المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

نظرات في القراءة الماركسية للتاريخ العثماني (10) 


محمد شعبان صوان

محمد شعبان صوان

 -الحتمية تنفي الأخطار المزعومة: ولكن إذا كان للتغير الاجتماعي قوانين سرت على أوروبا فهي قوانين عامة ستسري على الجميع، وهذا هو منطق هذا الحديث، وما دمنا خاضعين لسنة التقدم فسيسري علينا ما يسري أو سرى على غيرنا، وما دام هذا هو قانون التطور فلن يستطيع مجرد فهم "رجعي" أن يعرقل مسيرته، وهذا ما يتحدث به الدكتور عندما يقول إن التاريخ سحق الأوهام بتحولاته الكبرى، ولكن مشكلتنا أن تكون الدول الكبرى التي صنعت هذه التحولات هي التي تقف عقبات في وجه تطورنا وتحرف مسار تحولاتنا الخاصة وتجد من يمهد لها ويؤيد سياساتها ويتحفز من أخطار موهومة هي وسائل دفاع الأمة عن نفسها لا بسبب حنينها المثالي وأوهامها الخيالية بل لأنها رأت رأي العين أن ما أعقب انهيار "الاستبداد العثماني" لم يطابق ما أعقب انهيار الاستبداديات الأوروبية وذلك بسبب التدخل الغربي الحاسم بقوة السلاح في بلادنا وعدم رؤية هذا العامل ومحاولة عزو سياسات الأنظمة التي نصبها بعد القضاء على الدولة العثمانية إلى تراثنا، وتصوير تلك الأنظمة بصفتها استمراراً للخلافة هي الأوهام التي لا ترى الحقيقة الساطعة حيث هيمنة الاستعمار الديمقراطي التنويري الإنساني العقلاني، كما أن نسبة بؤس واقعنا الذي صنعه الغرب إلى ماضينا الذي لم يعد له وجود وسقط في النهاية كما يعترف الكاتب بذلك (ص 35)، وقام محله واقع مناقض ومغاير بفعل نفس القوى الكبرى التي أدت إلى سقوط الواقع السابق، هذه  التحيزات في الرؤية هي الأدلجة بعينها.

