جزء من النص مفقود: محمد البراك الفضالة حياته وسيرته |
|
د. عبدالرحمن الابراهيم |
تمر على المهتم والباحث في التاريخ الكثير من الأسماء، بعضها له دور في صناعة الحدث التاريخي، وأخرى دورها مبهم، وثالثة تكون "بينَ بينَ" لها دورٌ ولكن الباحث لا يعلم: ما تفاصيل هذا الدور؟ ولا كيف تم؟ وهل كانت الشخصية مؤثرة في ذلك الحدث أم لا؟ وما مدى التأثير؟ وفي حال وجد التأثير، كيف من الممكن إخراج دور هذه الشخصية من هامش التاريخ إلى سياقه؟ ومناقشة أسباب التهميش ونتائجه على قراءة الحدث التاريخي؟
إن امتلاك الوثائق والمخطوطات والاطلاع على النصوص التاريخية أمر لا بد منه لأي مؤرخ أو باحث في التاريخ. لا يكون لامتلاك هذه الذخيرة التاريخية قيمةٌ دون استخدامها، ونقدها، وعرضها، وربطها، وإعادة تشكيل الحدث التاريخي بالاعتماد على المناهج المتعددة والنظر للحدث التاريخي من زاوية مختلفة. إن التحليل التاريخي في تاريخنا المحلي والخليجي في تطور ونمو، وذلك بفضل تصدّر باحثين في التاريخ تمردوا على أسلافهم وأدركوا أن كتابة التاريخ لا تقتصر على المديح وذكر محاسن الموتى. هؤلاء الباحثين فهموا أن دور الشخصيات المؤثرة في تاريخنا الكويتي يحتاج للنقد والتحليل وإعادة القراءة، ولذلك بدأت أصوات "المؤرخين الجدد" في الكويت والخليج بالعلو، بعد أن تسلحوا بالمنهجيات العلمية الصحيحة، وبذلوا جهدا كبيرا في إعادة قراءة النصوص التاريخية والوصول لوثائق محلية كان لها أثر كبير في تعديل الكتابة التاريخية الكويتية وتعميقها عوضًا عن السطحية السردية التي كانت سائدة منذ التسعينات حتى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.
لقد نوقشت أحداث المجلس التشريعي الكويتي ١٩٣٨ بشكل كبير، وكفتبت على إثرها كتبٌ ومقالات علمية ومقالات صحفية، ولا يكاد يفكتب كتاب أو رسالة علمية عن الكويت إلا والإشارة إلى المجلس التشريعي بين ثناياه. كنت قد كتبت مقالا عن أحداث مجلس ١٩٣٨، ونشرته في عام ٢٠٢١، وضمنته في كتابي "لا يكتب التاريخ مرة واحدة"، واعتقدت أنني قد قرأت الأحداث من زاوية مختلفة بعد أن وصلت في عام ٢٠١٦ لمحاضر اجتماعات المجلس التشريعي عن طريق أرشيف الأستاذ محمد عبدالعزيز العتيبي، وحاولت ربطها بفكرة القوى المرجحة ، وظننت بعد كتابة المقال أن أحداث ١٩٣٨ لا تحتاج لمزيد من البحث والتنقيب. أقر أنني كنت مخطئا، وأن التاريخ فعلا لا يكتب مرة واحدة!
زرت طارق محمد علي البراك، وهو رجل قد ناهز التسعين عاما، ويتمتع -أطال الله بقاءه- بذاكرة حاضرة. العم طارق هو ابن محمد البراك الذي كان يلقب ب "الزعيم"، وكان له دور في أحداث سنة المجلس ١٩٣٨، لكن دوره لم يكن واضحا. بعد الزيارة والمقابلة الشفهية ومحاولة التنقيب في ذاكرته ، وجدت أن أحداث ١٩٣٨ لم تكتب بعد، وأن هنالك أبطالًا مهمشين لم ينصفهم المؤرخون الذين كتبوا عن ١٩٣٨، أو من هم دون أحداث سنة المجلس، ممن عاصروه، ولذلك وجب علي وعلى غيري من المهتمين بتاريخ الكويت أن ينزلوا هؤلاء المهمشين المنزلةَ التي يستحقونها، ويعيدوهم إلى السياق التاريخي بعد أن همشتهم السياسة والطبقية والاختلافات الأيدولوجية، فدَٿَنَ الزمنف والإهمالف إسهاماتهم وتضحياتهم!
