ملاحظات أولية حول الوعي التاريخي 


بقلم : أ.عبدالله العبيد

بقلم : أ.عبدالله العبيد

ملاحظات أولية حول الوعي التاريخي

 

اهتم منظرو التاريخ بقضية الوعي التاريخي سواء من ناحية ظهوره أو تطوره إلى عصرنا هذا. من خلال قراءتي لبعض الأعمال أود أن أشارك القراء ملاحظاتي الأولية على بعض التصورات المعاصرة للوعي التاريخي.

 

يرى بعض المؤرخين والفلاسفة أن الوعي التاريخي هو "خصيصة" غربية ظهرت أولا في أوروبا مع الإغريق وتبلورت لاحقا إما في عصر النهضة (عند بيتر بورك في كتابه The Renaissance Sense of the Past) أو في القرن التاسع عشر (عند كولنجوود في كتابه فكرة التاريخ وكاسيير في كتابه مقال في الإنسان). أما يروشاليم في كتابه Zakhor فهو يجادل "إذا كان هيرودت هو أبو التاريخ فإن اليهود هم الآباء المؤسسون لوجود المعنى في التاريخ).[i] أما دينور (مؤسس مدرسة التاريخ في الكيان الصهيوني) فقد ذهب أبعد من ذلك وصرح أن كتبة التوراة القدماء هم المؤرخون الأوائل وليس المؤرخين الإغريق.[ii]

 

لعل هذه الكتابات وقعت في فخ المركزية المعرفية من طريقين:

فخ وهم الأولية أو الأصول، والتي رآها مارك بلوخ (في كتابه دفاع عن التاريخ) معوقة للفهم التاريخي لأنها تحاول الانتصار لفكرة مسبقة ولخدمة أغراض معينة قائمة على انتصار الذات وهوس اصدار الأحكام و تسويغ الأفعال. الأمر الآخر هو الجوهرانية "essentialism" القائمة على تصور سمات في أمة أو حضارة ما بأنها خاصة بها دون غيرها، لأنها انبثقت إلى الوجود مع ظهورهم على مسرح التاريخ. والملاحظ على المركزية المعرفية عند المؤرخين اليهوديين أنها مركزية دينية مرتبطة بشكل كامن وربما بطريقة لا واعية بفكرة "الأمة المختارة/الأغيار" رغم عدم تصريحهم بذلك. أما عند المؤرخين الغربيين فهي مرتبطة بالواقع القائم على التقدم والقوة التي يحققها الغرب مقارنة مع الأمم والحضارات والثقافات الأخرى والتطور الحالي دليل على الأسس التقدمية للماضي. فالواقع في هذه الحالة نتاج وعي تاريخي متميز وهذا التميز ما هو إلا جزء أصيل من جوهر العقل الغربي أي منذ نشأته (وهذا الأمر ينسحب على تاريخ العلوم أيضا كما نبهت إلى ذلك لوريان داتسون).[iii]

 

ملاحظة ثانية أن هناك خلط مفاهيمي بين الحس التاريخي historical sense والوعي التاريخي historical awarenes. وقد تفطن إلى هذا الأمر الفيلسوف الألماني غادايمر عندما عرف الأول أنه الخبرة المتراكمة في ممارسة البحث والكتابة والتفسير في التاريخ، بينما عرف الثاني أنه "نقصد بالوعي التاريخي ميزة الإنسان الحديث: الذي يمتلك وعيا بتاريخية كل حاضر وبنسبية كل الآراء ".[iv] لكن تعريفه للوعي لا يبعد عن تلك التعاريف والتصورات التي ارتبطت بمصطلح التاريخانية والذي ازدهر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وتعددت معانيه. فهو إن نجح في التمييز المفاهيمي إلا أنه أخفق في تحديد كنه الوعي التاريخي. والذي يظهر أن تعريفه يشير إلى أن الوعي التاريخي وليد عصر الحداثة وبالتالي فهي سابقة تاريخية (وقطيعة معرفية) لم توجد عند الأمم الماضية (و لا حتى عند الإغريق أنفسهم).

