المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني (4) 


محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

 -هل كلف الحكم العثماني شعوبه ثمناً باهظاً؟ ولهذا ليس من الصحيح الزعم بأن الفلاحين دفعوا ثمناً باهظاً من دمائهم ونتاجهم للارتباط بالسلطة المركزية الصارمة في الدولة العثمانية، وكذلك ليس صحيحاً الزعم بأن الدولة العثمانية استنزفت في مرحلة القوة طاقات الفلاحين والقوى المنتجة بالحروب المستمرة، لأنه لولا التدخل العثماني ودفاعه عن بلادنا ضد العدوان الأوروبي لعرفت بلادنا الاستنزاف الحقيقي الذي لاقاه سكان الأندلس وسكان أمريكا الأصليون على أيدي الإسبان والبرتغاليين أنفسهم الذين كانوا يحدقون ببلادنا التي كان ينتظرها مصير الآخرين لولا العثمانيين، ومن الإجحاف القفز على هذه الحقيقة الساطعة والادعاء بأن حروب العثمانيين كانت استنزافاً، فالمنطقة يحدق بها الذئاب الأوروبية من جميع جهاتها، وفي ذلك يقول المؤرخ العربي زين زين : "يصح القول بأن الحكم العثماني حمى الأقطار العربية والإسلام من التعدي الخارجي قرابة أربع مائة سنة" ،  ثم ندعي أن العثمانيين هم الذين استنزفوها، في الوقت الذي كانت فيه التهمة الشائعة أن الدولة العثمانية لم تسمح للعرب بحمل السلاح والخدمة العسكرية تحت لوائها ، وهي أيضاً تهمة غير صحيحة، ولكن من من هؤلاء المتهِمين نصدق؟ إذا لم تجندنا الدولة قالوا إنها عزلتنا وأهملتنا وإذا تبين أنها جندتنا قالوا إنها استغلتنا وعطلت قوانا! فهل الهدف هو تشويه صورة ذلك العهد بأي ثمن ومهما كانت الاتهامات متناقضة وغير واقعية؟

يقول زاكري كارابل إن قدوم العثمانيين في القرن الخامس عشر أدى إلى إضفاء الحيوية على العالم الإسلامي ، أما البلاد الأخرى المفتوحة فإن توقها للحكم العثماني كما سيأتي أبلغ رد على من ادعى استنزافها ، وعن فرية الظلم عموماً وظلم الفلاحين خاصة فإن كتب المؤرخين تعج بما يدحضها، ففي حديثه عن خصائص الحكم العثماني في العصر الأول (من الفتح في القرن 16 إلى القرن 19) في البلاد العربية يقول الدكتور محمد أنيس إن " نظام الحكم العثماني في الشرق الأوسط بصفة عامة كان عملياً للغاية ولم يكن ظالماً أو عنيفاً... وكانت القاعدة أن كل إيالة تعيش على دخلها الخاص وتدفع إلى خزانة الدولة قدراً معقولاً جداً من الجزية ولذلك لم يكن التشريع الضرائبي العثماني مرهقاً لرعايا الدولة. فالسلاطين العثمانيون أدركوا أن الضرائب البسيطة وأساليب الإدارة البسيطة في صالح كل من الحكام والمحكومين "، وعند حديثه عن المساوئ التي ارتكبها الحكم العثماني كالنزاع بين الأحزاب وتعدي الهيئات المحلية على الحكومة المركزية قال مستدركاً: "ولكن رغم هذا فإن الإدارة العثمانية المالية كانت أمينة إلى حد معقول، كما أن الفلاحين لم يعانوا ما عانوه من حكم دول قبل وبعد العثمانيين "، وعند حديثه عن بقية المساوئ كالمحسوبية والرشوة وبيع الوظائف قال إن مجتمعات الشرق الأدنى كانت على شفا الانهيار قبل دخول العثمانيين مباشرة " إلا أن دخول العثمانيين أخّر هذا الانهيار، فقد سار العثمانيون على نظام ضرائبي مخفف فأنقذوا الفلاحين والتجار وبسطوا حالة من الأمن والاستقرار تمتع بها الشرق الأدنى حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر " ، ويقول برنارد لويس إنه في البلاد العربية "جلب الحكم العثماني السلام والأمن بعد الكابوس العنيف للحكم المملوكي الأخير" .
