نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني ـ الحلقة السابعة 


محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

-هل القراءة الماركسية علمية فعلاً؟ وتوصف هذه الرؤية رغم كل تجاوزاتها، التي سبق وصفها، بأنها نظرة محايدة بين إنكار كل إيجابيات الدولة العثمانية وإنكار كل سلبياتها، ورغم الانحياز الواضح لتشويه صفحتها وتبرئة أعدائها بما فيهم الغرب الاستعماري الذي لا يكون شراً إلا حين يكون في صف الدولة العثمانية أما حين يقف في صف معاد لها نرى السخرية من التعاطف العربي والإسلامي معها، والاستهزاء بالدفاع المستميت عنها في وجه صليبية أوروبا "المتجددة باستمرار" (ص 33) (وكأن هذا خيال من ابتداع أنصارها وليس حقيقة أشار إليها كثير من المؤرخين الغربيين أنفسهم)، ويتبدد العجب حين نرى الدفاع عن "الحركات التحررية العربية ضد السلطنة العثمانية وشعار النهضة" (فوفق هذه الرؤية المنحازة كان الهجوم على هذه الحركات التحررية "تحت ستار" مكافحة التغريب والاستلاب الثقافي وفقدان الشخصية العربية الإسلامية وضرب وحدة المسلمين وإلغاء الخلافة والهجوم على دعاة النهضة وعدهم جواسيس وعملاء للغرب وهراطقة ومرتدين وهي كلها في نظر هذه الرؤية شعارات "إيديولوجية" رغم الاعتراف بالارتباطات الاستعمارية لهذه الحركات التحررية (ص 39) ، لنصل إلى نتيجة عجيبة وهي أن هدف هذه الرؤية كان الدفاع عن نماذج فقيرة أنتجتها هذه الحركات وكان مصيرها إما أن شعوبها لفظتها ونفضتها عن ثوبها أو تراجعت عن التمسك بميراثها: أتاتورك (مع إغفال كل قسوته ودمويته ووصف أعماله بالإصلاحات)، وبورقيبة ! فهل هذه هي نماذج النهضة المرجوة أم أن الأمر لا يعدو شعارات إيديولوجية للتسويق)؟

هذه كلها حقائق موثقة وواقعة كما رأينا والخلاف ليس على تفسير الأحداث بل بسبب كون القراءة الإيديولوجية الماركسية تنفي الحقائق الواقعة وتحاول صب التاريخ في قالب جاهز دون الاعتراف بها، وإن محاولة نفي هذه الأحداث أو إنكار وجودها بعد هذه الإثباتات هي التي تدخل في باب الإيديولوجية وإخفاء الحقائق العلمية انطلاقاً من عد تاريخنا خارجاً عن المسار العلمي وأن اتباع المراحل الأوروبية هو الواجب على بقية الأمم ولهذا فإن الارتباط بالغرب لم يكن شراً بل نهوض حقيقي وفق القوانين "العلمية"، ولكن أين النتائج بعد كل ما حدث؟ أليس نفي كل هذا الواقع السلبي هو الإيديولوجية؟ وهكذا يوصف المخالفون برافعي شعارات إيديولوجية أخفت عمداً الأسئلة "العلمية" لنرى فيما بعد كيف كانت الحقيقة معكوسة وهي أن هذه الرؤية "العلمية" هي التي أخفت الحقائق لصالح رؤية إيديولوجية لواقع الغرب وأخفت حقائق كثيرة وروجت لنموذج كان السبب في دمار مجتمعاتنا بنفس التبرير الذي رفعه مجرمو الغرب وهو التمدين وجلب الحضارة، وكيف كان تعامل هذه الرؤية "العلمية" مع التاريخ بازدواجية معايير واضحة تجعل الأمر مرغوباً لو قام به أنصار الغرب وهو نفسه مذموماً لو قام به أعداؤه، مع أن الأمر يمكن أن يوضع تحت بند التطور الذاتي، ولكن الرؤى التي تحتكر الصفة "العلمية" ترفض أي تنازل لرؤى أخرى، والغريب أن تستنكر هذه القراءة رؤية للدولة العثمانية دولة مفترى عليها رغم أن صاحب هذه الرؤية وهو الأستاذ الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي كتب عملاً موسوعياً هو الكتاب الشهير "الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها" في إثبات مقولته واستند إلى مراجع وحقائق عديدة تذكر الإيجابيات والسلبيات، فتشطب رؤيته بجرة قلم يدعي الحيادية لصالح رؤية رأينا أنها هي التعميم الإيديولوجي الذي قفز عن كل معاناة الأمة ليصف أعداءها بأوصاف لم تلمس منه الجماهير التي يدافع عنها أي واقع إيجابي لا سيما في الأمثلة العجيبة التي وصفت لنا خيارات غير "الاضطهاد" العثماني مع كونها أشد قسوة وتخلفاً وعمالة بشهادة شعوبها التي صبرت على "الاضطهاد" العثماني أربعة قرون ثم نفضت عن واقعها هذه الأمثلة بعمر جيل واحد.