وهنا حاول السيد الجديد الإفادة من قوى وعلاقات الماضي التي استمرت لا بفعل القصور الذاتي بل لأن القوى الاستعمارية التنويرية المهيمنة كرست ما فيه صالحها من الماضي وحاولت استغلاله لدعم سيطرتها ونفوذها مما جعل كل ذلك محسوباً على ديمقراطية وحرية وإنسانية الهيمنة القائمة التي استسلم أصحابها للسيد الاستعماري استسلاماً مطلقاً ونفذوا أوامره بحرفية دقيقة فكان أن منح بعضهم التقدم والازدهار كما فعل في اليابان ولكنه قام بأدوار مغايرة في الأماكن الأخرى، فكان استغلاله قوى وعلاقات الماضي لصالح مشروع التقدم في اليابان لأسباب خاصة وحصرية واستغلاله قوى وعلاقات الماضي لصالح تكريس التخلف والتبعية في أماكن أخرى.
-الاعتقاد بأن المسار الأوروبي هو الواجب اتباعه، لغة عفا عليها الزمن بعدما ثبت أن قراءة الماركسية للتاريخ العالمي من زاوية الأحداث الأوروبية كانت محكومة بجهل ماركس وإنجلز وهو ما تجاوزه الماركسيون المحدثون أنفسهم، وعلى الفهم الحديث أن يقر بأن لكل أمة طريقها الخاص في التطور القائم غالباً على ظروفها الخاصة لا على استنساخ نماذج أجنبية لا تقبل باستيعاب الآخرين، ومن هنا يصبح للتراث مكانة تختلف عن وصفه بالخروج عن التاريخ أو بمجرد وصفة لا تؤدي إلا إلى خيبة الجماهير الشعبية.
-الاعتقاد بأن تطور أوروبا كان ذاتياً بعد قيامها بالتخلي عن الحروب الصليبية قراءة إيديولوجية بعيدة كل البعد عن الواقع وهي عودة للغة ماركسية قديمة، عن الدور الإيجابي للبورجوازية دون ملاحظة حقائق التاريخ.
-مازالت أسرار وصول أوروبا إلى نهضتها مبهمة ومحل خلاف وجدال حتى في الغرب نفسه ، فمن العبث بناء على ذلك اختصار وصفة النهضة في مسيرة بخطوات معدودة وكأنها كانت مدونة في دليل يدوي يتم الثناء على من سار فيها وانتقاص من لم يسر فيها بلغة مثالية ولكنها لا تمت إلى الواقع بصلة، فمن غير الواقعي أن نطالب العثماني باتباع خطوات لم يكن صاحبها نفسه يعلم ما ستؤدي إليه.
-الاعتقاد بأن الطريق الأوروبي "الواجب اتباعه" سيفضي إلى نفس النتائج التي تمت في أوروبا محكوم بالفشل لأن قيام النهضة الأوروبية تكلف الكثير من التبعات التي أرهقت العالم كله ولم يعد بالإمكان تكرار نموذج استقر على احتكار خمس البشرية أربعة أخماس الموارد، إذ كيف سيتهيأ لبقية الناس نفس المستوى من الموارد في حين لم يتبق لهم سوى خمسها؟
-الخطر على تطورنا ليس من أحلامنا ومحاولاتنا الصائبة والمخطئة بل من العرقلة الخارجية التي ينظر هذا النموذج إلى أصحابها بتقديس واقتداء، وإذا كانت التضحيات الدموية قد شابت الوصول إلى النموذج الأوروبي وفق هذا التحليل الذي يستخدم الماركسية للتمهيد للغرب وهي عودة للغة القديمة عن الدور الإيجابي للاستعمار ، فمن غير الإنصاف أن توصف تضحيات أمتنا وهي تدافع عن وجودها بأنها مجرد حروب عبثية لا مصلحة لجماهيرها فيها، فهذا يناقض فكرة المسارات التطورية المستقلة، في الوقت الذي كانت الدماء العبثية أضعاف ذلك في النماذج الأوروبية، والسوفييتية والصينية التي حاولت سبق أوروبا ثم تراجعت بتكاليف باهظة ومع ذلك تبرر بالمسار التاريخي "العلمي"، أما صمود أمتنا فهو الخارج عن التاريخ، فهذه لغة تبجيل للآخر وجلد للذات بطريقة غير متوازنة ولا تنطبق على حوادث التاريخ لاسيما في ظل الفشل الذريع لبعض هذه التجارب التي وصفت بالعلمية ثم لم توصم دماؤها بالعبث بعد فشلها الذي يفترض أن يوضع مع فشلنا وفشل الآخرين، وهو ما لم تقم به هذه القراءة مما يخرج التقويم التاريخي لهذه التجارب الفاشلة عن أي التزام بمعايير الإنسانية والحرية وحقوق الإنسان والمؤسسات التي هي الأهداف المعلنة، ويقصر الفشل علينا بتحيز غير علمي.
