المؤثرات الثقافية المتبادلة بين المسلمين والفرنج في بلاد الشام في عصر الحروب الصليبية 


د. محمد فوزي رحيل

د. محمد فوزي رحيل

 

خلال القرنين السادس والسابع الهجريين دار صراع مرير بين الغزاة الأوربيين وبين المدافعين من المسلمين، وكانت بلاد الشام هي مسرح هذا الصراع، الذي برره الغزاة بانه من أجل السيطرة على المقدسات المسيحية في فلسطين، في حين أن ذلك كان عار من الصحة، حيث أن الدراسات الحديثة لهذا الإقتتال والتطاحن اثبتت ان هذا الزعم عار من الصحة، وأن الحقيقة أن أوربا رامت من وراءه حل مشكلات المجتمع الأوربي المحتدمة آنذاك. وهناك لبس شديد وقع فيه قطاع عريض من المثقفين يتعلق بمسمى وطبيعة الصراع الإسلامي الفرنجي. فمن حيث المسمى هناك اعتقاد أنه مصطلح الحروب الصليبية أطلق على هذا الصراع منذ البداية بسبب خياطة المقاتلين الأوربيين للصلبان على ملابسهم، ومن حيث الطبيعة هناك ظن أن الأمر كله كان قتال دائم ودماء متدفقة على الدوام، وهو ما أدرك خطورته الدكتور فكتور الكك، ومن ثم سعى لتصحيحه في مقال هام حمل عنوان "العلاقات الثقافية بين المسلمين والفرنج في العصور الوسطى" نشر ضمن العدد 42 من مجلة التفاهم الصادرة عن وزارة الأوقاف العمانية. وفي البداية يوضح فكتور الكك أن مصطلح الحروب الصليبية لم يستعمله المؤرخون المعاصرون لهذا الصراع في الشرق أو الغرب على حد سواء، لكن المصادر العربية والفارسية أطلقت على الغزاة اسم الفرنج، بالرغم من تنوع أجناس هؤلاء الغزاة الذين قدموا من كل بقاع أوربا، لكن بسبب غلبة الفرنج بين هؤلاء الغزاة، عدداً ولغةً وثقافةً؛ فقد شاع هذا المسمى عند المؤرخين المسلمين مثل: ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ" ، ورحلة ابن جبير، وابن واصل في كتابه "مفرج الكروب في أخبار بني أيوب"، وابن خلدون في كتابه "العبر " ، وغيرهم . أما الغزاة فقد أطلقوا على أنفسهم مسمى الحجاج وعلى فعلهم اسم "الرحلة إلي الأرض المقدسة" وأحياناً "الحرب المقدسة" ولم يقولوا أنهم صليبيون، ولم يظهر هذا مصطلح "الحروب الصليبية" إلا في القرن الثامن عشر الميلادي حين تزايد الاهتمام الأوربي بهذا الصراع مع اندلاع موجة الاستعمار الأوربي على نطاق واسع في ذلك الوقت. أما اللبس الثاني الذي سعى الكك للفصل فيه هو الطبيعة العسكرية لهذا الصراع، حيث سعى لإماطة اللثام عن وجود علاقات ثقافية تولدت عن هذا الصراع العسكري بين المسلمين والفرنج. فخلال فترات السلم التي تخللت فترات الحروب وجد نوع من التعايش السلمي المؤقت بين الحكام من الطرفين، وكذا بين الفئات المتناظرة تجاراً ونبلاء وفرسان. وضرب الكك مثلاً بعلاقة الصداقة التي ربطت الأمير أسامة بن منقذ بأحد فرسان المعبد. ومن الجدير بالذكر أن الفرسان الداوية وصفتهم المصادر الإسلامية بأنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، ولم ينكر الداوية ذلك ووصفهم دستورهم الصادر في مجمع تروي سنة 1229م أن مهمتهم الأساسية هي كنس الأرض من أعداء المسيح. وبالرغم من كل ذلك تغلبت الإنسانية وربطت الأمير المسلم بالفارس الداوى وصار كل منهم يصف