المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

مقدمات كتاب كليلة ودمنة، قراءة في منظور تاريخي ثقافي  


د. مصطفى عطية جمعة

د. مصطفى عطية جمعة

مقدمات كتاب كليلة ودمنة

قراءة في منظور تاريخي ثقافي

د. مصطفى عطية جمعة

 

    إن النفس الإنسانية مجبولة على ترديد الأشعار والانجذاب إلى القصص والحكايات، والأخيرة تتصف بالبقاء في العقول، والرسوخ في الأفئدة ، وقد تمتزج حكمتها بسرعة مع السلوك اليومي. فلازالت حواديت الجدّات والأمهات عالقة في نفوسنا خاصة إذا ارتبطت بحكمة ومُثُل، ونقوم بترديدها لصغارنا، ضمن سيرورة التواصل الشفهي الإنساني ، ويكون الأمر أكثر رسوخا لو كان أدبا مدونا، فيصبح تلقيّه من معينه الأوّلي ، بقراءة النص الأصلي بلغته المصاغ بها أو المترجم عنها، وفي كلٍ يكون العقل متأملا فاحصا لما أبدعه المؤلّف نفسه ، دون زيادة أو حذف أو تعديل أو تغيير ، على ما نحو ما نجد في القصص الشعبي عندما يروى لفظا، فتنتابه أعراض الشفاهية من نسيان أو تبديل أو إضافة لهوى الراوي ، أو رغبات السامع . أما في حالة التدوين المُحَقَّق، فإن النص الأصلي يظل كما هو، مفتوحا على كل تأويل ، النابع من فهم المتلقي المباشر للنص .

    وقد اشتمل كتاب كليلة ودمنة على السمتين المتقدمتين، ، وبات الكتاب ضمن التراث الأدبي العالمي ، وحظي بترجمات كثيرة ، فقد قدّم خلاصة الحكمة والتجربة الإنسانية، التي استقاها مؤلفه من تراكمات الخبرة الحياتية به وممن سبقه من الفلاسفة والمفكرون ، فكأن "بيدبا" الفيلسوف اعتصر كتب السابقين عليه اعتصارًا، وهضمها هضمًا، وأضاف عليها ما حنّكته الحياة به، وما أخذه من طلابه ومريديه، فهي حكمة وعصارة مصفاة ، ثم جعل الشكل الذي احتوته تلك الحكمة قصصًا شائقة بجودة فنية عالية ؛ فـ " العمل الأدبي العالمي هو أولا ، وقبل أي شيء آخر عمل متطور أو متقدم في شكله الفني ، فالجودة الفنية للعمل الأدبي تجعله أكثر قدرة على اجتياز حدوده اللغوية والثقافية القومية ، وعلى دخول دائرة العالمية " ([1]) فقد جاءت قصص الكتاب جاريةً على ألسنة البهائم والطير، فكأنه ابتعد عن حياة البشر بكل زخمها وقسوتها وصراعاتها، ليجعلها متدفقة في أجواء الغابات وما فيها من مخلوقات : طيور وحيوانات وزواحف ، تجذب الإنسان لمرآها ، ويعجب لما فيها من غرائب وأحداث ، تقف في منزلة بينية ، بين عالم الإنسان والحيوان من جهة ، والواقع المعيش في عصرها والعصور التالية من جهة أخرى ، مما جعلها تنتقل من مصاف المحليّة الضيقة إلى العالمية الواسعة ، وكان مراد " بيدبا " الفيلسوف تقديم حكمة إنسانية سامية تفيد البشر جميعا، وإن كانت في الأساس حوارا بين الملك " دبشليم " وفيلسوفه وحكيمه بيدبا، فمراد الملك الاستفادة مدركا عِظم مكانة العالم الحكيم ، كما نرى عندما استأذن "بيدبا " في الدخول على الملك ، ظل واقفا صامتا ، مأخوذا بهيبة الملك ، فنظر إليه الملك ، وقال : " إن كان للملوك فضل في مملكتها، فإن للعلماء فضلا في حكمتها ، لأن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم، وليس الملوك أغنياء عن الحكماء بالمال " ([2]) ، فذهب الروع عن بيدبا ، وأفصح عن رغباته للملك ، ومضى في مناصحته آمرا إياه بالعدل ، محذرا من الظلم .

