المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني (2) 


 محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

 -هدف المناقشة: بالطبع كان من الممكن إهمال كل تلك الأفكار لاسيما بعدما قامت "التحولات الكبرى في تاريخ البشرية" "بسحق" التجربة السوفييتية التي أسبغت على نفسها صفة "العلمية" ونظرت بفوقية إلى ما عداها، وكانت التحولات التي طرأت بعد مدة وجيزة من كتابة هذا الكتاب ومقدمته قد جعلت الحنين لهذه التجربة مجرد ضرب من "الأوهام"، تماماً كما وصفت التجربة العثمانية في هذا النقد "العلمي" الذي يتبين أنه مجرد إيديولوجيا خيالية وليست واقعاً حتمياً، بل إنه لم يعد هناك من يحلم بهذا "العلم" المزعوم، ولكن الرد على هذا الطرح يبين كيف كان، حتى في وقته، تجاوزاً على الحقائق العلمية المعروفة آنذاك في الوقت الذي يزعم أنه امتلك ناصية القوانين العلمية النهائية، ولكن استمر البحث في الأمر إلى اليوم ومازال البحث يكشف زيف التعميمات الغربية والماركسية التي سادت دهراً طويلاً، وذلك كي تتعلم الأجيال ألا تنبهر بأي طرح يأتي من هنا وهناك حتى لو تسربل بصفات العلمية ما لم يكن مصاحباً بالدليل الموثوق بلا انبهار.