في هذا المقال لن أبوح بكل ما في جعبتي إزاء محمد البراك الفضالة، بل سأكتفي بالحديث عن حياته ونشأته، وعن أهم محطات نضاله، وسأقتصد في تحليلي لأحداث عام ١٩٣٨ من زاوية البراك؛ ذلك أنّني عاكٿٌ على الكتابة عن شخصياتف مهمشةف في الكويت والزبير ونجد.
محمد البراك: زعيم بلا مريدين!
مما لا شك فيه أن الكثير من الشخصيات والأحداث في التاريخ الخليجي والكويتي مهشمة بفعل فاعل، وهذا التهميش إما لداعف سياسيّ أو حرج اجتماعي أو خلاف أيديولوجي أو صراع طبقي أو نظرة عنصرية أو غيرها من الأسباب. ولو لم يقع هذا التهميش من قبل المؤرخين الذين كتبوا عن تاريخ الكويت لكان لدور أولئك المهمشين شكلٌ أوضح ممّا نرى، ولكانت لديهم القوة والقدرة على المساهمة في صناعة الحدث التاريخي في زمانهم.
من وجهة نظري، إنّ تاريخ محمد البراك تاريخٌ مهمش، ولكنه -في نفس الوقت- تاريخ "مسكوت عنه" لحساسيته. وربّما يتقاطع التاريخ المهمش مع التاريخ المسكوت عنه؛ إذ إن كليهما موؤود لأسباب مختلفة. فالتاريخ المسكوت عنه -عند العودة للمعجم في اللغة العربية- من الفعل (سكت)، وهو فعل لازم، فيقال: "سكت الرجل" دون مفعول به، وإذا تعدى الفعل (سكت) إلى المفعول به يتعدى بحرف جر، فنقول: "سكت عنه". إذًا، فالسكوت: هو ترك الكلام مع القدرة عليه، لكن التاريخ لا يسكت بنفسه، وإنما يفسكت عنه، ولذلك إذا سكت الرجل فقد تعمد السكوت، وهذا ما حدث مع دور محمد البراك في حياته وفي أحداث ١٩٣٨ على وجه التحديد. ولا يقال هنا إن المصادر المحلية والأرشيف البريطاني لم يذكرا محمد البراك على الإطلاق، ولكنّ ذفكره ما زال مهمشًا ومسكوتًا عنه في الكتابات التاريخية.
إنّ حساسية أحداث ١٩٣٨ التي كان البراك فاعلا فيها منعت مؤرخين من التطرق لها بالكلية، مثل ما ذكره سيف مرزوق الشملان في كتابه "من تاريخ الكويت"، حين ذكر :"نظراً لأن عهد الشيخ أحمد ليس ببعيد، وكثيرون عاشروه، لذلك سأتكلم عن أول عهده فقط... {أما} حوادث المجلس التشريعي سنة ١٣٥٨هـ – ١٩٣٩، فهذه وغيرها معروفة، ولا حاجة للكتابة عنها، إذ هناك من هم أدرى مني، لا سيما الذين اشتركوا فيها". الشملان هنا يحاول رفع الحرج عن نفسه بعدم ذكر الأحداث، ويجعل مثل هذه الأحداث مهمشة ومسكوتًا عنها؛ لحساسيتها، رغم أنه روى أحداثاً كان بعض معاصريها على قيد الحياة، مثل مجلس ١٩٢١ الذي أدركه يوسف بن عيسى، وكان على قيد الحياة أثناء الكتابة عنه أيضًا.
في المقابل، حاول البعض الآخر إنصاف محمد البراك من خلال الكتابة عنه وعن أحداث مجلس ١٩٣٨ الذي شارك فيه البراك. فهذا عبدالله الحاتم في كتابه " من هنا بدأت الكويت" ذكر محمد البراك في معرض حديثه عن أول اضراب في الكويت، حيث قال: "نرى لزاما علينا إيفاء هذا الشاب ]محمد البراك[ بعض ماله من حقوق على مواطنيه... وهذا الشاب الذي ضرب أمثالا رائعة في البطولة والتضحية لم نجده في يوم من الأيام أنه عمل لنفسه ... ونحن حين نتكلم عن البراك وما لاقاه، لا نقصد ما يتوهمه الغير من إثارة الماضي، وإنما الواجب علينا أن لا ننسى البراك."