    فعندما نقرأ أي قصة من كتاب كليلة ودمنة، سرعان ما تلتصق بأذهاننا؛ لأن الحكمة تعلقت بحدث درامي، والحدث جارٍ على ألسنة من عالم الحيوانات والطيور، مع الأخذ في الحسبان أن قرينة تأليف هذا الكتاب، كانت موجهة إلى ملك كان متجبرًا يومًا، فأراد بيدبا الفليسوف أن يقوم بدوره كمثقف ملتزم في عصره نحو هذا الملك، آملاً أن ينتهي الصلف والاستبداد يومًا من الملوك، وأن تعمّ الحكمة بين الشعوب ، ولكن يبدو أن أمل بيدبا لا يزال حلمًا ، فلا زالت البشرية تذبذب في مسيرتها بين تجبّر حكام ، ورعونة محكومين ، مما يتوجب على كل ذي عقل راغب في الحكمة الصافية أن يطالع حكايات كليلة ودمنة، وليكتشف أن ما أوصى به المتأخرون هو ما يطمح إليه المتأخرون .      

    هذا ، وسنجد أن مقدمات كليلة ودمنة تؤدي رسالة مهمة بنية الكتاب - طبقًا للنسخة العربية المترجمة عن الفارسية وهي مترجمة من قبل عن اللغة السنسكريتية القديمة في بلاد الهند([3])- والذي يشتمل في واقع الأمر على أربع مقدمات ، تساهم في الدوري الدلالي للاستهلال، كونه يشكّل مفتاحا للولوج إلى النص ، وجذب انتباه القارئ إلى الموضوع بأدوات كلامية حسنة وبأسلوب تعبير مثير ، وتقدم تلميحا بأيسر القول عمّا يحتويه النص عبر تقديمه روابط عضوية ومضمونية للمحتوى([4])، مما يشوّق القارئ إلى متن الكتاب وقصصه وعالمه العجيب . لأنها – وكما سنرى – تحوي الكثير عن ظروف تأليف الكتاب ، وأهدافه ، وفلسفته ، بجانب سبل ترجمته من اللغة الهندية القديمة إلى الفارسية ثم من الفارسية إلى العربية، ونكتشف في كل مقدمة إضافة دلالية ومعرفية تساهم في إنارة متن الكتاب . فالمتن ينقلنا مباشرة إلى زمن موغل في القدم في التاريخ الهندي ، بقصصه التي تتخذ من رحاب بلاد الهند وطبيعتها المتميزة ميدانا لأحداثها ، ونجد فيها امتزاجا وتداخلا بين العمران البشري والغابات والجبال، وقد تعمّد " بيدبا " المؤلف أن يسجل الأمكنة والبلدان بأسمائها الحقيقية ، ويذكر أسماء البشر ، ويطلق على الحيوانات أوصافا وأسماء مأخوذة من سياق القصة ، وبعضها احتفظ بالاسم الهندي ذاته .

    كما تساهم المقدمة في تقديم معلومات وأفكار مسبقة ، عندما  يكون النص ملغزا وملتبسا في بعض مفرداته أو أعلامه أو تكون الشفرة التي صيغ فيها النص ضاعت واندثرت فيتعذر الوصول إلى المغزى كاملا والغرض من إنتاج النص ، وأيضا الغرض من ترجمته ، فتكون هناك حاجة لوجود نوعا من النصوص الموازية ( أو السابقة ) تشكل شروحا وتفسيرات وإيضاحات للنص ([5]). وهو ما توافر بوضوح في مقدمات كليلة ودمنة ، فما إن يفرغ المتلقي من قراءة المقدمات إلا ويكون ملما بظروف إنشاء الكتاب ، وعالمه ، ومجتمعه ، ومرامي كل من المؤلف والمترجمينِ ( الفارسي والعربي ) ، وعصوره المختلفة .