-إذا كانت أمم في القرن العشرين قد فشلت في الوصول إلى وصفة (الليبرالية...إلخ) رغم اتبعاها مسار التغيير الاجتماعي "العلمي" فمن غير الإنصاف مطالبة الدولة العثمانية بتحقيق ذلك قبل خمس قرون بل الادعاء أنها "تمنعت" عن ذلك (ص 40) وكأنها كانت بصدد عرض تجاري مغر ولكنها لم تنتهز فرصته، وكل هذا قولبة لأحداث التاريخ وقسر لها بطريقة غير واقعية، إذ متى حققت أي دولة أو حضارة في زمن أفولها الطبيعي بل المتأخر ما حققته أخرى في زمن صعودها؟ بل يمكننا السؤال الآن بعد السقوط المدوي للاتحاد السوفييتي وكتلته الاشتراكية: "لماذا سار الاتحاد السوفييتي الذي اتبع المسار التاريخي "العلمي" من الوحدة الشاملة والدولة المترامية الأطراف إلى التفكك والعزلة والانهيار الاقتصادي والعجز عن حماية توابعه وأراضيه فكان السقوط المدوي بعد سبعين عاماً فقط وفي حرب في بلد صغير مقارنة بمساحة الكتلة الاشتراكية كأفغانستان وليس في حرب عالمية بعد ستة قرون من الاستنزاف المعادي"؟؟؟
-التجاوز الاختزالي المخل عن كل إنجازات الدولة العثمانية وحقيقة وضعها التاريخي حيث كانت في حالة متقدمة عن محيطها العالمي سواء ما سبقها أو ما لحق بها  (ملكيات متوسطة وصغيرة لم تتسرب إليها الملكيات الكبيرة إلا في زمن التغريب المتأخر ، ووضع الفلاح كما سبق ذكره مقارنة بوضع المزارعين العبيد في أمريكا في نفس الفترة والذي مع ذلك حصل على ثناء مؤسسي الماركسية بصفته خطوة بورجوازية تحديثية وضرورية ممهدة للمجتمع الاشتراكي ، وهو وعد أممي لم يتحقق بل تحقق عكسه بانتصار البورجوازية على الاشتراكية)، وإن اختصار وضع الدولة العثمانية باستبداد مطلق في الحكم وخيبة ومرارة للمحكوم، مزايدة على أوروبا نفسها التي اعترف الكاتب بموقف بعض قياداتها المعجبة بالدولة العثمانية وهو موقف يسجل المؤرخ الروسي استمراراً له ثم يراد تخطئة كل ذلك باسم العلم.
-ماذا جنينا من السير في طرق الآخرين غير تعبيدها لهم؟ إذا كانت "التحولات الكبرى في تاريخ الإنسانية" لم تنشأ في بلادنا (ولا في بلاد غيرنا من الأمم غير الغربية)، فإنها قد طالتنا وأصبحنا جزءاً منها بالهيمنة الأوروبية علينا، والسؤال الذي يوجه لأصحاب النظرة التبجيلية للغرب: ماذا جنينا من هذه "التحولات الإنسانية الكبرى" وما هو مكاننا فيها ومكان غيرنا من الأمم التي حكمها الغرب؟ إن إغفال الآثار السلبية للتغريب وسياسات الاستعمار والإبادات الجماعية التي مهدت للصعود الغربي وكانت ضرورية له لا يؤدي إلى المصادقة على النظرة التبجيلية الاختزالية لتاريخ أوروبا.
-المشكلة في التبجيل المثالي: وبهذا نرى أن المشكلة مع هذه القراءة ليست في قولها بالتطور الاجتماعي بل في جعلها الحل بنظرتها التبجيلية والمثالية وغير الواقعية إلى أوروبا وهي أصلاً نموذج غير قابل للتكرار، وبقراءتها القديمة التي تريد قولبة العالم كله وفق المسار الأوروبي مع انتقاص المسارات الأخرى التي يجب أن توضع في سياقها وفق ظروفها لا أن تقاس مدحاً وذماً وقبولاً أو رفضاً وفق شبهها بنموذج غير مستعد لاحتوائها أصلاً وهو العائق في سبيل تطور غيره وليس هو العامل المساعد في ذلك، والمهم أن كل ما سبق مقولة تجاوزها نفس أصحابها ورغم كل ذلك تحتفي هذه القراءة بنفسها محتكرة صفة العلمية وموزعة صفات سلبية على كل ما عداها بفوقية غير مبررة.
  --د. جورج قرم ، تاريخ أوروبا وبناء اسطورة الغرب، دار الفارابي، بيروت، 2011 ، ترجمة: د. رلى ذبيان، ص 16 و 180.
-إريك وولف، أوروبا ومن لا تاريخ لهم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،2004 ، ترجمة: فاضل جتكر، ص 380.
-زاكري كارابل، أهل الكتاب: التاريخ المنسي لعلاقة الإسلام بالغرب، دار الكتاب العربي، بيروت، ترجمة: د. أحمد إيبش، ص 239.
  -هاملتون جب وهارولد بوون، ص 6 و 11  و 18 .
-الدكتور محمد أنيس، ص 146.
  -محمد شعبان صوان، ص 60.
  -د. عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 2006، ص 242-243 (الماركسية والاستعمار والعنصرية).
-الدكتور عبد الوهاب المسيري، الماركسية والتمركز حول الذات الغربية، مقال على موقع الجزيرة نت، 29/12/2004، وموقع الدكتور عبد الوهاب المسيري أيضاً.