المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني (14) 


محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

 -من أين أتى العجز؟ إن العجز عن التقدير الحقيقي للإمكانات في زمن الضعف الذي يمر بكل الكائنات والكيانات البشرية والمطالبة بالاستمرار في زمن القوة المنتهية يخرج بالبحث عن صفته العلمية، والحديث عن "العجز عن حماية الإنسان والأرض" أو عدم الحفاظ على الوحدة الحقيقية وكأنها عيوب اختارها العثمانيون لا يفي البحث حقه من سرد الحقائق، يمكننا أن نقول إن زعماء "النهضة" أدوا بشكل مباشر إلى ضعف بلادهم نتيجة الانفصال عن وحدة الكيان التي كانت بحاجة إلى تجديد لا إلى تمزيق يزيد الطين بلة، كما أن الانضواء تحت راية الأعداء جعلنا بشكل مباشر لعبة في أيديهم يتقاذفونها كما يحلو لمصالحهم وهذا ما حدث منذ اتفاقيات سايكس بيكو التي أبرمت في نفس الوقت الذي كنا نقاتل تحت رايات أوروبا ثم في مؤتمر الصلح في باريس ثم في سان ريمو حيث كنا كالأيتام على مائدة اللئام، هذا كله صحيح وتم بالاختيار حتى بعدما علمنا لما يدبر ضدنا عندما نشرت الثورة البلشفية فضائح الإمبرياليين فاخترنا الاستمرار معهم، ولكننا لا نستطيع أن نعيب الضعف على دولة عاشت أكثر من معظم الدول في التاريخ وكان من الطبيعي أن تصاب بسنة الانحلال والتدهور بعد قرون من القوة والسيادة وبعدما صمدت كما لم يصمد غيرها واستمرت تقاوم حتى لحظاتها الأخيرة ثم نأتي لنلقي على كاهلها عبء جرائم أعدائها ونبيض صفحتهم كالتالي.

-أوروبا الوردية في النظرة الإيديولوجية: تتابع القراءة الإيديولوجية القول بأنه "عندما سادت الإيديولوجيا الشعبوية في السلطنة العثمانية والدويلات الأوروبية معاً في القرن السادس عشر، وكانت أبرز شعاراتها الصليبية المتجددة باسم "حرب الهلال والصليب"، عرفت أوروبا كيف تضع حداً لتدخل الدين في السياسة، وتسلط الكنيسة الكاثوليكية على الجماهير الشعبية المسيحية في أوروبا التي خاضت معارك دامية، وتعرضت لمجازر دموية بين الطوائف المسيحية نفسها، فقامت البورجوازيات الأوروبية بثوراتها الوطنية والقومية ضد نمط الإنتاج الفيودالي [الإقطاعي] السابق. وخاض المفكرون الأوروبيون معارك نظرية عنيفة ضد الجمود والتحجر والشعارات الشعبوية المسيحية التي كانت تبثها الكنيسة ورجال الدين والقوى الطبقية المسيطرة. ولم يكن خروج أوروبا إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، والحداثة، والمعاصرة، والعقلانية، والليبرالية، وحكم المؤسسات الدستورية وغيرها مسألة سهلة، بل تطلبت تضحيات كبيرة وصدامات دموية متلاحقة.