    في ضوء ما تقدّم ، سنقوم بدراسة المقدمات وفقًا لعلاقتها بأربعة : بمتن الكتاب ذاته، وبالمؤلف (بيدبا)، وبالمترجم (ابن المقفع)، بالمتلقى.

المقدمة الأولى :

                                                                                                                                                                                           وقد كتبها "بهنود بن سحوان" ، ويعرف بعلي بن الشاه الفارسي، وتؤكد عدة مصادر أن واضع هذه المقدمة هو "ابن المقفع" بنفسه، وأن شخصية بهنود خيالية([6])، وهو رأي لا يوجد ما ينفيه مادامت النسختان : الفارسية والهندية ضائعتين. والمتوافر من النسخة الهندية إنما هو شذرات متفرقة في الكتب القديمة. ويذكر علي الفارسي أن الغاية من كتابة هذه المقدمة هي تبيان الظرف التاريخي لاقتراب "بيدبا" من الملك الهندي "دبشليم"، والذي ورث الحكم بعد ثورة أهل الهند على السلطان الذي عينه "الإسكندر المقدوني" على بلاد الهندي بعد ما غزاها وقهر جيشه([7])ا، إلا دبشليم عندما تسلم الحكم، طغى واستبد، فاستلزم أن يقوم الفيلسوف "بيدبا" بنصحه وإرشاده، ولكنه رفض النصيحة، وسجن بيدبا بسبب تجرؤه على الملك، إلا أن الأخير راجع نفسه بعد ذلك، وعفا عن بيدبا، وجعله وزيرًا له، ثم طلب منه أن يجمع خلاصة التجربة الإنسانية في كتاب، يخلد به ذكرى دبشليم الملك، فعكف بيدبا عليه، هو وتلاميذه، حتى أتمه على هذه الهيئة.

                                                                                                                                                                                           ونلحظ من سياق تلك المقدمة أنها تؤكد على دور المثقف نحو أبناء عصره، ملوكًا وحكامًا، حيث لم يرض "بيدبا" أن يقف متفرجًا أمام العسف والتجبر، فآثر النصح للملك، وواجه السجن، ولم يركن لشهوة السلطة حين عُين وزيرًا، بل راح يخط الصحائف والكتب حول كيفية سياسة الرعية، وفن القيادة في الحرب، وختمها بمؤلَّفه الذي بين أيدينا. فنحن أمام شخصية احتوت الحكمة والفلسفة، علمًا وعملاً، مما يجعلها قديرة بالفعل أن تقدم هذا الكتاب (متن حكايات كليلة ودمنة) بأسلوب متفرد على مدى الزمن كما احتوت تلك المقدمة على عدة قصص، منها ما هو واقعي تاريخي، ومنها ما هو خيالي مقدم لتقريب المثل والرأي. فمن القصص التاريخية قصة الإسكندر الأكبر المقدوني، الذي استطاع أن ينتصر على جيش ملك الهند على ما فيه من أفيال بفضل ابتكاره لعجول من الخشب، تتحرك على عجلات وبكرات، وتمتلئ بالنفط الذي اشتعل فأحرق الأفيال حين هاجمها، وقد تمكن من صنعها من كان معه من العلماء والصناع([8]).

