المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

الحروب الإغريقية – الفارسية المرحلة الأولى: البدايات (521 – 491 قبل الميلاد) 


الباحث في التاريخ أحمد الكوت

الباحث في التاريخ أحمد الكوت

 قبل ان نبدأ علينا إلقاء نظرة سريعة مختصرة على أهم "اللاعبين" في قصتنا ، ولأننا حددنا هدفنا وهو النظرة الموجزة فسنكتفي بتحديد 3 أطراف هي الأهم في تسيير الأحداث وانزلاقها إلى المواجهة الأسطورية ، إمبراطورية ضخمة عظيمة من جهة ودويلات مدن لكن بتقاليد عسكرية شجاعة من جهة أخرى . 

أثينا:
تقع أثينا في جنوب شرق اليونان ، وهي من أقدم المدن الأوروبية وتعد من رموز الحضارة ومنها عرفنا كلمة (ديموقراطية) وهي تتكون من كلمتين "ديموس" وتعني الشعب أو الناس ، و "كراتوس" وتعني القوة ، فالمعنى قوة الشعب .. عانى الأثينيون في البداية من حكم الطغاة خاصة في أواخر القرن السادس قبل الميلاد ، وبعد فوضى وتفلت قاموا بإنشاء أول نظام ديموقراطي عرفه العالم ، لم تكن ديموقراطية كاملة حتى ذلك الحين فمازالت أسر معينة لها نفوذ كبير وكذلك فئات كبيرة بالمجتمع لم يكن لها حق المشاركة مثل النساء ، ولكنها كانت خطوة جريئة سبقت عصرها و فيها مشاركة شعبية كبيرة ومناصب يتم انتخاب أصحابها بشكل سنوي . 
سبارتا:
تقع سبارتا في جنوب غرب اليونان ، وعلى عكس الأثينيين كان للاسبارتيين نظام ملكي غريب يتكون من ملكان من اسرتان مختلفتان ، ومع انهم كانت لديهم مشاركة شعبية في بعض القرارات ، إلا انهم كانوا شعب منغلق بمنتهى الصرامة والقسوة العسكرية .. كانوا بمنطقتهم أقلية وذلك دفعهم لانشاء نظام عسكري يعتمد على القوة والقسوة ، ذلك هو نظام ال "أجوجي" حيث يتم أخذ الأطفال من أمهاتهم من عمر ال 7 وحتى ال 30 ويتم ادخالهم في نظام عسكري ذو تدريبات بدنية بغاية الشدة قد تصل للموت ، في الواقع كان على الاسبارتي أن يقاوم الموت منذ ولادته طفلا ، حيث يتم فحصهم وان تم اكتشاف ضعف أو إعاقة لدى الطفل فسوف يرمى في العراء حتى يموت ! .. لهذا أصبح الاسبارتيون في عصرهم أقوى محاربي الاغريق بل و العالم .
الفرس:
أخيرا وليس آخرا : الفرس وامبراطوريتهم الاخمينية ، الفرس هم جزء من الشعوب الايرانية .. كانوا في البداية مع منتصف القرن السادس قبل الميلاد مجرد مقاتلين أشداء ليست لهم شهرة كبيرة يعيشون في بارسا بإيران الحالية ، ولكن خلال ربع قرن فقط ستكون لهم إمبراطورية لم يعرف العالم لها مثيل اتساعا وقوة – إلى ذلك الحين – وكل ذلك بسبب رجل واحد : قورش الأكبر أو بالانجليزية سايروس (وباللغة الفارسية كوروش) هذا العسكري والحاكم العظيم أسس الامبراطورية الاخمينية وأكمل مرحلة التوسع خلفاءه حتى بلغت الامبراطورية أقصى اتساع لها بعهد داريوس الأول (بالفارسية القديمة دارايا فاهوش) ، مع داريوس ستشتعل الحرب مع الإغريق. 
البداية : من شرارة : 
من دويلات المدن التي خضعت للفرس هي المدن الساحلية الايونية في غرب تركيا حاليا وهم اغريق وقريبين من الاثينيين وكان الفرس قد عينوا حكاما على تلك المدن من أهلها ولكنهم تابعين لهم ، وفي 499 ق.م قام الايونيون بالثورة على أسيادهم الفرس ، كانت دوافعهم اقتصادية بسبب الضرائب وطموح بعض حكامهم للاستقلال وكذلك رغبة شعوبهم في تقليد اقربائهم الأثينيين في الحرية وديموقراطيتهم الحديثة ، إذن البداية ليست في اليونان ولا في قلب الأراضي الفارسية بل في مكان بالمنتصف ! .. حين شعر الايونيين بالخطر الذي وضعوا أنفسهم به وانهم لا قبل لهم بمواجهة أقوى دولة في العالم بعصرهم ، قاموا بطلب النجدة من الأرض الأم : اليونان .. وتحديدا من أقوى مدينتين وهم الاسبارتيون والأثينيون ، أما الاسبارتيون فرفضوا التدخل لأنهم لا يحبذون إرسال جيوشهم خارج منطقتهم بسبب كونهم أقلية في منطقة معادية لهم ، أما الأثينيين فوافقوا على المساعدة وأرسلوا نجدة بحرية عبر عنها أبو التاريخ هيرودوتس ب (بداية المصائب ليس فقط على اليونان بل على العالم أيضا !) . 
مع إنطلاق ثورتهم حقق الأيونيين بعض الإنتصارات بمساعدة أثينية ، أثناء نشوة النصر أو بدون قصد قام الثوار بخطأ شنيع في ميزان تلك العصور : أحرقوا أحد المعابد الفارسية – جريمة لن يغفرها الامبراطور داريوس ولا ابنه من بعده زيركسيس – ولجعل الأمور أسوأ تم إحراق بعض المدن الفارسية كذلك ، ولكن في 494 ق.م كانت الثورة الايونية قد انتهت ونجح داريوس وقادته في اخمادها أولا بقسوة ثم قام باستخدام اللين ومنح الايونيين بعض الحرية والحكم الذاتي . 
إلا أن أكثر ما أغضب الإمبراطور الكبير هو تدخل بعض المدن الاغريقية وخاصة الاثينيين ومعاونة الأيونيين والتسبب في إحراق المعبد والمدن التابعة له .. ولكنه بالطبع يفضل إخضاع أعداءه بدون حرب خاصة مع بعد المسافة وصعوبة نقل جيوش ضخمة ، لهذا أرسل مبعوثين إلى مختلف المدن الإغريقية باليونان يطالبهم بإعطاءه تراب وماء ، ذلك يرمز للخضوع .. العديد من تلك المدن وافقت على طلبه ولكن الأثينيين والاسبارتيين لم يكتفوا بالرفض بل قتلوا المبعوثين ! الاسبارتيين الذين أساسا رفضوا مساعدة الأيونيين كان ردهم هو الأعنف إذ رموا رسل داريوس في بئر عميق وقالوا لهم بسخريتهم المعهودة "هنا بالأسفل لديكم الكثير من التراب والماء فخذوا ما تشاؤون منهما إلى ملككم" وتركوهم حتى ماتوا . 
وهكذا أصبح الصدام حتمي .. غزو كبير من آسيا إلى أوروبا سينتج عنه "إفتتاحية" الحروب الفارسية/الإغريقية : معركة ماراثون