المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني (11) 


محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

 -ملامة غير تاريخية للدولة العثمانية: السؤال المغلف بالاتهام للدولة العثمانية عن سبب حدوث "التحولات الكبرى في تاريخ الإنسانية من الإنتاج قبل الرأسمالي إلى الرأسمالية" في أوروبا التي وحدت مجتمعاتها المفككة وطورت إنتاجها وحققت ثورتها الصناعية وعقلانيتها التي تجسدت بدولة المؤسسات، ولماذا تفككت الدولة العثمانية في نفس الوقت بعد الوحدة الشاملة وانهار اقتصادها وعجزت عن حماية ولاياتها إلى "سقوطها المدوي"، مع محاولة قسر الإجابة على هذا "السؤال المنهجي المهم" بجواب إيديولوجي طبقي لا علاقة له بواقع الحال والجماهير الذي يدعي الحديث باسمها والحرص على مصالحها مع تجاوز مصدر الخطر الحقيقي عليها وتجاوز السنن الطبيعية في أعمار وبقاء الدول مما يجعل هذه القولبة التاريخية غير تاريخية:

1- فاللغز النهضوي الأوروبي لم يتم حله حتى اليوم، وهذا باعتراف المؤرخين الغربيين الذين ما زالوا يؤلفون الكتب والأبحاث المتزايدة باستمرار للإجابة عن السؤال العويص : لماذا نهض الغرب؟ ولهذا فمن الإجحاف تحميل العثمانيين وزر هذا السبق الأوروبي الذي كان نجاحه بعامل هام هو أنه سار بسلاسة دون تدخل من قوة عظمى حرفت مسار الدورات الاجتماعية لغير مصالح الأوروبيين، وليس من العدل بعد ذلك أن يتم جلد أية أمة كونها لم تسبق أوروبا أو تلحق بها في وقت قياسي لاسيما مع قيام أوروبا بعد نهوضها بعرقلة بقية الأمم، كما أنه ليس من العدل أن يتحمل أي بشر مسئولية مصادفة تاريخية لم يعرف صاحبها نفسه كيف حققها ولهذا فمن باب أولى ألا يعرف غيره كيف يتبع خطواتها وفشل كل المحاولات الاستنساخية على مدى قرون لتجربة ثبت فيما بعد أن تكرارها مستحيل، وإذا كانت أوروبا قد عرفت شيئاً فإنها عرفت كيف ترسخ أقدامها على حساب الآخرين وتستغل الفرصة التاريخية لنهبهم وسفك دمائهم تحت شعارات براقة من الحرية والليبرالية وحقوق الإنسان مما جعل الكثيرين يظنون أن هذا هو إنجاز حقيقي.
2- وصف "السقوط المدوي" ينطبق على دولة السوفييت المعاصرة التي سقطت أمام كاسحة الغرب بعد 70 سنة فقط من قيامها أكثر مما ينطبق على دولة العثمانيين التي عمرت أكثر من ستة قرون صامدة أمام شتى التحديات الغربية ولم تضعف إلا في قرنها الأخير وكان سقوطها بعد ذلك حدثاً طبيعياً وليس استثنائياً كالذي وقع للاتحاد السوفييتي الفتي وهو ما يعطي إشارة واضحة لطبيعة الخطر الآتي من الغرب وليس من دورات الاجتماع الداخلي في الأمم الأخرى.
3- ظاهرة التزامن بين صعود أوروبا وهبوط الدولة العثمانية طبيعية جداً وطالما شهد التاريخ مثلها في تزامن صعود حضارات وهبوط غيرها ولم يوجه اللوم يوماً لأحد في ذلك لأن هذه سنة التاريخ، شهد صعود الحضارة الإسلامية في زمن أفول الفرس والروم من قبل، وصعود روما في زمن أفول الإغريق الذين كانوا قد صعدوا في زمن هبوط مصر القديمة، وهبطت سومر في زمن صعود أكد التي هبطت في زمن صعود آشور التي هبطت في زمن صعود بابل....إلخ، فما المشكلة في هذه السنة التاريخية وهل سأل أحدهم، باستنكار طبعاً وليس باستفهام، لماذا هزم الفرس مصر القديمة أو لماذا هزم المسلمون الفرس أو لماذا هزم الاسكندر العالم القديم أو لماذا سقطت القسطنطينية؟ وهل استنكر أحدهم لماذا لم يظهر قانون حمورابي لدى الآشوريين قبله؟ ولماذا لم يظهر أفلاطون في مصر القديمة؟ ولماذا لم تصل اليونان إلى القانون الذي ابتدعته روما؟ وهل لام مؤرخ آشور القديمة إذ لم تبن كأهرام مصر، أو شنع مؤرخ على بابل إذ لم تنجب كفلاسفة الإغريق؟ فلماذا إذن يطلب من العثماني أن يخرج عن سنة الطبيعة ويصل إلى ما لم يصل إليه نفس الأوروبي إلا في وقت متأخر حين كان العثماني في زمن هرمه يجابه التحديات من كل الجهات وليس لديه فسحة من الوقت ليلتقط أنفاسه؟ 