هنا نجد الحاتم يدرك حساسية موضوع حركة مجلس ١٩٣٨ بقوله: "لا نقصد ما يتوهمه الغير من إثارة الماضي"، ولكنه أبى أن يئد بيديه ذكرَ البراك ويهمش دوره لمجرد أن الموضوع الذي كان مشاركا فيه حساسا لدى البعض. أمّا محمد ملا حسين في المقال الذي نشره عن أحداث ١٩٣٨، المنشور أصلًا في كتاب من تأليف خالد سعود الزيد تحت عنوان "محمد ملا حسين حياته وآثاره"، فيقول في مقدمة مقاله: "قد يثير اسم هذا المجلس وسنة ١٩٣٨ التي قام بها شيئا من الحساسية لدى الجهتين اللتين قام في زمانهما هذا المجلس، ولكننا اليوم ونحن في نهاية عام ١٩٨٨ ]لا مجال لهذه الحساسية[ ...إذن إن من حق التاريخ وحق الكويت أن تسجل تلك الحقبة وتاريخها تسجيلا صادقا واقعيا لا تحيز فيه لمؤيد أو معارض؛ لأن ذلك الحدث جزء مهم من تاريخ هذا البلد، فإن لم نؤرخه وأحداثه ككويتيين فقد يأتي آخر من غير الكويتيين من بلد آخر ويكتبه كما يشاء." وهذا للأسف ما حصل! فمعظم مصادرنا اليوم معتمدة على الأرشيف البريطاني في سرد وتحليل أحداث ١٩٣٨، ولعل مثل هذا المقال يحفز أبناء بعض المهمشين في هذه الأحداث، مثل: محمد المنيس، وراشد العبدالغفور، ومحمد حبيب التتان، وغيرهم، لمقابلة الباحثين وتزويدهم بالرواية الشفهية التي تمكنني وتمكن غيري من الباحثين من إنهاء حالة التهميش وتحويل التاريخ المسكوت عنه إلى تاريخ محكيّ له أثره في السياق التاريخي في الكويت.
ذات الشعور كان لدى ابن محمد البراك عندما قابلته، فقد أشار بكل وضوح أن تاريخ والده لم يكتب؛ لأن الموضوع حسّاس لدى أطراف كثيرة، ما ساهم -في رأيه- بشكل كبير في عدم وضوح الدور "الوطني" لوالده، ذلك أن ما كفتب يعبر عن وجهات نظر أصحابها، ولا يشمل الصورة الكاملة لما حدث في عام ١٩٣٨، ولعل هذا المقال، ثم ما سأنشره في الكتاب الذي أنا عاكٿٌ عليه وبصدد إعداده، يساهم في إظهار صورة أشمل وتحليل أعمق لما قام به محمد البراك ورفقاؤه من دور في أحداث ١٩٣٨ وفي حياتهم بشكل عام.
أم مثقفة خلقت رجلا قوميا
محمد علي البراك الفضالة من الجلاهمة من حلف العتوب، ولد في عام ١٩٠٩ تقريبا، وفقا لوثيقة بريطانية قدرت عمره في سنة ١٩٤٦ ب٣٧ عاما. توفي والده صغيرا فقامت بتربيته والدته ولم يكن لمحمد أخوة أو أخوات ولا حتى أعمام. والده علي البراك توفي والده كذلك وهو صغير، ولم ينجب غيره. فيكون بذلك أثر النساء على حياة محمد البراك ووالده علي البراك كبيرا، وأنعم به من أثر! فوالدته وجدته كانتا ممن يعلم الصبيان والبنات القراءة والكتابة والقرآن.