ويذهب المؤرخ السوفييتي صاحب الكتاب الأصلي محل هذا المقال نيقولاي إيفانوف إلى ما هو أبعد من ذلك بالقول إن سمعة العثمانيين كانت "في الأوج عند مطالع القرن السادس عشر، ففي الشرق كما في الغرب على حد سواء ازداد الإعجاب بالعثمانيين ولاسيما في الأوساط الشعبية المضطَهَدة والمستغَلة"، وينقل عن المؤرخ الروسي كريمسكي من بداية القرن العشرين قوله إنه في البلقان والمجر وأوروبا الغربية وروسيا "برزت مجموعات كبيرة من الناس، كانت بأفكارها ومشاعرها، وبدرجات متفاوتة، لا تخاف غزوات العثمانيين وفتوحاتهم بل تدعو إليها صراحة"، وأما في العالم العربي "فقد وقف الفلاحون إلى جانب العثمانيين"، ومع أن هذا التعاطف الشعبي استند إلى المبالغة في تصور الكمال لدى المجتمع العثماني فإنه "في الواقع، لم تكن النظم العثمانية الاجتماعية الطوباوية (أي المثالية) مجرد سفسطة كلامية، بل كانت أساساً للعمل"، وعلى أساس الشعارات العثمانية التي تمكنت "وبقدرة سحرية من استقطاب مشاعر الفلاحين وجماهير سكان المدن...بنيت على قاعدتها النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للباب العالي بخاصة قراءة فلاحية فريدة من نوعها للمبادئ الأساسية للإسلام وأفكاره عن المساواة، والأخوة بين الجميع، والعدالة الاجتماعية، والوفاق، والعمل كمصدر وحيد لتلبية الحاجات المادية للإنسان، وإدانة مظاهر الترف والإثراء، وضرورة التواضع في العيش والابتعاد عن الإسراف، وتحاشي استغلال الإنسان للإنسان"، ويؤرخ ذلك إلى مطلع القرن السابع عشر بل يذهب باستمرار الشعور بالإيجابيات إلى القرن التاسع عشر وهو أبعد من تواريخ نهاية الأوهام التي وضعها مقدم الكتاب، ويسهب إيفانوف في الإيجابيات التي طبقها العثمانيون "بعد انتصارهم" حين تحولت مثلهم إلى ثورة اجتماعية طالت العرب والفلاحين بما يظهر التناقض بين طرحي المؤلف والمقدم  .
ويؤيد كلام برنارد لويس ما قاله إيفانوف ويتحدث عن الهجرة بصفتها اقتراعاً بالأقدام وكانت وجهتها الدولة العثمانية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، أي من الغرب إلى الشرق وليس العكس الذي يحدث في أيامنا، ولم يكن اللاجئون المسلمون واليهود هم وحدهم المستفيدين، بل استفاد المسيحيون من أصحاب الانشقاقات الدينية والسياسية، ولم يكن كل أولئك أيضاً هم المستفيدين الوحيدين من الحكم العثماني "إذ أن الفلاحين في المناطق التي غزيت قد تمتعوا، بدورهم، بتحسن كبير في أوضاعهم، فقد جلبت الحكومة الامبراطورية العثمانية الوحدة والأمن مكان الصراع والفوضى، كما ترتبت على الغزو نتائج اجتماعية واقتصادية هامة"،  ويقول إن الإمبراطورية العثمانية كانت ذات سحر قوي إضافة إلى كونها عدواً خطراً "فقد كان المستاءون والطموحون ينجذبون إليها بالفرص التي تتاح إليهم في ظل التسامح العثماني، وكان الفلاحون المسحوقون (في أوروبا) يتطلعون بأمل إلى أعداء أسيادهم" وحتى القرن التاسع عشر"كان الأوروبيون الذين يزورون البلقان يعلقون على أوضاع فلاحي البلقان الحسنة وعلى رضاهم عن هذه الأوضاع، وكانوا يجدونها أفضل من الأوضاع السائدة في بعض أنحاء أوروبا المسيحية، وكان الفرق أوضح بكثير في القرنين الخامس عشر والسادس عشر"...ويقارن بين الحكم العثماني والحكم الأوروبي بقوله: "وعندما انتهى الحكم العثماني في أوروبا، كانت الأمم المسيحية التي حكمها العثمانيون عدة قرون لا تزال هناك، بلغاتها وثقافاتها ودياناتها وحتى إلى حد ما بمؤسساتها، كل هذه الأمور بقيت سليمة وجاهزة لاستئناف وجودها الوطني المستقل، أما إسبانيا وصقلية فليس فيهما مسلمون أو ناطقون باللغة العربية" ، ويستنتج كواترت من تتبع الحالة الاقتصادية في البلقان عشية انفصال بلاده عن الدولة العثمانية وتردي أحوال هذه البلاد بعد انفصالها، أننا لا نستطيع أن نعزي ظهور الحركات الانفصالية في البلقان إلى تردي أحواله الاقتصادية في ظل العثمانيين .