-هل كان التغريب مغلوباً على أمره؟ كيف يقال إن شعارات "النهضة" طمست بفعل القوى المعاكسة لها مع جود الأمثلة المستشهد بها؟ تركيا وتونس وغيرها؟ وهل حقاً كانت مظاهر العلمانية بسيطة؟ ومن الذي طمس من في تلك البلاد؟ ومن الذي قمع الآخر قمعاً دموياً وعنيفاً وقاسياً؟ أليست تلك الأنظمة "النهضوية" هي التي تحكمت بشعوبها؟ وما الذي أنجزته في البلدين المحتفى بهما لدى الكاتب؟ وما الذي يريده دعاتها بعدما قام به كمال أتاتورك؟ وهل من الإنصاف علمياً تقمص العلمانية دور الضحية مع كون أنصارها هم الحاكمين بدعم دولي لزمان طالت مدته؟ وهل لها برنامج نهضوي فعلاً أم أن المطلوب فقط مجرد مسخ لمجتمعاتنا كما يبدو جلياً من تحطيم نهضاتها والتركيز على قشور لا قيمة لها؟ ثم ألم تتحقق الإنجازات النهضوية المحدودة بالخروج عن طوق الغرب (الليبرالي الحقوقي التنويري الذي "أوقف" الحروب الصليبية)؟ ومن الذي حطم إنجازات أنظمة التغريب التي خرجت عن طوق الغرب وطمس فعلاً شعارات النهضة: هل هم أنصار التراث أو المجتمعات التي يزعمون أنها لم تتقبل العلمانية (وهذه مبالغة، حيث يشير المؤرخ جيرمي سولت إلى حقيقة جلية: "في مصر، كان إسقاط الملكية في تموز – يوليو عام 1952، وتبعه إقامة دولة الحزب الواحد. مصر الثورة، الفتية والديناميكية، كانت بعجلة من أمرها لتعويض الوقت الضائع: فشيدت المستشفيات والمشاريع السكنية والمدارس والطرق، وكان كل ذلك على حساب قمع حق الناس بالمعارضة والتحدي، ولكن بدا من التقديرات أن أغلب المصريين قبلوا هذا التبادل[1]) أم أن الغرب العلماني والعدواني هو الذي لم يقبلها؟ إذ من الذي حطم التجربة المصرية في ضربة 1967؟ وهنا يصدق حديث الدكتور حسن الضيقة في نقض لوم الأمة فيما هي مكبلة في خاتمة كتابه "دولة محمد علي والغرب" حيث قال: "وفي الوقت الذي تمتلك فيه قوى الحداثة والتغريب مراكز التحكم بأنشطة الفكر والسياسة والاقتصاد في سوق الدولة ودولة السوق، يجري تحميل قوى الأمة المسجونة والمهمشة والمستعبدة مسئولية يباس شجرة الحداثة وهرمها باعتبار ما تحمله هذه القوى من موروثات لربيع العصر"[2].