الاخر بأخي ووصل الامر لعرض الفارس الداوى على الأمير المسلم بأن يسمح له بالسفر لأوربا لتلقي أصول الفروسية الاوربية من منبعها لكن الأمير اعتذر بأسلوب رقيق وقبل الفارس الصليبي الاعتذار. وخلص الكك من هذه التجربة إلى أن الغزاة والمدافعين لم يحدث بينهما تفاعل حقيقي وبقى كل منهما يحتفظ بمنظومته القيمية وعدد عوائق هذا الفاعل وفي مقدمتها اللغة حيث ندر أن تعلم أي من الطرفين لغة الآخر وبخاصة أن المجتمع الفرنجي في الساحل الشامي حافظ على انغلاقه على الشرق واكتفى بالانفتاح على الغرب في أسلوب المعيشة والنظم والطابع الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي ومن ثم بقى المجتمع الفرنجي مجتمع مقفل وهذا النوع من المجتمعات "لا ينتج ثقافة ولا يبنى حضارة". وقد وقف الحاجز اللغوي حائط صد منع الاقتباس والتلاقح والتنافذ على المستوى الاجتماعي بين الطرفيين. وبالرغم من ذلك حصل بعض مثقفي اللاتين على بعض المعرفة باللغة العربية مكنت كتاب الفرنج من الحصول عن بعض المعارف عن العرب والمسلمين حتى ألف المؤرخ الصليبي الأشهر وليم الصوري كتاباً في تاريخ العرب، وللأسف لم يصل إلينا هذا الكتاب. وكان إلمام وليم بالعربية إلى جانب اليونانية بالإضافة للفرنسية القديمة لغته الاصلية، ويرجح الكك أن كتاب "تاريخ العرب" هو ترجمة لكتاب ألفه بطريرك الإسكندرية سعيد بن البطريق. كما ترجم اسطفان الانطاكي في مستهل القرن الثاني عشر الميلادي كتاب الملكي في الطب الذي ألفه على المجوسي طبيب عضد الدولة البويهي. كما نقل فيليب الانطاكي عن العربية اللاتينية رسالة لأرسطو في فن الحكم والطب والتنجيم. وقد شغف بالحضارة الإسلامية وعلومها رينالد حاكم صيدا، وكان ريمون التولوزى كونت طرابلس ملماً بالعربية وكذلك بلدوين الثالث ملك القدس. وقد تحصل الفرنج على بعض المعارف الجغرافية العربية بسبب طول مقامهم في الساحل الشامي، وكان ذلك ضرورة لاستقرارهم وتوسيع تجارتهم وتنويع مصادر دخلهم. وبسبب منافع التجار سعى الأوربيين للتعرف على مصادر التجارة الضخمة التي تصل ليد المسلمين، ومن هنا نشطت الحملات السرية للتعرف على منابع هذه التجارة ونشر المسحية في هذه المنابع؛ أملاً في تجفيف منابع ثروة المسلمين المتحصلة من التجارة في ذلك الوقت. ومن أشهر من عملوا في هذا المجال لويس ملك فرنسا الذي أرسل عام 1252م بعثة تبشيرية للخان المغولي على راسها وليم ربروك. وقد نتج عن هذه المساعي لجمع المعلومات الجغرافية والعسكرية نمو ثقافة الدلالة أو الإرشاد التي ازدهرت في فلسطين لإرشاد الحجاج المسيحيين لأهم المزارات المسحية في الأرض المقدسة التي وردت في الإنجيل، وهو ما فتح عيون الأوربيين على جغرافية هذه الأماكن ومن ثم نقلوا هذه المعارف إلى مواطنهم على نحو واسع، كما يتضح من كثرة رحلات الحجاج المدونة في عصر الحروب الصليبية مثل، رحلة دنيال الروسى، ورحلة سايولف الإنجليزي، ورحلة الالمانى يوحنا الورزبرجي، والكريتي يوحنا فوكاس وغيرهم كثير. ويرى المؤرخ الكك أن من أهم أسباب تسمية الغزاة الأوربيين بالفرنج في المصادر العربية سببه غلبة الثقافة الفرنجية على