والدة محمد البراك هي لولوة بنت السيد أحمد بن السيد حسين الرفاعي، ووالدتها هي لطيفة بنت منصور بن صالح. بين يدي وثيقة عدسانية ممهورة في رمضان من عام ١٣٣٧ للهجرة، ما يوافق سنة ١٩١٩ تقريبا، خفطّ فيها أن "المطوعة لطيفة بنت منصور بن صالح" قد وهبت ابنتها لولوة الرفاعي بيتًا، وفي نفس الوثيقة تقر لطيفة أن حليمة -وهي أمة مملوكة- اشترتها لولوة من حر مالها. تذكر لطيفة محمد البراك في عدة لقاءات تلفزيونية أنها نشأت في بيت تربوي، ولذلك تعلمت في سنّ مبكّرة، وقد كان أثر والدتها وجدتها كبيرا عليهم في المنزل. فجدتها لأبيها لطيفة بنت منصور كانت مطوعة في فريج الشيوخ، أما وجدتها لولوة الرفاعي فقد كانت متميزة في تعليم الصبيان والبنات بطريقة مبتكرة في زمانها، إذ كانت تستخدم طرقا تربوية وتدريسية في تعليم اللغة العربية. تستمر لطيفة ابنة محمد البراك في وصف جدتها بأنها متفتحة وليست متزمتة، وكانت تزودهم بما يحتاجونه من أموال بعد خروج والدها بعد أحداث ١٩٣٨. روت لطيفة البراك موقفا يدل على مدى تفتح جدتها لولوة الرفاعي، ومفاده أن جدتها كانت تدارس الشيخ يوسف بن عيسى القناعي المسائل الفقهية، وأنها كانت عندما يستفتيها النساء وتعجز عن إيجاد الجواب من فهمها وحفظها تلجأ للشيخ يوسف بن عيسى، وتعرض هذه الأسئلة عليه. الشيخ يوسف بدوره عرض أن تتوظف لطيفة محمد البراك كمدرسة في مدرسة البنات عندما أكملت بعض تعليمها، وكان والدها في السجن في الهند. هذا الطلب قوبل بنوع من المعارضة من أسرة والدة لطيفة -زوجة محمد البراك وأهلها- لكن إصرار الجدة لولوة الرفاعي، وكذلك ما أصله محمد البراك في ابنته، إذ كان يشجعها على العلم والقراءة ويجلب لها الكتب عندما كان في الكويت، كل ذلك دفع لطيفة البراك للعلم والتدريس، وسبقت بذلك الكثير من أقرانها في الكويت في تلك الفترة، إذ كان الناس يرفضون تعليم البنات وخروجهنّ.
عودًا على محمد البراك وحياته التي تأثرت بوالدته وجدته، إذ كانتا حريصتيْن أشد الحرص على تعليمه وتثقيفه، الأمر الذي جعل منه قارئا ومثقفا وصاحب مكتبة، وكان يحفظ الكثير من الشعر العربي الفصيح، وكانت له علاقات مع بعض مثقفي العالم العربي في زمانه كما سنفصل لاحقا.
هناك نقطة أود توضيحها هنا وهي أن والدة محمد البراك لولوة الرفاعي قد تزوجت من محمد النوح المكنى بأبي إبراهيم، وهذا كذلك يدل على مدى حرصها على ابنها، فهي تزوجت من رجل ملتزم دينيا أو مطوع كما يطلق على أمثاله في الكويت القديمة. محمد النوح ذكره عدنان سالم الرومي في كتابه "تاريخ مساجد الكويت القديمة"، وترجم له عندما ذكر مسجد ابن خميس الذي كان ضمن مساجد فريج شرق، حيث قال: "الملا محمد النوح أبو إبراهيم المتوفى في ١٠ فبراير ١٩٤٥، وكان معاصرا للملا علي الإبراهيم والذي كان يصلي نصف التراويح نظرا لكبر سنة وحالته الصحية ثم يكملها المؤذن الملا محمد النوح...إذ كان مشهورا عنه أنه من حفاظ القرآن الكريم في الكويت". محمد النوح كان قد عمّر طويلا، وتوفي عن مئة عام، وكان قبل وفاته قد مرض وأصابه الخرف كما ذكر ذلك أحمد البشر الرومي في أوراقه الخاصة.
قد يتساءل القارئ ما الغرض من ذكر محمد النوح هنا؟ وما علاقة ذلك بمحمد البراك؟ وهذا سؤال مستحق؛ فمحمد البراك اكتسب في فترة من فترات حياته لقب النوح نسبة لزوج أمه، ولكن هذا الأمر غير صحيح! ولذا أصبح لزاما علينا اليوم ذكر مثل هذه المعلومات حتى يفهم الجيل القادم أن ليس كل ما هو مكتوب بالوثائق يكون دقيقا. ممن ذكرَ محمد البراك ونسبَه للنوح ناصر عبدالعزيز فهد الحميدي في مذكراته عندما تحدث عن الكويتيين الذي يعملون في العقير، فذكر منهم "محمد البراك النوح"، وكذلك هناك ذكر لهذا اللقب في الوثائق البريطانية، ولذا فقد بات التوضيح حاجةً ملحّةً هنا.