    نبهت هذه القصة القارئ / المتلقي إلى أهمية الاستعانة بالعلماء والصناع المهرة في القيادة، وعلى دور الحيلة في تحقيق النصر، وعلى أن القائد الناجح هو من يوظف كل الكفاءات من حوله لا أن يستأثر بالرأي. وهي قصة تنسجم مع "متن الكتاب" الذي يركز على أهمية الاعتبار من حيلة السابقين، وأن تكون حاشية الملك من أهل العلم والمروءة. ويزخر المتن بعشرات من المقولات التي تؤيد هذا، منها مقولة "كليلة" : "إن البحر بأمواجه، والسلطان بأصحابه([9])" . كما تتماس هذه الحكاية مع قصة الملك "دبشليم" المتجبر، فقد كان محاطًا بحاشية سوء، يزينون له كل إثم، وكانوا سببًا في تجبره ، ولكن عندما قرّبَ "بيدبا" الفيلسوف، فإن أحواله قد تبدّلت، حاز النصر في كل مكان، وأحبته رعيته، وصدقت مقولة "كليلة" في إحدى القصص: "إن السلطان إذا كان صالحًا ووزراؤه سوءا، منعوا خيره، فلا يقدر أحد أن يدنو منه([10])". أي ينعزل عن الرعية، وتنأى قراراته عن مصلحتها، فهو يرى بعيون من حوله.

                                                                                                                                                                                           وقد وردت القصص الخيالية بهدف تقريب الحكمة وإيضاح المقولة، وجاءت في المقدمة بنفس الطريقة التي ترد في المتن، من حيث تقديم الحكمة أولا، ثم ذكر القصة للإيضاح ومن أمثلتها:

                                                                                                                                                                                           يقول بيدبا في حواره مع طلابه : ".. إن الوحيد في نفسه والمنفرد برأيه حيث كان فهو ضائع ولا ناصر له، على أن العاقل قد يبلغ بالخيل والجنود([11])". والمثل في ذلك : قصة القنبرة (طائر) الذي اتخذ مكانًا يبيض فيه، على طريق الفيل، فقام الفيل بتحطيم بيض الطائر بكل جبروت، وتباهى بقوته أمام القنبرة. فتآمرت عليه مع باقي الطيور فوقعت عليه، وفقأت عينيه، فصار لا يهتدي إلى طريق مطعمه ومشربه. ثم اتفقت القنبرة مع ضفادع ، لتنقّ في موضع عميق بصوت عال، ففعلت الضفادع، فظن الفيل أن هذا الموضع الذي يستمع فيه إلى نقيق الضفادع به ماء، فأسرع نحوه ليهوي في عمقه ويلقى حتفه.

    إن تلك القصة تتماس مع القصص السابقة (الواقعية) في إيضاح دور الحيلة وفي أهمية الاستعانة بكل من يساعد على تحقيق الحيلة كما فعل الإسكندر، وكما حرص "دبشليم" بعد ذلك في حروبه وحكمه. كما تتماس مع المتن في بنيته من حيث تقديم الحكمة ثم اتباعها بقصة، كما تتوجه إلى المتلقي لتهيئته لقبول المتن الذي سيأتي بعد ذلك على نفس الطريقة، وتوضح أن تلك الطريقة هي طريقة "بيدبا" في الحوار مع من حوله من الطلاب، فهو يبسط الأمور ويقربها للسامع. فتتسق تمامًا مع بنية الحكي في متن الكتاب، ومع شخصية المؤلف في الوقت نفسه. وبعبارة أخرى : فإن المؤلف قد توحد مع ذاته وسلوكه وفكره وهو يقدم متنه الحكائي، الذي حوى خلاصات الحكمة.

                                                                                                                                                                                           وتختتم تلك المقدمة بطلب دبشليم من بيدبا أن يؤلف كتابًا يخلد فيه ذكره على مدى الدهر، وهو طلب يعكس عمق إدراك الملك بأن الخلود لا يتأتى من مُلك البلاد ولا القصور ولا الأموال ولا حتى من تسجيل تاريخ حياته وانتصاراته، بل يتأتى من تركه إرثًا من الحكمة والعلم، تتناقله العقول، أفلا نرى أن بيدبا الوزير أثّر كثيرًا على دبشليم الملك؟