-هل كانت أوروبا قدوة صالحة فعلاً؟ وتبلغ المفارقة حداً استثنائياً في الادعاء أنه "رغم أهمية "التعاطف العربي والإسلامي" مع الفتح العثماني في مرحلة تجدد الحروب الصليبية بعد سقوط القسطنطينية، فإن الأوروبيين أنفسهم قدموا النموذج الواجب اتباعه في هذا المجال حين رفضوا الاستمرار في تلك الحروب، ومنعوا تجددها، بعد أن انصرفت قواهم البورجوازية إلى إقامة دولها القومية على امتداد القارة الأوروبية، فتوحدت أراضيها وشعوبها في دول حديثة ذات توجه علماني واضح، وفصلت الدين عن الدولة، وأقامت حكم المؤسسات الدستورية، واعتمدت العقلانية والليبرالية والخدمات الاجتماعية واحترام الحقوق الأساسية للإنسان طريقاً للخروج من إيديولوجية القرون الوسطى الغيبية، إلى الحداثة والمعاصرة في مختلف المجالات. فمعركة الحداثة هي، في أحد وجوهها الأساسية، معركة الخروج من دائرة الشعارات الشعبوية الفلاحية التي جعلت من الجماهير الشعبية وقوداً للحروب الصليبية في القرون الوسطى، وقضت على الإنتاج والقوى المنتجة معاً لمصلحة الكنيسة والنبلاء. لذلك رفضت البورجوازية الأوروبية إعادة تجديد تلك الحروب لمصلحة الكنيسة والنبلاء. وعلى قاعدة غناها الاقتصادي وتطورها الاجتماعي والسياسي بعد الاكتشافات البحرية، عملت على إشعال حروب داخلية (فقط؟) باسم الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، انتهت بهزيمة التحالف القائم بين الكنيسة والنبلاء لمصلحة البورجوازية الأوروبية الصاعدة.

"لعل المقارنة العلمية المهمة في هذا المجال بين السلطنة العثمانية والدويلات الأوروبية في القرن السادس عشر هي التي عقدها المؤرخون الاجتماعيون وليس المؤرخون المؤدلجون (نلاحظ قذف المخالف بتهمة الأدلجة وكأن الماركسيين ليسوا مؤدلجين، نفس التهمة التي يقذفها الغرب الليبرالي اليوم على مخالفيه وكأن فكره الليبرالي ليس إيديولوجياً)، من الأسئلة الأساسية التي طرحها المؤرخون الاجتماعيون حول القرن السادس عشر، عصر التحولات الكبرى في تاريخ الإنسانية من أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية ، إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، السؤال المنهجي المهم: لماذا سارت القوى البورجوازية المفككة في أوروبا في القرن السادس عشر إلى الوحدة المجتمعية والمؤسساتية عبر دولها القومية في القرون اللاحقة، فاستطاعت تطوير إنتاجها وتحقيق ثورتها الصناعية والعقلانية التي تجسدت بدولة المؤسسات، في حين سارت السلطنة العثمانية على الطريق النقيض تماماً من الوحدة الشاملة والدولة المترامية الأطراف إلى التفكك والعزلة والانهيار الاقتصادي والعجز عن حماية ولاياتها وأراضيها وخلافتها فكان السقوط المدوي في الحرب العالمية الأولى بعد تحولها إلى "الرجل المريض غير القابل للشفاء""  (ص 34-35).