ويؤكد أندري كلو ما سبق بالقول إن "دهاء العثمانيين كان يتمثل في حكمهم الناس بالعدل والاعتدال"، وإن أقنان أوروبا لم يكونوا يخفون أحياناً ترحيبهم برايات النبي (عليه الصلاة والسلام)، لأن "حال الفلاح في الإمبراطورية العثمانية أحسن من حال سكان الأرياف في أوروبا، ويشهد على ذلك أولئك الغلاظ الشداد في بلاد النصارى الذين يهربون إلى دار الإسلام بعد إحراق الدور والضيعات ، انتقاماً من ظلم سيدهم، وتشهد على ذلك حفاوة الأهالي عند اقتراب جند السلطان"، وفي المجر كان القرويون في بؤس شديد دفع كثيراً منهم لانتظار الأتراك وعدهم محررين، وإن الاحتلال التركي يسّر على السكان في البلقان وبلغاريا ما كانوا يلاقونه من جبروت الإقطاعيين البلغار والصرب وظلم الهيئات الدينية ، وفي تقديمه لكتاب كلو عن السلطان سليمان القانوني يقول الأستاذ البشير بن سلامة إن السلطنة العثمانية اشتهرت بالنزوع إلى العدل وكان شعار السلاطين هو:"لا دولة بدون جيش، ولا جيش بدون مال، ولا مال بدون رعايا راضين، ولا رعايا بدون عدل، إذ بدون عدل لا وجود للدولة" فكان العدل قضية عملية محورية ترتبط بسيادة الدولة  وليست مجرد شعار نظري.
ويؤكد بيري أندرسون أن الدولة العثمانية لم تحاول فرض الإسلام على المسيحيين في البلقان، وأن الفلاحين البلقانيين "وجدوا أنفسهم فجأة وقد تحرروا من الخضوع المهين والاستغلال الأرستقراطي في ظل حكامهم المسيحيين، وانتقلوا إلى وضع اجتماعي كان في معظم النواحي أكثر راحة وحرية منه في أي مكان في أوروبا الشرقية آنذاك"، وأن الحكم العثماني قضى على طبقة النبلاء المحلية وأزال لعنة الحروب الأرستقراطية المتواصلة في الريف .
