المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني (12) 


محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

 -ميزان متقلب حسب الحاجة: ومن صفات هذه القراءة أنها تسيء وصف الحوادث والدوافع التي أدت إليها، وتتحيز في توزيع الصفات السلبية حسب الأهداف الإيديولوجية، فالفعل نفسه قد يكون سلبياً مرة ثم يصبح إيجابياً مرة أخرى حسب فاعله أو يمحى من الذاكرة التاريخية وكأنه لم يقع لكيلا يجرم فاعله، ومن ذلك الادعاء أن الدولة العثمانية تبنت شعار الجمود والتحجر دفاعاً عن المكتسبات الطبقية الهائلة التي حصلت عليها بعد الانتصارات الكبيرة التي حققتها في القرن السادس عشر وتحولت شعاراتها الشعبوية إلى إيديولوجيا سلطوية، فلم تستمر في حربها ضد الأوروبيين بل تحالفت تباعاً مع القوى الفاعلة في حروبها ضد قوى أخرى فدفعت السلطنة الثمن الباهظ على الدوام، ولو تحققت انتصارات فلمصلحة القوى الأوروبية الأخرى كما تؤكد الحرب ضد محمد علي باشا وحرب القرم وحروب البلقان التي كانت نماذج واضحة على تفكك الدولة وانهيارها الاقتصادي وارتمائها في أحضان القوى الغربية المتصارعة على النفوذ ولكنها متفقة على إضعاف السلطنة تمهيداً لإزالتها من الوجود.