فهل نسي حضرة الدكتور أنه إذا كانت البورجوازية قد رفضت العمل تحت راية الكنيسة والنبلاء، وهذا طبيعي كونها طبقة جديدة تريد أن تحل محل الطبقة القديمة، فإنها لم تقتصر على شن الحرب الداخلية على منافسيها بل قامت بغزو العالم كله ودمرته بعد الاكتشافات التي أشار إليها ولكنه لم يشر إلى نتائجها بطريقة علمية مع كونه يصف القراءات المخالفة بالأدلجة، ولا أدري ماذا نسمي هذا الاختزال، وكيف يمكننا القفز على ما صنعته الدول الأوروبية القومية منذ البداية في أمريكا ثم إفريقيا ثم آسيا؟ وكيف نغفل عن حركات الإبادة الجماعية في أمريكا والاسترقاق العام في إفريقيا والاستعمار الذي نهب من الهند أكثر مما أنتجته الثورة الصناعية ونشر الأفيون في الصين وسلب خيرات إفريقيا؟ من الذي صنع كل هذا؟ هل هي الكنيسة أم الدول القومية الصاعدة؟ وكيف لا نرى في المشهد سوى المؤسسات الدستورية والعقلانية وحقوق الإنسان وهي كلها تمت لصالح الداخل الأوروبي وكانت بالنسبة لنا نحن في العالم الخارجي مجرد أوهام لأن مكاسب أوروبا كانت على حسابنا، والقفز على سلبيات قاتلة، كان لها الدور الكبير في صعود أوروبا وكنا نحن وقودها، هو الأدلجة بعينها وإلا فماذا تكون أصلاً؟

أوروبا لم تتحول إلى القتل والنهب والاستغلال في مرحلة متأخرة بل كان ذلك منذ بداية التنوير وبصورة موسعة عن الحروب الصليبية التي كانت محدودة جغرافياً حتى لقد بدت الصورة وكأن الكنيسة كانت تلجم الأطماع وتحصرها في القبر المقدس ومحيطه فلما جاءت العلمانية والتنوير والديمقراطية وحقوق الإنسان والليبرالية والحرية وسّعت هذه الأطماع وأعطتها أسساً أكثر رسوخاً من أساطير الكتاب المقدس ولهذا رأينا جيوش أوروبا الغربية تسيح في البلدان وتجوب العالم كله مكونة امبراطوريات استعمارية واسعة قاتلة سالبة ناهبة منذ بداية العصر الحديث بعقله وعلمه وأنواره وديمقراطيته وحريته وعلمانيته وإنسانيته وليبراليته قبل قرون طويلة من "اليوم" الإمبريالي المزعوم، وكتب التاريخ الغربية نفسها مليئة بالحديث عن عصر الإمبراطوريات الاستعمارية هذه، وكيف تعمى القراءة "العلمية" عن كل هذه الحوادث الكبرى التي شملت العالم كله ولم تغب الشمس عنها ثم تتهم غيرها بالأدلجة وتحتكر صفة العلمية؟

وكيف نقفز ونتجاهل الدور الحاسم الذي قام به الاستيلاء على موارد الآخرين في نهضة أوروبا وهو ما تحدث عنه نفس المؤرخين الغربيين؟ كيف نتجاهل دور الهجرات الأوروبية غير المقيدة إلى بلاد الآخرين، التي كانت تعد أراض خالية، والتي خففت العبء السكاني عن أوروبا وأتاحت لها فرصة تنفيس الاحتقان العددي داخلها وتصدير مشاكلها إلى البلاد الأخرى بأعداد وصلت عشرات الملايين في مدة قياسية بمعايير التحركات البشرية مما جعلها من الهجرات الكبرى في التاريخ؟ وهو ما ترفض أوروبا منحه اليوم لبقية الأمم وتضع قيوداً على الهجرات الواسعة من المناطق المأزومة، كيف يمكن القفز عما نتج عن تلك الهجرات الأوروبية من مآس بشرية للسكان الأصليين الذين أبيدوا بالملايين وما وفره الاستيلاء على مواردهم، لاسيما عمل أيديهم وأراضيهم الواسعة في الأمريكتين وأستراليا ومعادنها الثمينة، من شروط لازمة لتطبيق مفثل الغرب ومبادئه الديمقراطية على البيض وحدهم؟ كيف يمكن تجاهل الدور الرئيس الذي قامت به تجارة الرقيق الأفارقة وعملهم في المزارع الأمريكية في تحقيق بناء الأمة الجديدة التي سادت العالم فيما بعد؟ كيف يمكن نسيان الموارد التي نهبها الاستعمار الأوروبي والدور الذي قامت به في تحقيق التراكم الذي بنيت عليه الثورة الصناعية والنهضة الغربية؟ كل هذا حدث منذ بداية النهضة والأنوار والعقل في أوروبا وليس في وقت متأخر كما تدعي الماركسية التقليدية وكان شرطاً ضرورياً لتحقيق تلك المثل التي لم تكن لتشمل كل الأوروبيين لولا هذه الفرص التي سارعت كل دول أوروبا لاقتناصها بما فيها الدول الصغيرة والحقيرة كبلجيكا وهولندا ثم يقال بعد كل هذا إن أوروبا أوقفت الحروب الخارجية والتفتت إلى داخلها لبنائه بتضحيات جمة؟ أليست هذه نظرة متحيزة ضد فكرة الدين بتحريف واقعها لصالح علمانية مثالية لا وجود لها إلا في الخيال؟ ألم نكن نحن هذه الأضحيات التي قدمت على مذبح النهوض الأوروبي؟ أليس في هذا الاختزال الواضح للتاريخ الأوروبي نفس العيب الذي أخذه الكاتب (ص33) على طرح الشعارات الإيديولوجية الكثيرة لإخفاء الأسئلة العلمية عمداً؟ ولماذا يحرم ذلك في الحالة العثمانية ويجب في الحالة الأوروبية؟