هذه البيئة العلمية التي نشأ فيها محمد البراك جعلت منه قارئا يجمع من الكتب الأفكار التي من شأنها أن تطور المجتمع الكويتي، ولذلك عندما كبر وأراد العمل في التجارة كحال الناس في زمانه أقدم على فتح مكتبة سماها "المكتبة القومية". يذكر عبدالله الحاتم في كتابه (من هنا بدأت الكويت) أن محمد البراك أنشأ المكتبة في عام ١٩٣٨، وأعد فيها دفاتر مدرسية لبيعها على الطلاب مكتوب على أغلفتها "البلاد العربية وحدة طبيعية والمجد للشباب القومي الذي كان يعمل بإخلاص لتحقيق وحدتها السياسية"، وكان الهدف من ذلك تذكير الشباب الناشئ بدورهم نحو الوحدة العربية الشاملة، وأن هناك مسؤولية على عاتقهم للنضال من أجل هذه الوحدة. لكن الراوية الشفهية تذكر أن تأسيس المكتبة كان في ١٩٣٥ أو ١٩٣٦ وأغلقت في أحداث ١٩٣٨ بعد أن صادرت السلطة جميع مقتنياتها ثم أعادتها لأسرة محمد البراك في وقت لاحق.
من أجل تحقيق مثل هذه الوحدة وزيادة الوعي القومي، كان لمحمد البراك علاقات مع المثقفين العرب، مثل: درويش المقدادي، وأكرم زعيتر، وساطع الحصري، وأحمد الزيات صاحب مجلة الرسالة، وغيرهم. يذكر طارق البراك أن والده كان دائما ما يردد: "إن استمعت لساطع الحصري يتكلم فسيصيبك النعاس، بينما إن قرأت له فستتنشط خلايا المخ وتتسع المدارك". ويذكر كذلك أن والده كان يكتب مقالات في الصحف العراقية، وله علاقة بنادي (المثنى) النادي القومي في بغداد. بل و يضيف بحسرة أنه قد جمع رسائل لوالده وكذلك دفتر حسابات المكتبة القومية، لكنه -بكل أسف- أتلفها لعدم علمه بمدى قيمة هذه الوثائق تاريخيًا، ويضيف أنه اطلع على رسائل بين والده وبين أحمد الزيات صاحب مجلة الرسالة لكن كل هذه الرسائل كانت ضمن الأوراق التي أفتلففت.
كيف لا يكون له علاقة بأولئك وهو من مؤسسي النادي الأدبي في الكويت؟ ولا شك أنه تأثر بهذا النادي وبمن زاره من المثقفين والعلماء العرب، مثل: عبدالعزيز الثعالبي، ومحمد رشيد رضا، ومحمد الأمين الشنقيطي، وغيرهم. ولقد انعكس ذلك كله على طريقة تربية محمد البراك لأبنائه؛ إذ يذكر طارق البراك أن والده فقد البصر في إحدى عينيه بسبب المرض، فكان يطلب منه دائما قراءة الصحف له، ولا سيما الافتتاحيّات، ومن طريف القول أنه لم يكن ممن يكتفي بالاستماع فحسب، بل كان يصحح لابنه اللحن في النحو، ويناقشه في الموضوعات التي يقرؤها.
لقد كان لهذه الثقافة الواسعة والإيمان بالمبدأ -خاصةً فيما يتعلق بالأفكار القومية ووحدة الدول العربية ومحاربة الاستعمار- أن جعلت منه أحد الشخصيات المؤثرة في أحداث عام ١٩٣٨، ولطالما دفع ثمن التزامه بمبادئه غاليًا، وهذا حال كل المنضالين المدافعين عن مبادئهم. يصف عبدالله الحاتم هذا الإيمان وتبعاته على محمد البراك، فيقول: "لقد طارده الاستعمار في كل مكان يحل فيه، حتى في وطنه الذي نشأ فيه، فضرب مرارا، ولاقى من العذاب والتشريد صنوفا، شأنه في ذلك شأن الرجال العاملين الذين عز عليهم أن يروا أوطانهم وشعوبهم فريسة يتقاسمها الدخلاء".