4- وهل من إنصاف المؤرخ شطب كل إنجازات العثمانيين واختزالها في كونهم لم يحققوا وعودهم والزعم بأنهم خدعوا جماهيرهم؟ والقفز عن كل مساوئ الغرب ضد الآخرين والاقتصار في التقويم على ما حققه لنفسه وحصر الاستغلال بالعثمانيين والادعاء فوق كل هذا أن أوروبا هي التي وصلت بالبشرية إلى فردوسها؟ أليس هذا هو التقسيم المانوي للبشرية بين ملائكة وشياطين لتصب النتيجة في النهاية في سلة المركزية الأوروبية التي لا ترى إلا نفسها ولا تقدر إلا إنجازاتها ولا تخفي إلا عيوبها؟ وإذا كان العثمانيون لم يحققوا وعودهم فهل الغرب هو الذي حقق وعوده؟ ولمن؟ أم كان السوفييت هم الذين حققوا وعودهم؟ ومن الأولى بصفة خداع الشعوب وإطلاق الأحلام وعدم تحقيق الوعود: من استمر قائماً برضا شعوبه إلى اللحظة الأخيرة بعد ستة قرون أم الذين لم يستمروا برهة من الزمن بين شعوبهم (السوفييت) أو بين الآخرين (الاستعمار الغربي) ؟ من تغير بعد أجيال طويلة، وفقاً لطرح الكاتب، أمن تغيرت ممارساته عن وعوده على يد نفس الجيل؟
5- أما كون العثماني لم يحقق وعوده فهي مقولة لا تفرق، حسب منطقها، بين الخديعة المتعمدة والتطور الطبيعي، فوصف الشعارات العثمانية بكونها مجرد "ضجيج إعلامي شعبوي غير قابل للتحقيق"، لا يتفق مع واقع الحال ولا مع وصف المؤرخين للنظام العثماني، ولا يمكن أن تستمر كذبة إعلامية خيالية لمدة قرن يتمكن فيه العثمانيون من تحقيق انتصاراتهم السريعة باعتراف الكاتب، دون أن يكون هناك واقع لمسته الشعوب التي تتطلع إليهم لاسيما أن وسائل الإعلام لم تكن متطورة كاليوم بحيث يمكن خداع الناس دون واقع حقيقي، فإذا كان زمن الانتصارات العثمانية يمتد إلى فتح تونس (1574) فكيف يمكن الادعاء أن ثلاثة قرون مرت من عمر الدولة على خديعة لم تتحقق؟ فهذا أولاً يخالف اعترافات الكاتب بوجود القوة والتعاطف والاستكانة والتسامح ولا يمكننا أن نزعم أن استمرار ذلك لقرون بني على مجرد أوهام لم تتحقق فهذا يخالف حقائق التاريخ عن تقبل الشعوب للدولة العثمانية قبل وبعد هذا التاريخ، وينحو بتفسير الضعف بعد ذلك تفسيراً تعسفياً وكأن حدوثه أمر غير طبيعي طرأ مع الفشل في السير على هدى أوروبا مع أن الدولة العثمانية من أطول الدول عمراً في التاريخ وهذه ميزة لم تتفق لكثير غيرها وكان لا بد حسب سنة التاريخ أن تتراجع بعد ذلك فكيف نعترض على ضعفها بعد هذه المدة الطويلة وكأن عمرها الممتد جعلنا نستنكر هبوطها ونعتقد بضرورة خلودها؟ كما أن من التعسف إغفال دور التغريب الذي كان سبباً في نخر المجتمع العثماني بمحاولاته تقليد أوروبا وفقاً لكثير من المؤرخين ومنهم الكاتب نفسه الذي اعترف بأثر الطورانية والتتريك ولكنه لم يكن منطقياً بعزل ذلك عن الأثر الأوروبي مع أنها كانت دعوات متأثرة بالغرب وثورته الفرنسية على وجه الخصوص وهو الذي رعاها وغذاها ومن الإجحاف إلصاقها بتراث الأمة، وبهذا يتبين أن ما نجح في أوروبا فشل عندنا وهذا رد على منطق وجوب اتباع أوروبا، فالتحولات لم تكن ناتجة عن خداع بقدر تولدها عن سنة الضعف وفشل التقليد.