-الحكم العثماني: إن من المبالغات التي تقوم عليها هذه الرؤية تصوير سلطة السلطان العثماني أولاً ثم الولاة تالياً فنجد الحديث عن الجموح في الاستبداد المطلق وسريان الإرادة السلطانية بصفتها قانوناً لا مرد له ولا مرجعية إلا هواه ومصالحه الذاتية وعن ملكيته العليا للأرض وتحكمه الاستبدادي بقوى الإنتاج وعلاقاته مما أدى إلى زوال أي حلم بالعدالة والمساواة والتخفيف من الضرائب ومن التحكم بحرية الفلاحين، فكل تلك الأحلام مجرد إيديولوجيا ساهمت في التمهيد للهيمنة العثمانية التي دفعت الجماهير ثمناً باهظاً للارتباط بها نتيجة الحروب المستمرة في الخارج زمن القوة، ثم في الداخل زمن الضعف وكان إنجازها هو تغيير السلطات المملوكية والصفوية والبيزنطية السابقة وإحلال سلطة طبقية بديلة طورت أساليب القمع والنهب، كل ذلك يذكر تحت عنوان الطرح العلمي ووصم الرؤى المخالفة بشتى صفات الانفعال والأدلجة والأوهام، ولكننا نجد كلاماً آخر في كتب التاريخ حيث يقول الدكتور محمد أنيس إنه عند مقارنة الضرائب المملوكية والإيرانية بالضرائب العثمانية نجد أن الضرائب العثمانية كانت " أخف وطأة " لسبب واضح هو قلـة الحــروب في الشرق الأدنــى بعدمــا حكمـــت الدولة العثمانية المنطقة بأسرها ، وهو ما تحدث عنه جب وبوون قبل ذلك أيضاً ، ويؤكده مؤرخون آخرون بالحديث عن "السلام العثماني"  "الطويل" .
وفي الوقت الذي يتهكمون فيه على الأعمال والمؤلفات الموسوعية الموثقة (ككتاب الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي الشهير : الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها) يستندون في رؤاهم على أعمال قديمة إما عفى الزمن على آرائها التي تغيرت بعد فتح الوثائق والسجلات التاريخية التي دفعت المعادين للدولة العثمانية إلى تغيير وجهات نظرهم كما يعترف بعض المستشرقين كجب وبوون  وبعض الأكاديميين العرب المعاصرين  ومع هذا نستمر نحن في جلد ذواتنا استناداً إلى تعميمات قديمة، أو بانتقاء ما يناسب الرؤية الإيديولوجية وطرح ما يخالفها، ولعل تناقض استشهاد المؤلف والمقدم بمرجع واحد هو ساطع الحصري ينبئ عن اختلاف أطروحتيهما، فبينما يستشهد الدكتور مسعود بساطع الحصري في إدانة استخدام العثمانيين للدين في ثبيت سلطتهم (ص 28)، يستشهد به إيفانوف في تأكيد أن العرب لم يشعروا بالغربة من الحكم العثماني الذي عدوه استمراراً للخلافة الإسلامية (ص 315)، وسياقا الاستشهادين مختلفان تماماً، أحدهما سلبي، والآخر إيجابي.
-طوباوية استنكار الطبقية: التركيز على صفة الطبقية في النظم العثمانية وكأن المجتمع العثماني هو المجتمع الوحيد الذي انقسم إلى طبقات، وكأن التجارب الماركسية والليبرالية التي يمدحها الكاتب لم تعرف الطبقية رغم أنها تلت التجربة العثمانية ومع ذلك لم تتمكن من القضاء على الطبقية، والغريب أن التاريخ يحدثنا أن معظم شعوب الدولة العثمانية بما فيها غير المسلمين لاسيما الأرمن ويونانيو الأناضول فضلاً عن الشعوب المسلمة، فضلت الاستمرار في حظيرتها إلى لحظتها الأخيرة بعد ستة قرون، وفي هذا يقول المؤرخ دونالد كواترت المتخصص في التاريخ العثماني: "ليس من الصواب القول بأن التيارات القومية التركية والعربية والأرمنية والكردية، كانت وراء تضعضع الدولة العثمانية  وانهيارها بعد سنة 1914، صحيح أن بعض الأرمن كانوا يدعون إلى إنشاء وطن قومي للشعب الأرمني، لكن أغلبيتهم الساحقة استمرت في رغبتها في البقاء داخل الحظيرة العثمانية، ثم إن قلة قليلة من الأكراد كانت تدعو إلى الاستقلال الذاتي، ونستطيع القول أيضاً إن غالبية العرب كانت تود البقاء ضمن الكيان العثماني بالرغم من تعالي أصوات بعض القادة والمفكرين العرب بضرورة إلغاء المركزية ومنح الأقاليم شيئاً من الاستقلال الذاتي، على حين قام آخرون بالدعوة لإحياء الهوية الثقافية العربية، خلاصة القول إن معظم الرعايا العثمانيين في سنة 1914 لم يكونوا يطمحون إلى الانفصال عن الإمبراطورية بل ظلوا محافظين على هويتهم في إطار المجتمع العثماني" ، "ويبدو أن هناك شبه إجماع على أن معظم العرب لم يكونوا راضين عن النهاية التي آلت إليها الدولة العثمانية ولم يشاركوا طوعاً في القضاء عليها" ، ويقول المؤرخ نيكولاس دومانيس إن معظم اليونانيين والأرمن في الأناضول كانوا في وضع سيؤدي إلى خسارة كبرى لو تدهورت العلاقات الاجتماعية بين الطوائف، ولهذا لم يكن هؤلاء مرحبين بالأفكار القومية الانفصالية ، في حين أن الشعوب السوفييتية لم تطق الاستمرار في حظيرة الاتحاد السوفييتي أكثر من سبعين عاماً كما أن شعوب العالم الثالث بذلت الغالي والنفيس منذ لحظات الاستعمار الغربي الأولى للتخلص منه وأصبحت ذكريات الجلاء والاستقلال أعياداً قومية في كل العالم الثالث، ولكن كل هذا لا يهم القراءة الإيديولوجية ما دامت الطبقة البورجوازية لم تظهر في الدولة العثمانية.
   -الدكتور محمد أنيس، الدولة العثمانية والشرق العربي 1514-1914، مكتبة الأنجلو المصرية،القاهرة،1993، ص 145 .
  -هاملتون جب وهارولد بوون، المجتمع الإسلامي والغرب، دار المعارف بمصر، 1971، ترجمة: الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، ص 18.
 -إدهم إلدم ودانيال غوفمان وبروس ماسترز، المدينة العثمانية بين الشرق والغرب: حلب-إزمير-إسطنبول، مكتبة العبيكان، الرياض،2004، ترجمة: د. رلى ذبيان، ص 114.
   -أندري كلو، سليمان القانوني: مثل من التمازج بين الهوية والحداثة، دار الجيل، بيروت، 1991، ترجمة: البشير بن سلامه، ص 377.
  -د. جيرمي سولت، تفتيت الشرق الأوسط: تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب في العالم العربي، دار النفائس، دمشق، 2011، ترجمة: د. نبيل صبحي الطويل، ص 78.
  -هاملتون جب وهارولد بوون، ج 1 ص 30.
- زين نور الدين زين،نشوء القومية العربية: مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية،دار النهار للنشر،بيروت،1979،ص 20-21.
  - د. نللي حنا، ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية (ق 16 م – ق 18 م)، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2004، ترجمة: د. رءوف عباس، ص 14-16.
  -دونالد كواترت، الدولة العثمانية 1700-1922، مكتبة العبيكان، الرياض، 2004، ترجمة: أيمن أرمنازي، ص 333-334 و 341. 
  - Robert Aldrich (Ed), The Age of Empires, Thames & Hudson, London, 2007, p. 42.