 

هل الوعي التاريخي مرتبط بالكتابة المنهجية النقدية أم تقديم نظريات فلسفية أم هي مجرد الكتابة كممارسة عملية سردية أم ماذا؟ أعتقد أن ما ذكره بول ريكور في كتابه (الذاكرة، التاريخ، والنسيان) هو ملمح لطيف يستحق أن نورده هنا:

"إن وعي التعاقب هو معطى أصلي للوعي: إنه إدراك هذا التعاقب.

 إننا لم نبتعد عن أرسطو الذي يعتبر أن التمييز بين القبل والبعد هو المميز للزمان بالنسبة للحركة.

 إن الوعي الحميم للزمن بما هو أصل وبداية يملك بحسب هوسيرل قبلياته التي تنظم استيعابه".[v]

 

هنا ريكور يمسك بعصب المسألة. فالتاريخ قائم على توالي وتغير الأزمان (لنتذكر عنوان كتاب المؤرخ المسلم مسكويه: تجارب الأمم وتعاقب الهمم) و إدراكها جزء من جوهر الوعي الإنساني عامة. الوعي التاريخي هو أمر يشترك فيه كل الأمم والشعوب. فغياب الكتابة التاريخية بجميع أشكالها عند أمة ما لا يعني غياب الوعي التاريخي وإنما يعني غياب أحد الأشكال المعبرة عن هذا الوعي (ما يسمى بالتمثلات التاريخية). لأننا سنجدهم يعبرون عن وعيهم التاريخي بالتاريخ الشفهي (وهنا دور الذاكرة الجماعية والذاكرة التاريخية) أو الأعمال الفنية (نحت ـ غناء ـ رسومات...إلخ). الملفت أن ريكور ذكر هذا الأمر في فصله عن الذاكرة. والتعاقب لا يتعارض مع نظرية حركة التاريخ الدائرية الموجودة في الفكر الأوروبي والآسيوي. لأن الدائرية تستلزم الحركة والحركة في قانون الوجود الإنساني يستلزم الحدوث أي التغيير. كما أن دائرية التاريخ تعني أن هناك مراحل معينة لن تتحقق إلا بتعاقب داخلي بين هذه المراحل. أنا أتحدث هنا عن المعنى الأولي لهذا المصطلح ولا أعني المعاني الطارئة والإضافية و التي قد "تنسخ" المعنى الأولي بحسب السياق و الاستعمال و الظروف التاريخية.

 

غني عن البيان أن الدراسات ما بعد الاستعمار (ما بعد الكولونيالية) في دول غير غربية رفضت احتكار الوعي التاريخي وأكدت على وجوده في تراثهم و تاريخهم القديم والمعاصر و بأشكال مختلفة و متعددة. على سبيل المثال كتاب Chinese Historical Thinking أو مقال أرفين شارما Did the Hindus Lack a Sense of History)

 

هذه ملاحظات بسيطة ومختصرة حول التصورات المعاصرة للوعي التاريخي.

 



[i] ٨

[ii] ١٤٥نقلا عن: شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي،

[iii] 1001 Distortions: How (Not) to Narrate History of Science, Medicine, and Technology in Non-Western Cultures, 19-23.

[iv] فلسفة التأويل، ١٥٥

[v] ٨٣



اخبار أحدث:

هايدن وايت بالعربي هايدن وايت بالعربي
بقلم : أ.عبدالله العبيد

اخبار أقدم :

صناعة الألقاب_ هيرودوت نموذجا صناعة الألقاب_ هيرودوت نموذجا
بقلم : أ.عبدالله العبيد

قراءة التاريخ الاسلامي من خلال النقوش الآثارية قراءة التاريخ الاسلامي من خلال النقوش الآثارية
د.الزهراء بهزاد


الصفحة السابقة