ثم ننتقل بعد ذلك للمزايدة على الأوروبيين أنفسهم، فليس المهم هو التعاطف العربي والإسلامي مع الدولة العثمانية (مواقف أمتنا لا أهمية لها فهي مجرد مواقف قاصرين لا يدركون حركة التاريخ وكأن هذه المواقف مجرد أحلام مراهقة لا واقع لها)، وليس المهم أيضاً مواقف منظري القيادات "الشعبوية" الأوروبية المتعاطفين مع الدولة العثمانية (نعم من غير المقبول أن يتنازل المتفوق حتى باعتراف لصالح المتخلف إذ عليه أن يحتكر التاريخ ومسيرته وفي حال تنازله عن هذا الاحتكار علينا نحن الأتباع أن نصحح فهمه ) فليس هذا التعاطف مقولة علمية قابلة للتحول إلى فهم تاريخي صحيح للتطور الاجتماعي، والقراءة الفلاحية لمبادئ الشريعة تحولت إلى نظم قمعية استبدادية تشبه استبداديات أوروبا، ولا تنتج وعودها الخلابة إلا الخيبة والمرارة للجماهير الشعبية.

الغريب في هذه اللغة أنها تجعل مسيرة أوروبا وحدها هي التي تتبع مسار قوانين التغير الاجتماعي "الواجب اتباعه" على الجميع، ويصبح علينا قراءة التاريخ من زاوية نجاح أوروبا، الذاتي، في الوصول إلى الليبرالية والعقلانية والعلمانية والحرية وحقوق الإنسان والمؤسسات والخدمات وفشل الدولة العثمانية رغم كل نجاحاتها وتفوقها الأولي من الوصول إلى نفس النتيجة وبذلك تتحول الإيجابيات إلى سلبيات وتصبح كل القراءات المخالفة في نظر هذه الرؤية مجرد أوهام غير علمية تؤدي إلى تراجعات وعراقيل سيتم تجاوزها في النهاية كما تجاوزتها أوروبا سابقاً وذلك عندما تتمكن قوى التغيير عندنا من صياغة مشروعها البديل على خطى من سبقها.