١٩٣٨ تاريخ لم يكتمل
لا يرتاب مرتاب بأنّ أحداث ١٩٣٨ أحداث مفصلية في تاريخ الكويت، وكما ذكرت في مقدمة المقال أن المصادر التي نستقي منها هذه الأحداث محدودة في مذكرات خالد سليمان العدساني، والوثائق البريطانية على وجه الخصوص، وبعض الروايات الشفهية، والشذرات المكتوبة هنا وهناك من بعض المؤرخين، ولذلك وجود راوية جديدة لما حدث في ١٩٣٨ سيمكن الباحثين من التعمق في التحليل ومحاولة الوصول لنقاط أعمق تمكننا من الاقتراب من أقرب نقطة للحقيقة التي وقعت. وأكرّر ما ذكرته في المقدمة: في هذا الجزء من المقال، لن أخوض في جميع التفاصيل؛ لأنني سأترك جزءا منها للكتاب المتقدّم ذكره، ولأنني في انتظار وصول مجموعة من الوثائق التي ستوسع نظرتي لما حدث في ١٩٣٨، ورغم ذلك سأسعى في هذا الجزء إلى إبراز دور محمد البراك في المصادر المكتوبة.
محمد البراك، أو الزعيم كما كان يطلق عليه، كان أحد الشرارات التي أشعلت الأحداث وساهمت بشكل مباشر في تأسيس المجلس التشريعي في عام ١٩٣٨. كان مؤمنًا بالقومية العربية وبالديمقراطية وبمشاركة الشعب في الحكم، ولذلك كانت له علاقة متينة وصداقة لكل من عبدالله الصقر، وسرحان وأحمد زيد السرحان، ومحمد حبيب التتان، وراشد العبدالغفور، وعبدالرزاق البصير، وجميع هؤلاء كان لهم دور في نشر ثقافة القومية العربية، وكذلك في أحداث مجلس ١٩٣٨. عبدالله الصقر، وسرحان السرحان، وعبداللطيف ثنيان الغانم، وخالد سليمان العدساني، كلهم كانوا ضمن أعضاء جماعة الكتاب الأحمر القومية، وهي الجماعة التي ذكرها شفيق جحا في كتابه (عن هذه الجماعة). أما أحمد زيد السرحان، ومحمد حبيب التتان، فعملا كطباعين في المجلس التشريعي، وعبدالرزاق البصير، وسرحان السرحان كانا ضمن كتلة الشباب الوطني.
هذه الأفكار الإصلاحية قادت محمد البراك لأن يكون ذا دور مؤثر في أول إضراب في الكويت لسائقي سيارات الأجرة في عام ١٩٣٧، ومن هنا يبدأ ذكر محمد البراك. ويظنّ الكثيرون أنه كان من ضمن أصحاب السيارات المضربين، ولكنّ الحقيقة خلاف ذلك، إذ إنّ إيمانه بالعدالة والمساواة دفعه دفعًا لمساندة السائقين، وأبى إلا أن يكون العقل المدبر لهذا الإضراب. يذكر طارق البراك أن السائقين استنجدوا بوالده ليقف في صفهم ضد القرار الذي صدر من السلطة، حيث إنهم مفنعوا من نقل الكشتات (النزهة خارج البلدة للبر)، فاقترح عليهم محمد البراك أن يضعوا سياراتهم في البخّار (گراج السيارات)، ويأخذوا المفاتيح، ويخرجوا للبر كنوع من الإضراب، وقد فعلوا ما اقترحه البراك.
يعاضد هذه الرواية عبدالله الحاتم فيذكر أن الإضراب كان مفاجأة مذهلة بالنسبة للسلطة وللشعب في آن واحد. ولذا أخذت السلطة تفتش عن العقل المدبر لهذا الإضراب، وخلال البحث وجدوا أن الشباب وراء هذا الإضراب، لكنهم لم يستطيعوا اعتقال الشباب جميعا، فبحثوا، وبحثوا، حتى وجدوا أن محمد البراك هو العقل المدبر لهذا الإضراب. اعتقل محمد البراك وسائقي السيارات، وسفجنوا جميعًا، ثم ما لبثتْ السلطة إلا أن تراجعت عن قرارها، وكان هذا التراجع بمنزلة الانتصار للبراك ورفقائه.