6- ماذا قال التاريخ عن موقف شعوب أوروبا من العثمانيين؟ ماذا قال عن موقف شعوبنا؟ وماذا قال عن موقف شعوب الدولة في نهاية عمرها؟ وماذا قال عن وضع الفلاحين فيها؟ وماذا قال عمن حولها في زمنها (العبودية في أمريكا مثلاً)؟ وماذا قال عن إنجازاتها؟ هل فعلاً لم تكن تمت لمصالح جماهيرها؟ وماذا قال عن الثورات التي نشبت ضدها؟ ومن الذي حركها؟ وما هو حال من انفصل عنها؟ ومن هي الامبراطوريات التي لم تستمر فعلاً: دولة العثمانيين ذات القرون الستة أم امبراطوريات السوفييت والاستعمار التي ثارت الشعوب عليها (رفضاً للتقدم والتنوير والعلم ؟) وأسقطتها في غضون فترة وجيزة؟ هل كل ذلك مجرد "ضجيج إعلامي لم يتحقق"؟ وأوروبا التي استعمرت وقتلت ونهبت واستعبدت ودمرت فهي التي أوقفت الحروب الصليبية والتفتت لبناء نفسها وحققت الليبرالية والحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والمؤسسات؟ فأين كل هذه الإنجازات على خريطة المستعمَرين وماذا كان نصيبهم منها قبل أن تتحول أوروبا "اليوم" إلى الإمبريالية؟
7- من الذي ضلل الجماهير؟ تضليل الجماهير بمخاطبة طاقاتهم غير الواعية واستخدامهم في معارك لا تمت لمصالحهم بصلة هو الذي مارسته الشيوعية التي افترضت مصالح الجماهير بمعزل عن رؤية أصحاب الشأن أنفسهم حتى أسقطت هذه الجماهير المنظومة الاشتراكية التي تعاملت بفوقية مع الناس وشخصت مصالحهم دون استشارتهم وكلفتهم ملايين الضحايا في فترة وجيزة ولم تعمر أكثر من عمر شخص واحد بعدما تصدت الشعوب السوفييتية في البداية للعالم كله للدفاع عن ثورتها البلشفية وافتدتها بالغالي والنفيس وتحمست حماساً منقطع النظير لتحقيق الوعود الاشتراكية والأحلام الشيوعية التي ما لبثت أن تحولت بعد برهة قصيرة إلى كابوس مريع، وكذلك مارس الغرب وأذنابه التضليل ودغدغة العواطف برفع شعارات براقة لم ينل منها الآخرون سوى الإبادة والنهب والسلب والاسترقاق والاستعمار ثم الاستغلال منذ اليوم الأول لنهضة أوروبا (وقد أشار إيفانوف إلى ذلك في بداية كتابه ص 43 الذي أدى إلى صداع الإيديولوجيين) وهي التي استخدمت أبناء المستعمرات في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل ثم أثارت حروب الوكالة بعدما كانت دولها تدخل الحروب بأنفسها، كل ذلك هو التضليل والاستغلال وليس ما فعلته الدولة العثمانية حين حمت بلادنا من الاحتلال الإسباني والبرتغالي ثم الأوروبي عموماً حيث تحملت الضربات من كل الجهات ووحدت بلاد المشرق في دولة عظمى تربعت على رأس العالم مدة طويلة وصنعت مجالاً اقتصادياً واسعاً كانت تجارته الداخلية لقرون أضخم من تجارته مع الخارج وهو متمتع بالاكتفاء الذاتي وظلت المشاريع الحيوية العملاقة كسكة الحجاز وسكة بغداد وسدود المياه تبنى فيه حتى أيامه الأخيرة وكان اختيار شعوبه البقاء فيه والاستمرار معه حتى لحظاته الأخيرة، ومازالت ذكرى هذه الدولة حية في أذهان الأجيال ويراها حتى غير المسلمين صيغة سحرية للتعايش في بلادنا ، ثم يقال إنها عجزت عن تطبيق شعاراتها أو إن كل هذا كان خارج مصالحنا؟
8- ما هو التضليل إن لم يكن جلد كل هذا التاريخ العثماني الذي عجزنا عن مجاراته بعد مغادرته إيانا وقصرت أوروبا عن تحقيقه أو تحقيق ما حققته لنفسها لنا عندما خلفته في السيطرة على بلادنا، ثم ننظر لتاريخها وكأنه المرحلة المهدوية في تاريخ البشر أو الفردوس الأرضي وهو ليس كذلك لأنه قائم على احتكار الموارد والمميزات ويسود فيه الظلم الذي يقصر معظم الموارد (80%) على أقلية من البشر (20%)، التضليل أن نزرع أوهام تقليد هذا النموذج المستحيل، التضليل أن نبيع أحلام الوفرة لغالبية البشر الذين لا يملكون سوى خمس موارد الأرض، التضليل أن نجلد تاريخنا الذي حقق لنا الكثير، وذلك بدلاً من وضع كل مرحلة تاريخية في إطار زمنها وعدم مطالبتها بحرق المراحل بشكل غير واقعي، فالغرب نفسه الذي نقلده لا ينظر بهذه الظلمة إلى تاريخه ولا يطلب إليه أن يحقق الإنجازات قبل أزمانها ولكننا نزايد عليه ونستخف بتضحيات أسلافنا ولا نضعها حتى في إطار تضحيات الغربيين أنفسهم التي نقبلها ونجلها ونقدسها بزعم أنها وحدها كانت في الطريق "العلمي" الصحيح رغم أن معظمها كان في سبيل دمارنا ثم نوهم أجيالنا بسراب غير قابل للتحقيق ونجمّل في أعين أبنائنا واقعاً هو مجرد حلم خيالي ليظلوا لاهثين خلف تحقيقه دون طائل.
  - فيليب فارج ويوسف كرباج، المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2013، ترجمة: بشير السباعي، ص 131-132.