                                                                                                                                                                                           وحين عكف بيدبا على تحقيق رغبة الملك، فقد آثر ألا يكتب ترجمة عن حياته الخاصة، وحتى تلك المقدمة التي نعرضها إنما هي بقلم شخص آخر. فكأن الكتاب في أصله كان بادئًا بالمتن فقط ، وهذا يوضح إلى أي مدى كان بيدبا زاهدًا في أي شهرة أو خلود ، وظهر واضحا في ردّه على الملك الذي طلب منه أن يذكر ما يريده من الدنيا ، فسيجاب لطلبه ، فقال بيدبا : " أيها الملك ، أما المال فلا حاجة لي فيه ، وأمّا الكسوة فلا أختار على لباسي ذا شيئا "([12]) ، فنلاحظ مدى توحّده بدرجة كبيرة مع نفسه ومع ديانته وما فيها من فلسفة عظيمة متوارثة من بوذا وتلامذته ومن ساروا على دربه ، وقوامها أن النفس في حاجة إلى تأديب وتهذيب كي يسهل السيطرة عليها ، ويسلس قيادها ، والتواضع والزهد علامتان على هذا الدرب . لقد رأى حكماء الهند القدامى أننا في أعماق أغوار وجودنا متحدون مع الطبيعة المطلقة للواقع ، وكانت المشكلة العملية الفورية ، التي ظهرت من هذا الاكتشاف ؛ هي كيفية إدراك هذه الذات الداخلية ، ومن ثم تتحد مع جوهر الكون ذاته ([13]) . وهو ما أنتج ما يسمى التماهي مع الواقع والكائنات والأحياء ، فهي متعايشة معهم، لا سبيل إلى نفيها ، ولا الاستعلاء عليها ، خصوصا أن الطبيعة في المجتمع الهندي تمتاز بالتنوع البيئي من غابات وأنهار وبحار، وما تزخر به من مخلوقات عديدة ، فيستغرق المرء فيها متأملا سائحا في جنباتها .

   وهذا يفسر لماذا أجرى بيدبا قصصه على ألسنة الحيوان والطير ؛ لاعتقاد البراهمة بتناسخ الأرواح، فمن الممكن - كما يعتقد - أن تحل روح الإنسان في روح الطير والحيوان، وبالتالي يصبح مغزى الحكايات واضحًا، وتلقيها مفهومًا ـ وفق معتقدات البراهمة ـ وأن أحداث عالم البهائم قد تتشابه وتتكرر في عالم الإنسان، ويقال إن بيدبا كان أول من كتب الحكمة بهذا الشكل.([14])

      فهناك ميل واسع الانتشار في الفكر الهندي يفترض وجود عدالة أخلاقية كلية، فالعالم ينظر إليه على أنه مسرح أخلاقي كبير تديره العدالة ، وكل شيء فيه يكون خيّرا أو شريرا أو محايدا ، يتم اكتسابه واستحقاقه من يسعى إليه ، وهو يعني مسؤولية المخلوقات عن أفعالها ، وبيدها ماضيها ومستقبلها ([15]). وبالتالي لا انفصام بين عالم البشر والحيوانات والطير .. ، فكلها على مسرح واحد هو مسرح الحياة ، والعدالة تحكم الجميع ، والكل خاضع لها ولقانونها .

    إن العلاقة بين الأطراف الثلاثة : السارد ، المؤلف الضمني ، القارئ، من ألطف العلاقات في تقنيات السرد ، وأشدها تدخلا ، وأدقها ترابطا ، فكأن هؤلاء مهيأون لتبادل الأدوار والمواقع في أي موقع من مواقع التشكيل السردي ([16]). 

   ومن هنا ، فإن دور بيدبا – كما اختاره هو – أن يكون في وضع بعيد نوعا ما عن المؤلف الضمني الذي يمثل " الذات الثانية للمؤلف كما نعيد بناءها من النص ، ( وهي ) الصورة الضمنية للمؤلف في النص التي تكمن خلف المشاهد والمسئولة عن تصميمه وعن القيم والمعايير الثقافية التي يحملها " ([17])، فقد اكتفى بمهمة السارد العليم الذي يقدّم " خطابا سرديا يستعرض علامات لراويه أو لمؤلفه ولمعرفته المطلقة أو المهيمنة .. فهو كليّ المعرفة " ([18]) ، واضعا في حسبانه أمرين؛ الإجابة عن أسئلة الملك المفترضة بوضوح وبفنية سردية عالية ، تتماشى مع البناء الكلي لكتابه بطابعه القصصي دون توجيه نصح مباشر قد يؤذي نفسية الملك ؛ وأيضا أن يكون كتابه ذخرا للبشرية ، تنهل منه في كل عصورها عبر أحداث مشوقة، وحكمة خالدة .