-الحتمية تنفي الأخطار المزعومة: ولكن إذا كان للتغير الاجتماعي قوانين سرت على أوروبا فهي قوانين عامة ستسري على الجميع، وهذا هو منطق هذا الحديث، وما دمنا خاضعين لسنة التقدم فسيسري علينا ما يسري أو سرى على غيرنا، وما دام هذا هو قانون التطور فلن يستطيع مجرد فهم "رجعي" أن يعرقل مسيرته، وهذا ما يتحدث به الدكتور عندما يقول إن التاريخ سحق الأوهام بتحولاته الكبرى، ولكن مشكلتنا أن تكون الدول الكبرى التي صنعت هذه التحولات هي التي تقف عقبات في وجه تطورنا وتحرف مسار تحولاتنا الخاصة وتجد من يمهد لها ويؤيد سياساتها ويتحفز من أخطار موهومة هي وسائل دفاع الأمة عن نفسها لا بسبب حنينها المثالي وأوهامها الخيالية بل لأنها رأت رأي العين أن ما أعقب انهيار "الاستبداد العثماني" لم يطابق ما أعقب انهيار الاستبداديات الأوروبية وذلك بسبب التدخل الغربي الحاسم بقوة السلاح في بلادنا وعدم رؤية هذا العامل ومحاولة عزو سياسات الأنظمة التي نصبها بعد القضاء على الدولة العثمانية إلى تراثنا، وتصوير تلك الأنظمة بصفتها استمراراً للخلافة هي الأوهام التي لا ترى الحقيقة الساطعة حيث هيمنة الاستعمار الديمقراطي التنويري الإنساني العقلاني، كما أن نسبة بؤس واقعنا الذي صنعه الغرب إلى ماضينا الذي لم يعد له وجود وسقط في النهاية كما يعترف الكاتب بذلك (ص 35)، وقام محله واقع مناقض ومغاير بفعل نفس القوى الكبرى التي أدت إلى سقوط الواقع السابق، هذه  التحيزات في الرؤية هي الأدلجة بعينها.

وهنا حاول السيد الجديد الإفادة من قوى وعلاقات الماضي التي استمرت لا بفعل القصور الذاتي بل لأن القوى الاستعمارية التنويرية المهيمنة كرست ما فيه صالحها من الماضي وحاولت استغلاله لدعم سيطرتها ونفوذها مما جعل كل ذلك محسوباً على ديمقراطية وحرية وإنسانية الهيمنة القائمة التي استسلم أصحابها للسيد الاستعماري استسلاماً مطلقاً ونفذوا أوامره بحرفية دقيقة فكان أن منح بعضهم التقدم والازدهار كما فعل في اليابان ولكنه قام بأدوار مغايرة في الأماكن الأخرى، فكان استغلاله قوى وعلاقات الماضي لصالح مشروع التقدم في اليابان لأسباب خاصة وحصرية واستغلاله قوى وعلاقات الماضي لصالح تكريس التخلف والتبعية في أماكن أخرى.

-الاعتقاد بأن المسار الأوروبي هو الواجب اتباعه، لغة عفا عليها الزمن بعدما ثبت أن قراءة الماركسية للتاريخ العالمي من زاوية الأحداث الأوروبية كانت محكومة بجهل ماركس وإنجلز وهو ما تجاوزه الماركسيون المحدثون أنفسهم، وعلى الفهم الحديث أن يقر بأن لكل أمة طريقها الخاص في التطور القائم غالباً على ظروفها الخاصة لا على استنساخ نماذج أجنبية لا تقبل باستيعاب الآخرين، ومن هنا يصبح للتراث مكانة تختلف عن وصفه بالخروج عن التاريخ أو بمجرد وصفة لا تؤدي إلا إلى خيبة الجماهير الشعبية.

-الاعتقاد بأن تطور أوروبا كان ذاتياً بعد قيامها بالتخلي عن الحروب الصليبية قراءة إيديولوجية بعيدة كل البعد عن الواقع وهي عودة للغة ماركسية قديمة، عن الدور الإيجابي للبورجوازية دون ملاحظة حقائق التاريخ.

-مازالت أسرار وصول أوروبا إلى نهضتها مبهمة ومحل خلاف وجدال حتى في الغرب نفسه[3]، فمن العبث بناء على ذلك اختصار وصفة النهضة في مسيرة بخطوات معدودة وكأنها كانت مدونة في دليل يدوي يتم الثناء على من سار فيها وانتقاص من لم يسر فيها بلغة مثالية ولكنها لا تمت إلى الواقع بصلة، فمن غير الواقعي أن نطالب العثماني باتباع خطوات لم يكن صاحبها نفسه يعلم ما ستؤدي إليه.