"أما في الأقطار العربية فما زال الحنين إلى الماضي العثماني وما قبل العثماني السمة البارزة في الفكر العربي المعاصر. وكأن ما تمنعت عن تحقيقه السلطنة العثمانية في أوج مجدها كانت قادرة على إنجازه في مرحلة تفسخها وانهيارها. وما انهيار الصيغة الشعبوية العثمانية إلا نتاج التطور التاريخي نفسه، وبفعل العوامل الداخلية والخارجية معاً. إذ لم تكن هناك مصلحة حقيقية للقوى العثمانية المسيطرة في تحقيق الشعارات الشعبوية التي نادت بها في مرحلة صعودها بل تحولت العثمانية، منذ البداية، إلى إيديولوجيا سلطوية تحاول تأييد ما هو قائم وقطع الطريق على التغيير الجذري. وقد ورثت الأنظمة العربية الراهنة هذه الإيديولوجية السلطوية المعادية للتغيير. وبالتالي، لن تستطيع الشعارات الشعبوية المتسربلة باسم الدين أن تنقذها من مصيرها الحتمي عندما تصبح قوى التغيير الجذري قادرة على صياغة مشروعها البديل. عندئذ يعاد النظر في الكتابة الإيديولوجية التي اتخذت من الشعبوية مرتكزاً للتضليل الجماهيري وإبقاء الواقع العربي في جموده وتحجره الراهن. فالمسألة الأساسية، في جوهرها، لا تكمن في الإجابة عن مصداقية شعارات "الشعبوية العثمانية" وتعاطف الجماهير الفلاحية معها وتوقها لتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية على أياديها، بل في الإجابة عن الطبيعة الطبقية للسلطنة العثمانية ومدى رغبة القوى السلطوية العثمانية أو بالأحرى مدى الفائدة التي يمكن أن تجنيها من تنفيذ الشعارات الشعبوية الإسلامية. أما الحنين إلى الماضي التليد، فلا يمكن أن يخفي الوجه الطبقي للقوى المسيطرة في الأقطار العربية مهما تسربلت بثياب الدين وحافظت على إسلام الدراويش والفرق الصوفية.
"اليوم، وفي مرحلة تحول الرأسمالية إلى أمبرياليات كبرى وفرعية يبدو الحنين إلى الإيديولوجيا الشعبوية، الدينية الفلاحية والحرفية، ضرباً من الأوهام التي سحقها التاريخ عبر تحولاته الكبرى. وما الشعبوية الدينية المعاصرة، والقراءة الفلاحية للمبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية، الماضية والمعاصرة على السواء، سوى طقوس متجددة للفرق الصوفية بأشكال حديثة، والتي لم تنقذ "الرجل المريض" العثماني، بل عبدت الطريق لغزو السلطنة وتوزيع ممتلكاتها. ولا يقل خطرها الراهن على الأقطار العربية عن مخاطر الشعبوية العثمانية التي ساهمت إلى حد بعيد، في انهيار السلطنة) ص 40-41.
ويلاحظ أن هذا العرض الوردي يتضمن اختزالاً واضحاً لتاريخ أوروبا، فهي لم توقف حروبها ضد الآخرين يوماً واحداً، بل نقلتها من الشرعية الدينية إلى شرعية العقل والعلم والعلمانية، فانفلت العقال وطال العدوان كل البشر بعدما كان محدوداً نسبياً، كما أن هذا العرض يحمل في طياته رؤية استنساخية تطالب من الآخرين أن يصلوا لنفس ما وصلت إليه أوروبا مع أن طرق التطور مختلفة ومتعددة ولا يمكن لأحد أن يتقمص طريق الآخر لاسيما في حضارة رفضت أن تضم الآخرين إلى جنتها، ومن عدم الإنصاف الحكم على التاريخ العثماني بالفشل كونه لم يصل إلى ما وصلت إليه أوروبا في زمن صعوده، أي قبل الأوروبيين أنفسهم، أو في زمنهم هم حينما كانوا في زمن صعودهم وكان العثمانيون في زمن ضعفهم وشمسهم آيلة للمغيب، هذه مقارنات غير تاريخية وتحكّم في غير موضعه لاسيما عندما تصور الدولة العثمانية بصورة من رفض السير في الطريق الذي اهتدت إليه أوروبا وكأن الأمر كان عرضاً تاريخياً رفضه البعض وسبق إليه آخرون والتاريخ لا يسير بهذه الصورة إذ سبق الحديث عن كون النهوض الأوروبي لغزاً ما زالت محاولات حله جارية إلى اليوم ومن التحكم تصوير الأمر وكأنه عرض على العثمانيين ورفضوه، ونجد التحكم والقولبة أيضاً في مدح التضحيات التي بذلتها أوروبا والصدامات الدموية التي دخلت فيها في سبيل الوصول إلى نهايتها السعيدة، وعدم منح بلادنا نفس الميزة وذلك لأن طريق التطور وفق هذه الرؤية طريق واحد من سار عليه فاز وحصل على البراءة والغفران لكل أفعاله وعنفه ودمائه حتى لو كان سفكها ليس كما يصور وإجراماً ضد أبرياء فالأمر مغفور ومبيض مادام في سبيل الجنة الموعودة، أو هذا ما يراد لنا أن نصدقه، أما من لم يسر فيه فليس له سوى الخيبة والمرارة ولا يمكن الاعتراف بأنه يسير في طريق مختلف سيؤدي إلى نهوض ما في يوم ما رغم كل الدلائل التي تشير إلى النمو والصعود والصمود.