     لذا فإن السارد والمؤلف الضمني معا كانا في علاقة طردية ، قابلة للابتعاد قليلا أو كثيرا في ثنايا المتن القصصي حسب ما يقتضيه المخاطَب / الملك، والمخاطَب / القارئ العام في زمن تأليف الكتاب وفي الأزمنة التالية ، وبالطبع لم يكن في ذهن بيدبا أن يحظى كتابه بهذه المكانة الرفيعة بين كتب التراث الإنساني الخالدة ، فلم يكن القارئ الإنساني حاضرا بشكل أو بآخر خلال تأليفه للكتاب، وهذا ديدن غالب المؤلفين ، يتوجهون إلى متلق ما أو أكثر بخطابهم ، وفي دائرة تكاد تضيق حولهم ، ولكن محتوى الكتاب وبناءه يفرضان نفسيهما ليقودا الكتاب إلى أخذ منزلته في التراث المجتمعي أو الإنساني .

    ويدل الكتاب - وإن كان مترجما -على تمكن بيدبا من مجمل العلوم المتوافرة له حتى زمنه( اللغوية والأدبية والفلسفية .. ) ، " فكلما تمكن الروائي ( المؤلف ) من ثقافة تقنية متينة وعميقة في إنشاء الرواية ( النص ) ، تراه يتخذ له أبعادا علاقاتية دقيقة تربط بينه وبين سارده من وجهة ، وبين سارده وقارئه من وجهة ثانية ، ثم بينه هو وبين سارده وقارئه جملة ، وشخصيات الرواية ( السرد ) مجتمعة من وجهة أخرى " ([19]) ، والذي ينعكس على متن الكتاب فيجيء في بنية عاكسةٍ لتجليات الفلسفة والحكمة الهندية، مقدمةٍ شكلا سرديا جاذبا لكل متلق ، قريبا من الهم الإنساني ، وتوق النفوس إلى العيش بصفاء وسعادة ، من خلال تطبيقها الحكمة المتلقاة في الكتاب ، مما جعل الملك يزيد من قرب بيدبا ، ويبالغ في إكرامه ، مقرًا بمكانته العظيمة التي نالها وسط النخبة العلمية والاجتماعية في زمنه ، وبدا هذا واضحا بعدما أتم بيدبا تأليف كتابه بعد عام من الاعتكاف في مقصورة مع تلميذه ، ففرح الملك بهذا الخبر ، ونادى في بلاد الهند أن يحضروا ( أهل النخبة والعلم ) قراءة الكتاب ، وأمر بنصب سرير يضاهي سرير الملك يجلس عليه بيدبا، ولما اطّلع الملك على أبواب الكتاب وما فيه ، أبدى إعجابه قائلا: " يا بيدبا ما عدوت الذي في نفسي ، وهذا ما كنت أطلب ، فاطلب ما شئت وتحكم " ([20]) ، فكان بيدبا زاهدا في طلبات الدنيا ، وشدد أن يكون هذا الكتاب مقتصرا على أبناء الهند فقط ، ولا يتسرب لأهل فارس .

    لقد جاء الكتاب ببناء سردي فريد فيما يسمى السرد الإطاري Frame Narrative فهو : " سرد يتضمن سردا آخر ، ( أو ) سرد يعمل بوصفه إطارا لسرد آخر ، بأن يشكّل محيطا أو خلفية له " ([21]).