-الاعتقاد بأن الطريق الأوروبي "الواجب اتباعه" سيفضي إلى نفس النتائج التي تمت في أوروبا محكوم بالفشل لأن قيام النهضة الأوروبية تكلف الكثير من التبعات التي أرهقت العالم كله ولم يعد بالإمكان تكرار نموذج استقر على احتكار خمس البشرية أربعة أخماس الموارد، إذ كيف سيتهيأ لبقية الناس نفس المستوى من الموارد في حين لم يتبق لهم سوى خمسها؟

-الخطر على تطورنا ليس من أحلامنا ومحاولاتنا الصائبة والمخطئة بل من العرقلة الخارجية التي ينظر هذا النموذج إلى أصحابها بتقديس واقتداء، وإذا كانت التضحيات الدموية قد شابت الوصول إلى النموذج الأوروبي وفق هذا التحليل الذي يستخدم الماركسية للتمهيد للغرب وهي عودة للغة القديمة عن الدور الإيجابي للاستعمار ، فمن غير الإنصاف أن توصف تضحيات أمتنا وهي تدافع عن وجودها بأنها مجرد حروب عبثية لا مصلحة لجماهيرها فيها، فهذا يناقض فكرة المسارات التطورية المستقلة، في الوقت الذي كانت الدماء العبثية أضعاف ذلك في النماذج الأوروبية، والسوفييتية والصينية التي حاولت سبق أوروبا ثم تراجعت بتكاليف باهظة ومع ذلك تبرر بالمسار التاريخي "العلمي"، أما صمود أمتنا فهو الخارج عن التاريخ، فهذه لغة تبجيل للآخر وجلد للذات بطريقة غير متوازنة ولا تنطبق على حوادث التاريخ لاسيما في ظل الفشل الذريع لبعض هذه التجارب التي وصفت بالعلمية ثم لم توصم دماؤها بالعبث بعد فشلها الذي يفترض أن يوضع مع فشلنا وفشل الآخرين، وهو ما لم تقم به هذه القراءة مما يخرج التقويم التاريخي لهذه التجارب الفاشلة عن أي التزام بمعايير الإنسانية والحرية وحقوق الإنسان والمؤسسات التي هي الأهداف المعلنة، ويقصر الفشل علينا بتحيز غير علمي.

-إذا كانت أمم في القرن العشرين قد فشلت في الوصول إلى وصفة (الليبرالية...إلخ) رغم اتبعاها مسار التغيير الاجتماعي "العلمي" فمن غير الإنصاف مطالبة الدولة العثمانية بتحقيق ذلك قبل خمس قرون بل الادعاء أنها "تمنعت" عن ذلك (ص 40) وكأنها كانت بصدد عرض تجاري مغر ولكنها لم تنتهز فرصته، وكل هذا قولبة لأحداث التاريخ وقسر لها بطريقة غير واقعية، إذ متى حققت أي دولة أو حضارة في زمن أفولها الطبيعي بل المتأخر ما حققته أخرى في زمن صعودها؟ بل يمكننا السؤال الآن بعد السقوط المدوي للاتحاد السوفييتي وكتلته الاشتراكية: "لماذا سار الاتحاد السوفييتي الذي اتبع المسار التاريخي "العلمي" من الوحدة الشاملة والدولة المترامية الأطراف إلى التفكك والعزلة والانهيار الاقتصادي والعجز عن حماية توابعه وأراضيه فكان السقوط المدوي بعد سبعين عاماً فقط وفي حرب في بلد صغير مقارنة بمساحة الكتلة الاشتراكية كأفغانستان وليس في حرب عالمية بعد ستة قرون من الاستنزاف المعادي"؟؟؟