-الضعف سنة طبيعية وليس من الطبيعي أن يحقق أحد في زمن ضعفه ما يحققه الآخرون زمن القوة: وهذه القراءة نموذج واضح على التحريفات المذكورة أعلاه، فلو سايرناها في أن الدولة العثمانية تبنت شعارات الجمود في القرن السادس عشر، فإن هذا تم بعد مرور قرنين من عمرها، وتحول "القوة إلى ضعف، والتعاطف إلى كره، والاستكانة إلى تمرد، والتسامح الديني إلى تعصب، والطائفية إلى مذهبية، والأفكار القومية إلى شوفينية عرقية، جاءت دعوة الطورانية والتتريك تتويجاً لها قبل سنوات من السقوط الأخير للسلطنة العثمانية: فالشعبوية تحمل في طياتها بذور انفجارها وموتها لأنها تضلل الجماهير وتخاطب الطاقة اللاواعية في شعورهم وأحاسيسهم" (ص 37)، ولو قبلنا التسليم بكل ما جاء هنا من مبالغات فإنها تمت بعد قرون من التدرج من القوة إلى الضعف وتحول الإيجابي إلى سلبي، ولم يكن ذلك لو قارناه بالنماذج التي يمتدحها الكاتب سوى تطور طبيعي كما تم في جميع مراحل التاريخ للدول العظمى الأخرى، فكل الكيانات عاشت ثم ماتت، هذا ليس أمراً معيباً إذ لم نر حتى اليوم الكيان الخالد إلى الأبد بل رأينا الدولة العثمانية من أطول الدول عمراً في التاريخ ولهذا من الإسفاف غير التاريخي ذم تراجعها ثم موتها، ومن ادعى أنه سيبقى إلى الأبد وسيرث الأرض ومن عليها كان أسرع موتاً من غيره هكذا كان التطور السريع للحكم السوفييتي في غضون سنوات قليلة وليس قروناً، من شعاراته الشعبوية إلى حقيقة طبقية نتيجة المكتسبات الهائلة التي حصلت عليها الطبقة المهيمنة في الاتحاد السوفييتي وكانت موقع تندر نتيجة المفارقة الكبرى بين شعاراتها الثورية وحقيقتها الثرية، فلماذا لا نعترف بعد الانهيار السوفييتي المدوي أن شعاراته الشعبوية الخيالية حملت بذور انفجارها وموتها لأنها ضللت الجماهير التي اعتنقتها في البداية بكل حماس بعدما خاطبت هذه الإيديولوجيا  الطاقة اللاواعية في شعورها وأحاسيسها مما جعل الجماهير تتخلى عنها بسرعة وحماس أشد بعدما عجزت هذه الإيديولوجية عن تقديم أي حل للجماهير الشعبية؟ هذا ما يستحق التعجب من سرعته الفائقة وليس الانهيار العثماني الطبيعي.
وينطبق نفس التطور على الغرب الذي تغيرت شعاراته عن الحرية والليبرالية والعلمانية والديمقراطية والإنسانية والمساواة والإخاء إلى واقع استعماري بغيض في نفس الوقت الذي رفعت فيه هذه الشعارات ولم يكن تطوراً لاحقاً مع ذلك يمتدحه الكاتب بكل الصفات الإيجابية مع ملاحظة متأخرة أن الغرب تحول "اليوم" إلى الإمبريالية، أي حان وقت موته ووراثته من جانب الإيديولوجية العلمية الماركسية التي فاجأت العالم بانهيارها السريع بدل وراثة العالم،  فالخلاصة أن تغير الحال من الثورة إلى الدولة ظاهرة طبيعية وفق هذه القراءة ولا يستدعي الأمر حشد كل هذا الهجوم على التاريخ العثماني وكأنه فريد في هذا الباب، ولعل الحديث هنا يكون أكثر صواباً لو أشرنا إلى سير الدولة في طريق الانحلال بعد أزمنة القوة ، وهذا أمر طبيعي لم تخرج عن سنته أي دولة، فكيف يمكن مطالبة الدولة العثمانية في زمن انحلالها بتحقيق ما حققته أوروبا في زمن صعودها؟ أليس في هذا قدر كبير من التجني غير التاريخي؟ هذا إذا غضضنا النظر عن الرد على القراءة الطبقية التي تحصر التاريخ في قالب ضيق لاسيما إذا طالعنا مصير الدول التي يزعمون أنها استندت وقامت على استيعاب هذه القراءة الطبقية وتبنت هذا الفهم للتاريخ وعملت على إنهاء الانقسام الطبقي بين البشر في زمن الإنسانية الموعود.
اما الأمثلة التي حشدها الكاتب لضعف وانهيار الدولة العثمانية فيلاحظ أنها كلها كانت في قرنها الأخير حين ضعفت بالفعل ولكن نتيجة عوامل طبيعية منحتها الاستمرار أكثر من دول كثيرة أخرى ومن الظلم أن نحاسبها بعد ذلك على أعراض كبر السن ولكونها لم تخلد إلى الأبد، وليس كتفكك الاتحاد السوفيتي ومنظومته الاشتراكية كلها في لمح بصر التاريخ، وليس من الغريب أن تلجأ للتحالفات حسب أهدافها، فالدولة العثمانية لم توقف الحروب ضد أوروبا في القرن السادس عشر وظلت تشن حروب الهجوم على الأعداء والدفاع عن مجالها الذي يعيش سلامها الطويل، وليس من الإنصاف إهمال عمليات الحصار المضروبة على فيينا في وسط أوروبا أو استمرار الحروب البحرية في المتوسط، كحرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا، والحروب في خليج البصرة والبحر الأحمر والمحيط الهندي والحروب المتتالية ضد روسيا، نعم أخطأت الدولة في بعض سياساتها وارتباطاتها في ذلك الزمن ولكن هذا لم يحولها إلى خاسر وحيد فضلاً عن الارتماء بين أحضان القوى الأوروبية بل كثيراً ما كانت هذه القوى تنال جزاءها عند إساءة التصرف وهذا الغدر الأوروبي هو ما يجب أن نعتبر به لا أن نكرر الخطيئة من موقع الضعف هذه المرة ونصطف في خندق التحولات الاستعمارية باسم العلم والتاريخ ثم نلصق صفة الارتماء بغيرنا، كمن رمتني بدائها وانسلت.
-التراجع العثماني بالمقارنة أفضل من تراجع الإمبراطوريات الكبرى: ولو طالعنا تواريخ الإمبراطوريات لوجدنا أنه حتى الكبرى منها كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وروسيا فضلاً عن الأقل حجماً كهولندا والسويد وبلجيكا لم تقاوم عوامل التراجع حتى ضمن أوضاع مؤاتية لم تواجه فيه تكتلات معادية مصممة على القضاء عليها بالعنف كما حدث مع الخلافة العثمانية، فرأينا مثلا أوسع امبراطوريات التاريخ وهي إمبراطورية بريطانيا التي لا تغيب عنها الشمس تتراجع نتيجة عوامل الضعف الداخلي لاسيما الاقتصادي في مواجهة الصعود الأمريكي الذي ضيق الخناق عليها بأساليب سياسية غالباً وليست عسكرية، مع تقديم الدعم الاقتصادي أحياناً كمشروع مارشال الذي غطى خسائر الحرب الكبرى الثانية، أي أنها تراجعت رغم توفر هذا الدعم الاقتصادي من الجبهة الغربية الواسعة وغياب المنافسة العسكرية وعدم شن الحرب عليها من كل الجهات المحيطة بها كما حدث مع العثمانيين لقرون طويلة ومع ذلك ظلوا صامدين زمناً استثنائياً، وكانت نهاية الإمبراطورية البريطانية في حرب محدودة هي حرب السويس 1956 التي لم تستطع الخروج منها منتصرة رغم تحالفها مع الإمبراطورية الفرنسية والكيان الصهيوني، وذلك نتيجة المنافسة السياسية وحدها من الأمريكيين والسوفييت دون التدخل العسكري، ثم أصبح اليوم مصير بريطانيا نفسه محل تساؤل مع ارتفاع أصوات الانفصال داخلها، كما وجدنا امبراطورية عظمى أخرى كالاتحاد السوفييتي تنهار بعد زمن وجيز من قيامها يقدر بعمر فرد واحد نتيجة الاستنزاف السياسي والاقتصادي والفكري الذي مارسه المعسكر المنافس دون الدخول في حروب كبيرة معها بعد الحرب الكبرى الثانية التي كانت فيها في جبهة واحدة مع الإمبرياليات الغربية، بل لقد كانت حرب أفغانستان وحدها كفيلة بدق آخر مسمار في نعش السوفييت، فأين كل هذا من الحروب الصليبية الكبرى التي شنت على العثمانيين ومع ذلك صمدوا قروناً في مواجهتها دون دعم إلا ما ندر ولم يكن حاسماً إلا في زمن محدود من عمرها وذلك ضمن المنافسات بين القوى الأوروبية؟
والسؤال الهام بعد ذلك هو لماذا تسليط الضوء الاستثنائي على ضعف الدولة العثمانية دون نماذج التاريخ المتوافرة في كل الدول العظمى؟ ولماذا يستنكر تراجع العثمانيين دون تراجع الدول الامبراطوريات الأخرى التي سارت على المنهج "العلمي" ؟
  -هاملتون جب وهارولد بوون، ص 16 هامش رقم 1.