فقد جاء المتن - أولا - على هيئة سؤال وجواب ( مفترضينِ ) بين دبشليم وبيدبا، وتظل هذه الحوارية مفاتيح للأبواب الأربعة عشر ، وفي كل باب مسألة والجواب عنها  وفيها تمهيد للحكايات الفرعية فيها، واتخذ من شخصيتي كليلة ودمنة مفتاحين كبيرين لشخصيات الكتاب المستنطقة على ألسنة الحيوانات والطيور ، وقد وصل بيدبا إلى فكرة الحوار على ألسن البهائم والسباع والطير ، ليكون في ظاهره لهوا للخواص والعوام ، وباطنه رياضة لعقول الخاصة ، وفيه ما يحتاجه الإنسان من سياسة نفسه وأهله وخاصته ([22]).

    ونلاحظ مراعاة عدم تشتيت المتلقي في حكايات فرعية ، تذهب به بعيدا عن البناء الكلي للكتاب أو الحكاية الأصلية في الباب ، وتسهّل عليه – بشكل دائم – خلال تلقيه اكتشاف القيمة الجمالية المتولّدة عن الوحدة العضوية الجامعة بين قصص الكتاب ، وهذا يتطلب أن يعمل المتلقي / الدارس / الناقد خصيصتين تتعلقان بذاته في تذوق جمال السرد وهما : الذاكرة والذكاء ، فالذاكرة تمكّن القارئ من الاحتفاظ بالعناصر المهمة وعدم نسيانها عند التأويل ، والذكاء يمكّنه من إدراك نوعية العلاقات القائمة بين العناصر ذاتها ([23]).

   ولاشك أن البناء السردي في كتاب كليلة ودمنة ، يحفز المتلقي على الاحتفاظ بهاتين الخصيصتين ؛ فالكتاب وإن اشتمل على عباءة سردية كبرى جامعة لقصصه إلا أنه منسق في أبواب حكائية ، تشتمل على فصول لحكايات قصيرة، يبدأ كل باب بتساؤل الملك ، ثم إجابة الفيلسوف بقصة قد تتفرع إلى ما هو أصغر، فلا مجال أن ينأى المتلقي بعيدا ، وتأخذه أحداث القصص المشوقة عن غايات الكتاب وحكمه ، وتبرهن كل قصة على الحكمة المبتغاة ؛ وهذا من شأنه أن يجعل المتلقي محتفظا بالخيوط السردية المحورية في الكتاب ، وأن يُعمِل عقله في تأويل الحكايات ، وإدراك الحكمة المبتغاة في كل قصة على حدة ، وربطها بفلسفة الكتاب ومراميه ، وأيضا فهم دلالة الأحداث في القصص الفرعية ، وكيفية برهنتها على الحكمة المستهدفة .

    وهذا دال على الوعي العالي للمؤلف بيدبا في تكوينه " المبنى الحكائي "، والذي يختص بالطريقة التي تُعرَض بها القصة والمستوى الفني لها ، فيما يسمى "الحبكة الحكائية " ، وطبيعة الكتاب وبناؤه تجعله ينأى عن مفهوم المتن الحكائي والمتعلق بالقصة كما يفترض أنها جرت في الواقع ([24]) ، فيكاد واقع الأحداث يشي بأنها أحداث متخيلة تماما ، حتى الحوار الحادث بين الملك دبشليم وبيدبا الفيلسوف ، وهو أيضا في وضع المتخيل في كثير من أسئلته ، بالنظر إلى الأسئلة الفلسفية وإجاباتها ذات المناحي التربوية والإرشادية ، وتدرّجها وشموليتها ؛ مما يجعلنا نؤكد على براعة المؤلف في مبناه الحكائي .