-التجاوز الاختزالي المخل عن كل إنجازات الدولة العثمانية وحقيقة وضعها التاريخي حيث كانت في حالة متقدمة عن محيطها العالمي سواء ما سبقها أو ما لحق بها[4] (ملكيات متوسطة وصغيرة لم تتسرب إليها الملكيات الكبيرة إلا في زمن التغريب المتأخر[5]، ووضع الفلاح كما سبق ذكره مقارنة بوضع المزارعين العبيد في أمريكا في نفس الفترة والذي مع ذلك حصل على ثناء مؤسسي الماركسية بصفته خطوة بورجوازية تحديثية وضرورية ممهدة للمجتمع الاشتراكي[6]، وهو وعد أممي لم يتحقق بل تحقق عكسه بانتصار البورجوازية على الاشتراكية)، وإن اختصار وضع الدولة العثمانية باستبداد مطلق في الحكم وخيبة ومرارة للمحكوم، مزايدة على أوروبا نفسها التي اعترف الكاتب بموقف بعض قياداتها المعجبة بالدولة العثمانية وهو موقف يسجل المؤرخ الروسي استمراراً له ثم يراد تخطئة كل ذلك باسم العلم.

-ماذا جنينا من السير في طرق الآخرين غير تعبيدها لهم؟ إذا كانت "التحولات الكبرى في تاريخ الإنسانية" لم تنشأ في بلادنا (ولا في بلاد غيرنا من الأمم غير الغربية)، فإنها قد طالتنا وأصبحنا جزءاً منها بالهيمنة الأوروبية علينا، والسؤال الذي يوجه لأصحاب النظرة التبجيلية للغرب: ماذا جنينا من هذه "التحولات الإنسانية الكبرى" وما هو مكاننا فيها ومكان غيرنا من الأمم التي حكمها الغرب؟ إن إغفال الآثار السلبية للتغريب وسياسات الاستعمار والإبادات الجماعية التي مهدت للصعود الغربي وكانت ضرورية له لا يؤدي إلى المصادقة على النظرة التبجيلية الاختزالية لتاريخ أوروبا.

-المشكلة في التبجيل المثالي: وبهذا نرى أن المشكلة مع هذه القراءة ليست في قولها بالتطور الاجتماعي بل في جعلها الحل بنظرتها التبجيلية والمثالية وغير الواقعية إلى أوروبا وهي أصلاً نموذج غير قابل للتكرار، وبقراءتها القديمة التي تريد قولبة العالم كله وفق المسار الأوروبي مع انتقاص المسارات الأخرى التي يجب أن توضع في سياقها وفق ظروفها لا أن تقاس مدحاً وذماً وقبولاً أو رفضاً وفق شبهها بنموذج غير مستعد لاحتوائها أصلاً وهو العائق في سبيل تطور غيره وليس هو العامل المساعد في ذلك، والمهم أن كل ما سبق مقولة تجاوزها نفس أصحابها ورغم كل ذلك تحتفي هذه القراءة بنفسها محتكرة صفة العلمية وموزعة صفات سلبية على كل ما عداها بفوقية غير مبررة.



[1] -د. جيرمي سولت، ص 205-206.

[2] -حسن الضيقة، دولة محمد علي والغرب: الاستحواذ والاستقلال، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 2002، ص 285.

[3] --د. جورج قرم ، تاريخ أوروبا وبناء اسطورة الغرب، دار الفارابي، بيروت، 2011 ، ترجمة: د. رلى ذبيان، ص 16 و 180.

-إريك وولف، أوروبا ومن لا تاريخ لهم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،2004 ، ترجمة: فاضل جتكر، ص 380.

-زاكري كارابل، أهل الكتاب: التاريخ المنسي لعلاقة الإسلام بالغرب، دار الكتاب العربي، بيروت، ترجمة: د. أحمد إيبش، ص 239.

[4] -هاملتون جب وهارولد بوون، ص 6 و 11  و 18 .

-الدكتور محمد أنيس، ص 146.

[5] -محمد شعبان صوان، ص 60.

[6] -د. عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 2006، ص 242-243 (الماركسية والاستعمار والعنصرية).

-الدكتور عبد الوهاب المسيري، الماركسية والتمركز حول الذات الغربية، مقال على موقع الجزيرة نت، 29/12/2004، وموقع الدكتور عبد الوهاب المسيري أيضاً.