ويقول المؤرخ العربي الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى إن الحكم العثماني كان أحسن من سابقه (البيزنطي) بالنسبة إلى اليونانيين، وإن العثمانيين كانوا أفضل من الطغاة البيزنطيين "إذ أنهم بوجه عام كانوا جادين وأمناء ومستقيمين، في الوقت الذي كانت فيه حيويتهم في معالجة شئون الدولة أعجوبة العالم، فالحكومة العثمانية كانت قوية ومستقيمة، كما كانت سياستها المالية، من حيث جباية الضرائب، معقولة في الوقت الذي ساد فيه الأمن والنظام، بالإضافة إلى أن القانون الإسلامي كان يطبق بدون تحيز إلى حد كبير، ومن المسلّم به أن الإمبراطورية العثمانية كانت طيلة القرن الذي تلا سقوط القسطنطينية تحظى بحكم أفضل مما كانت ترزح تحته معظم أوروبا المسيحية، كما أنها كانت أكثر من أوروبا رخاء، على حين أن رعاياها –مسلمين ومسيحيين- كانوا يتمتعون بقسط من الحرية الشخصية ومن نتاج كدهم يفوق ذلك الذي كان ينعم به رعايا الدول الغربية، والفضل في ذلك يرجع إلى حد ما إلى كون الأغلبية العظمى من موظفي الدولة من أصل مسيحي" ، ويقول أيضاً إن شعوب الدولة العثمانية كانت حتى القرن السادس عشر أسعد حالاً مما كانت عليه قبل الحكم العثماني "فكانت تتمتع بقسط أوفر من الأمن والعدالة وبنظام ضريبي أخف وطأة...فقد تمتع أهل الذمة في ظل الدولة العثمانية بحرياتهم الدينية واعترف محمد الفاتح للمسيحيين واليهود والأرمن بتشكيل طوائف دينية لا تتدخل الدولة في شئونها تعرف باسم الملل...ولكل منها حق استعمال لغتها الخاصة وإنشاء معاهدها الدينية والتعليمية، وتحصيل الضرائب وتسليمها للخزانة المركزية وعقد المحاكم الخاصة إلا فيما يتعلق بالجرائم الكبرى وأمن الدولة، فإلى جانب المسلمين كانت الدولة تشتمل على يونانيين أرثوذكس وأرمن جريجوريين ويهود-وجميعهم كانوا يعيشون حياة آمنة في نطاق الإمبراطورية العثمانية بالصورة التي أثارت دهشة الأجانب" وبعد الحديث عن بعض القيود التي فرضت على أهل الذمة استدرك بالقول إنهم "كانوا أسعد حالاً من الأقليات الدينية في غربي أوروبا..ومما يدل على تسامح العثمانيين هجرة كثير من اليهود السفارديم من إسبانيا والبرتغال إلى داخل الإمبراطورية العثمانية (كان عدد اليهود في حيهم بالآستانة سنة 1590 بعد قرن من بدء الهجرة من الأندلس حوالي عشرين ألفاً وفقاً لبروكلمان)...كما هاجر كثير من الفلاحين من ألمانيا والنمسا والمجر إلى داخل الدولة لأسباب اقتصادية أكثر منها سياسية" وعندما كانوا يتعرضون لظلم أو قسوة غير قانونيين فقد كان ذلك بسبب فترات الفوضى والفساد نتيجة ضعف الدولة وليس نتيجة نظم منهجية أقرها العثمانيون .
  -زين نور الدين زين، ص 22.
  - كما ينقل المؤرخ زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية، 1986، ص 26.
  -زاكري كارابل، ص 217.
  -الدكتور محمد أنيس، ص 144-148.
-هاملتون جب وهارولد بوون، ج 2 ص 17-1.
  -Bernard Lewis, p. 118.
   -أندري كلو، سليمان القانوني: مثل من التمازج بين الهوية والحداثة، دار الجيل، بيروت، 1991، ترجمة: البشير بن سلامه، ص 377.
  -نيقولاي إيفانوف، ص 61-68 و 309-331.
  -شاخت وبوزورث، تراث الإسلام، سلسلة عالم المعرفة (8)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أغسطس/ آب 1978، القسم الأول، ترجمة: الدكتور محمد زهير السمهوري، ص 286-288 (برنارد لويس، الفصل الرابع: السياسة والحرب).
  -دونالد كواترت، ص 142.
  -أندري كلو، ص 39 و 44 و 105 و 349- 351.
  -نفس المرجع، ص 11 و 338.
  -بيري أندرسون، دولة الشرق الاستبدادية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1983، ترجمة: بديع عمر نظمي، ص 19-21.
  -أحمد عبد الرحيم مصطفى، ص 68-69.
  -نفس المرجع، ص 130-131.