 

 

 

 



[1] ) عبده عبود ، نحو مفهوم استقبالي لعالمية الأدب العالمي ، بحث منشور في دورية علامات ، ج33 ، مج9 ، سبتمبر 1999م ، ص8 . مع الأخذ في الحسبان أن تقييم جودة الأعمال الفنية معيار إشكالي ، فيه قدر كبير من الخلاف ، إلا أن ذلك التقييم جزء لا غنى عنه في النشاط النقدي ، ولكن هناك اتفاقا أو إجماعا كبيرا بين النقاد على أن هناك معايير لا خلاف عليها للحكم على جودة العمل . ص11 ، 12.

[2] ) اعتمدنا في هذه الدراسة على طبعة كتاب كليلة ودمنة الكاملة في مقدماتها الأربع ، نشر  "المطبعة الفخرية" القاهرة ، د.ط ، د. ت ، ص5 .

([3]) ذُكِرَت آراء منذ القدم تقول بأن ابن المقفع قام بوضع الكتاب وتأليفه، ولكن هذه حجة ضعيفة، لأن جهود المستشرقين أثبتت أن قصص الكتاب متواجدة بشكل متفرق في الأدب الهندي القديم وخاصة في كتب : "بنج تنترا" ومعناها (خمسة أبواب)، هيتوبادشا أي (نصيحة الصديق)، والمهابهاراتا. انظر تفصيلا لذلك : موسى سليمان، الأدب القصصي عند العرب، مكتبة المدرسة، ودار الكتاب اللبناني، بيروت، ط4، 1969م، ص23.

[4] ) الاستهلال ، م س ، ص31 ، 32 .

[5] ) سيزا قاسم ، القارئ والنص : العلامة والدلالة ، منشورات المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 2002م ، ص133 .

([6]) د. عبد اللطيف حمزة، ابن المقفع، دار الفكر العربي بالقاهرة، ط3، 1965، ص202.

([7]) لقد أثبتت الكتب التاريخية التي عاد إليها الباحثون والمستشرقون وجود واقعة الإسكندر الأكبر بالفعل، ولكن لم يثبت وجود الملك دبشليم تاريخيًا، مما دفع البعض إلى اعتبار دبشليم وبيدبا من اختراع المؤلفين الهنود للكتاب. انظر : المرجع السابق، ص200 ـ 201. ولكن هذا رأي يحتاج إلى إثبات وتمحيص قبل إطلاقه، في ضوء فقدان الكثير من الكتب الهندية القديمة التي توثق للتاريخ الهندي القديم وملوكه وحقبه .

([8])كليلة ودمنة ، ص3 إلى ص7.

([9]) نفسه ، ص154.

([10]) نفسه ، ص153.

([11]) نفسه ، ص11.

[12] ) كليلة ودمنة ، ص12 .

[13] ) جون كولر ، الفكر الشرقي القديم ، ترجمة : كامل يوسف حسين ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، 1995 ، ص20 .

([14])محمد حسن نائل المصرفي، مقدمته لكتاب كليلة ودمنة، منشورات دار الهدى الوطنية ببيروت، ط1، 1983، ص9.

[15] ) الفكر الشرقي القديم ، م س ، ص29 .

[16] ) د. عبد الملك مرتاض ، في نظرية الرواية : بحث في تقنيات السرد ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، 1998م ، ص237 .

[17] ) جيرالد برنس ، قاموس السرديات ، ترجمة : السيد إمام ، ميريت للنشر والمعلومات ، القاهرة ، 2003 ، ص91 .

[18] ) المرجع السابق ، ص23 .

[19] ) في نظرية الرواية ، م س ، ص238 .

[20] ) كليلة ودمنة ، ص12 .

[21] ) جيرالد برنس ، قاموس السرديات ، ص74 .

[22] ) كليلة ودمنة ، ص 11 .

[23] ) ا. م . فورستر ، حبكة الرواية ، بحث ضمن كتاب : أسس النقد الأدبي الحديث ، ترجمة : هيفاء هاشم ، منشورات وزارة الثقافة السورية ، دمشق ، 1966 ، ص130 .

[24] ) د. حميد لحمداني ، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي ، منشورات المركز الثقافي العربي ، بيروت / الدار البيضاء ، ط1 ، 1991م ، ص21 .