ولا تسمح هذه النظرة الأحادية التي فشل المعسكر الذي تبناها وانهار في ليلة غير مقمرة، للضحايا الذين زعمت الدفاع عنهم، أن يرفضوا الاضطهاد الأوروبي الذي وقع عليهم، وصارت تصور رفضهم بحنينهم إلى هويتهم وطريقهم الخاص بأنه أحلام شعبوية لا تؤدي إلى نتيجة، وترفض رؤيته على حقيقته المقاومة للنهب والاستغلال والإبادة وكونه بحثاً عن طريق نجاة بعدما سدت الطرق في وجوههم، ومن الطبيعي أن يتخبط ابتداء ولكنه سيصل يوماً، وبكل فوقية يحكم عليه بأنه ليس طريقاً علمياً، فماذا أنتج الطريق العلمي لمن سلكه من قبل حين سقط معسكر كامل ادعى السبق فيما سبق؟
إن الحديث عن تمنع الدولة العثمانية عن تحقيق وعودها لأنه لم يكن من مصلحة القوى المسيطرة فيها أن تنجز وعودها حين تحولت تلك الوعود والشعارات الشعبوية "منذ البداية" إلى التسلط والجمود ، هو حديث لا ينطبق على الحقائق التاريخية التي يحاول الكاتب تجنب الإقرار بها وهو أن هذا التحول حدث وفق منظوره ومنظور الكتاب الذي يقدمه في نهاية القرن السادس عشر، بل إن المؤرخ إيفانوف يطيل عهد الإيجابيات أكثر من مقدم كتابه، فكيف يمكننا إهمال ثلاثة قرون مضت قبل هذا التحول؟ وما الذي كان مطبقاً فيها؟ إن المؤرخ السوفييتي إيفانوف يقر بوجود واقع إيجابي في تلك الفترة الممتدة ويقول إن التحول حدث بعدها، أما الدكتور العربي فيحاول الالتفاف على هذه الحقيقة ويريد إلغاءها بالقول إن التحول حدث منذ البداية ويتركنا في فراغ طيلة هذه القرون الثلاثة، وبالطبع لا يشير إلى أن هذه التحولات وقعت في كل الحضارات السابقة حتى التي يمتدحها ويغفل مساوئها، فمن الذي يستطيع أن ينكر التحولات التي جرت في الشيوعية بين الثورة والدولة؟ وكان هذا التحول سريعاً على يد نفس الجيل الذي رفع الشعارات الشعبية الثورية ثم حول دولة البروليتاريا إلى أقسى آلة قمع في التاريخ؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الغرب لم يف بأي وعد من وعوده الليبرالية والإنسانية والحضارية والتمدينية والديمقراطية والتحررية للشعوب الملونة التي يمن عليها وتحول الاستعمار من وعود الإعمار إلى واقع السلب والنهب والإبادة والدمار على أيدي نفس المفكرين والحكام المستنيرين الذين نادوا بالشعارات البراقة ابتداء؟ فإذا أردنا الحديث عن عدم الوفاء بالوعود يجب أن ندرج الجميع وإذا كان الأمر مجرد تطور طبيعي فيجب أن يطبق التسامح على الجميع، وهذا ما لم تف به هذه القراءة الأحادية.