحداثة والمعاصرة والعقلانية والليبرالية وحكم المؤسسات في العالم الذي غزاه أم أن الأوضح هو أنه احتكر المزايا لنفسه على حساب الآخرين؟ وهل لخيانة الوعود الغربية علاقة بعودة الحنين لما يسميه الكاتب الشعبوية العثمانية "التي لا مصداقية لها" ؟ وهل الأولى أن يحن المرء عندما يبحث عن بديل لواقعه إلى تجارب استغلته واضطهدته ومارست الإبادات المليونية في الغرب الأوروبي والشرق الشيوعي أم أن يستلهم تجربة نجحت في الاستمرار قروناً دون أسلحة الهيمنة المتطورة وربح منها عدة مزايا وهي الوحدة السياسية والتكامل الاقتصادي والتعايش الاجتماعي والاكتفاء الذاتي والحماية العسكرية وهي منجزات لم تستطع الأنوار الغربية والعلمية السوفييتية تعويضه عن الحد الأدنى منها؟ -أين أصبحت الرؤى "العلمية"؟ وإذا كانت التحولات التاريخية الكبرى هي مسار التاريخ الطبيعي وعلى الرأسمالية أن تخلي مكانها، بعد تحولها عن دورها الإيجابي، للاشتراكية بعدها، فأين هو مصير الاشتراكية بعدما أطاحت بها الرأسمالية دون قتال وما هو تفسير ذلك وفق القراءة الماركسية؟ وما هو المنقذ بعد زوال الاشتراكية؟ ومن الوهم الظن بإمكان استنساخ تجارب الآخرين سواء المختلفة زمانياً أو مكانياً، والتاريخ لا يعود للوراء ولم تعد دولة للحياة بعد انهيارها، نعم من الممكن لشعب أن يعيد نهضته بعد عصور الفتور ولكن بثوب جديد ودولة أخرى، وإذا كان هناك خطر من الشعبوية العثمانية اليوم، فهل نفعت الإيديولوجيات "العلمية" المعاصرة التجربة السوفييتية؟ أم هل أنقذتها من الانهيار؟ وماذا نسمي المتعلقين برواسب هذه الشعبوية الماركسية إلى اليوم؟ ألا يصح وصفها بأنها لم تنقذ دولة عظمى ولا حتى رجلاً مريضاً ولم تحل دون انهيار الاتحاد السوفييتي ولذلك فإن خطرها اليوم لا يقل عن خطرها في المساهمة في انهيار المعسكر الاشتراكي؟ -وأين هو مصير الحلم التغريبي؟ وإذا كان الوهم في الإيديولوجيات الدينية المعاصرة وكذلك رواسب الماركسية فماذا نسمي محاولة استنساخ وتكرار تجربة قائمة على احتكار خمس البشرية لأربعة أخماس مواردها؟ كيف يمكننا تعميم هذا النموذج؟ وماذا نسمي وعود الازدهار الذي يطلقها في وقت يرفض فيه المحتكر التنازل عن مكاسبه ولم يبق للضحية سوى الفتات؟ وكيف يمكن تعميم هذا النموذج في بلاد قام الغرب بتحطيم كل تجارب النهضة التي استنسخت نموذجه فيها كما استنزف المعسكر الاشتراكي حتى تحطم من [1] - فيليب فارج ويوسف كرباج، المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2013، ترجمة: بشير السباعي، ص 131-132. [2] -هاملتون جب وهارولد بوون، ص 16 هامش رقم 1. [3] -د. جوزف حجار، أوروبا ومصير الشرق العربي: حرب الاستعمار على محمد علي والنهضة العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1976، ترجمة: بطرس الحلاق وماجد نعمه، ص 37-47 و55 و 96 و 135 و 142 . -رءوف عباس، صفحات من تاريخ الوطن، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2011، تحرير:عبادة كحيلة، ص118-122. -يوجين روجان، ص 101. [4] -زاكري كارابل، ص 302. [5] -ألبرت حوراني، ص 352. [7] -حمدان حمدان، العراق وثمن الخروج من النفق: من محمد علي باشا إلى عبد الناصر فصدام حسين، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت، 2004، ص 98. -الدكتور محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007، ص 19. [8] -دونالد كواترت، ص 339. [9] -لتفاصيل أكثر يمكن مراجعة سلسلة دراسات آثار التغريب السياسي والاقتصادي والاجتماعي على المجتمع العثماني: التحدي والاستجابة، لكاتب هذا المقال في كتاب السلطان والتاريخ كما أنها منشورة على الشبكة. |
نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني-الحلقة الأخيرة
محمد شعبان صوان
نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني ـ الحلقة السابعة
محمد شعبان صوان
نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني ـ الحلقة السادسة
محمد شعبان صوان
نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني ـ الحلقة الخامسة
محمد شعبان صوان