ومن شواهد نضاله أنّه عفذّبَ بمفرده، حيث يذكر خالد سليمان العدساني في مذكراته: "وفي ضحى اليوم نفسه (أي يوم الإضراب) جيء بالشاب (محمد البراك) الذي لا علاقة له بالسيارات لدى الشيخ عبدالله الجابر ... وعزر ثلاثة أيام متتالية تعزيرا شديدا، وأخذوا يطوفون به في الأسواق، والحراس من خلفه يقودونه إلى السجن، ويضربونه بأعقاب البنادق، وأخيرا غلت رجلاه بالحديد، وقذف في حجرة دامسة لا ينفذ إليها النور". ويؤكد محمد ملا حسين راوية الضرب، فيقول: "وعلمت السلطة أن الذي أغرى المضربين هو محمد البراك فبعثت إليه، فضربته ضربا مبرحا لزعامته الإضراب...".
أدى ضرب محمد البراك إلى تدخل بريطانيا عن طريق المعتمد السياسي في الكويت الذي أوصل للشيخ أحمد الجابر عن طريق سكرتيره صالح الملا سفخطَ حكومته إزاء ضرب محمد البراك، وكأنه بذلك يعطي الضوء الأخضر لإنشاء المجلس التشريعي والإصلاح كما ذكر محمد ملا حسين. غادر محمد البراك الكويت بعد إنشاء المجلس التشريعي في عام ١٩٣٨، واستمر نشاطه القومي خلال إقامته في العراق، ومع بداية الحرب العالمية الثانية انتقل للهند.
خلال فترة إقامته في الهند، شارك في مظاهرة سياسية ضد الاستعمار البريطاني، حتى أنه جرح فيها؛ بسبب دخول حديدة في صدره من سيارة بريطانية كانت تمر بقربه، بحسب ما ذكر طارق البراك، حيث كان يروي لي هذه الأحداث عن والده. أما عبدالله الحاتم، فيصف المظاهرة بأنها كانت ضد احتكار الانجليز للملح. على أية حال، افعتقل محمد البراك، وسجن طيلة فترة الحرب العالمية الثانية في الهند، وقبل استقلال الهند وتحديدا في نهاية عام ١٩٤٦، طلبت بريطانيا من الكويت استقبال محمد البراك وسجنه في الكويت، الأمر الذي تم في عام ١٩٤٦.
دخل محمد البراك للسجن في منطقة (بهيتة)، ويذكر طارق البراك أنه كان يزور والده في السجن، ويزوده بالأكل وما يحتاجه، وكذلك ذكر أحمد البشر الرومي في أحداث نوفمبر ١٩٤٦: "مساء اليوم بعد غروب الشمس بنصف ساعة زرت محمد البراك في السجن تهريبًا، وجلست معه حوالي خمس دقائق". استمر سجن محمد البراك ثلاثة أشهر في الكويت، وبعد أن ساءت صحته أفرج عنه.
لم يكن نضال محمد البراك متعلقًا فقط في الكويت والهند، حيث تذكر وثيقة بريطانية أن محمد البراك كان له نشاطٌ معادف للإنجليز في كل من العراق وايران ولبنان، فضلًا عن نفيه سلٿًا من قفبل السلطات الفرنسية من سوريا؛ بسبب جهوده الكبيرة في نشر الوعي حفيال خطورة الاستعمار. كما ساهم في دعم المجاهدين الفلسطينيين في بدايات الثورة وأشهر مساهماته كانت مالية في عام ١٩٣٦ من خلال التبرع لهم. توفي محمد البراك في ديسمبر ١٩٥٣ في الكويت التي استقر فيها بعد خروجه من السجن عن عمر ناهز ٤٤ عاما بعد كفاح ونضال في خدمة أفكاره، ورغم صغر سنه عند وفاته إلا أن دوره كان كبيرًا، ولكم تمنيت أن يمتدّ عمره فيكتب لنا مذكراته بنفسه، علها تكشف لنا مزيدًا من زوايا تاريخنا المسكوت عنه! |
المصادر لتاريخية (2) : كتب البلدانيين والجغرافيين والرحالة
د. الزهراء بهزاد
المصادر التاريخية (1) : (كتب الحوليات)
د. الزهراء بهزاد