جل المستقرين في المستعمرات الصليبية وهو ما فتح الباب لانتشار اللغة والثقافة الفرنسية في الساحل الشامي قبل أي ثقافة لأي من شعوب أوربا مثل الإنجليز والألمان. ويشير كاتب المقال لموضوع بالغ الأهمية وهو أن الثقافة الجغرافية التي تحصلت للأوربيين الذين أقاموا في الشرق أدت لتوسيع أفق تفكيرهم من مجرد الخلاص الأخروي بقتال المسلمين إلى التكيف مع حياة علمانية يسرها لهم الاتصال بديانة الإسلام. كما خففت من تعصبهم وعقيدتهم في احتكار الحقيقة، فتبينوا إمكانية العيش في مجتمع متعدد الديانات مثل المجتمع الاسلامي الذي احتضن الجميع ولم يلفظ أحد وقد نتج عن هذا التوجه بجانب ما تأثر به الأوربيون من حضارة المسلمين في الاندلس إلى نمو تيار في فرنسا في القرن الثامن عشر الميلادي مؤداه أن المسيحية لا تحتكر الحقيقة وحدها، والنظر للإسلام وديانات الشرق نظرة متسامحة وفي مقدمة من نحى هذا المنحى فولتيير ومونتسكيو وديودور وغيرهم. كما رجحت كفة الإيمان بالعقل على الإيمان بالدين لدى النخب وهو ما مهد للثورة الصناعية في أوربا. كما زودت الحروب الفرنجية أوربا بمعارف واسعة عن الزراعة حيث قرأ الأوربيون المؤلفات العربية في الزراعة بعد ترجمتها في الأندلس وتم نقل عدد كبير من النباتات من بلاد الشام إلى أوربا ومنها القطن والليمون والبطيخ بجانب كثير من الصناعات المتعلقة بالزراعة والغير مألوفة لديهم آنذاك مثل صناعة السكر والحرير والأصباغ. ومن هنا لا نستغرب انتقال كثير من المسميات العربية للغة العربية كما هي دون تغيير. ويؤكد الكك تأثر الاوربيين بقول الله عز وجل في القرآن الكريم :"ولا تنس نصيبك من الدنيا"(سورة القصص، أية 77) وهو ما شجعهم على أنماط الحياة المرفهة وهو تحول خطير في الذهنية الأوربية نحو حياة النعيم بدلاً من الصرامة القائمة على الخوف من إثم الخطيئة وعذاب جهنم. وترتب على ذلك معرفة الأوربيين لحمامات السباحة والحمامات العامة وتأنق النساء في الزينة، كما انتقل الزي الإسلامي الفضفاض لنساء الفرنجة التي تفننوا في تطريزها بالحرير والمزينة بالرسوم. ويري الكك أن من المؤثرات العربية الاهتمام بكتابة التاريخ وأن كتاب وليم الصوري "تاريخ الأعمال التي وقعت فيما وراء البحار" هي ضرب من ضروب هذا التأثر حيث كان الأدب التاريخي مزدهر في الشرق في ذلك الوقت. ومن مظاهر التأثر الثقافي حث المبشر ريموند لول لمجمع فيينا سنة 1310م على ضرورة إنشاء سبع مدارس لتعلم العربية واللغات الشرقية في أوربا. كما تأثر الفرنج بالأدب المنظوم فظهرت أشكال عديدة لمعالجة تاريخ الحروب بين العرب والفرنج ومنها طريقة المعالجة الأمينة الصادقة مثل منظومة امبرواز للحملة الصليبية الثالثة، ومنها ما غلب عليه الروح الشعري مثل انشودة أنطاكية. وهناك وجهة نظر للدكتور الكك جديرة بالاحترام فحواها أن خسارة الأوربيين للحرب مع المسلمين وطردهم من ساحل بلاد الشام في نهاية القرن الثالث عشر الميلادى دفعهم جدياً لارتياد آفاق جديدة وهو ما فتح المجال للكشف الجغرافي للعالم الجديد (الامركيتين واستراليا). والحقيقة أن تأثر الفرنجة  الثقافي بالعرب والمسلمين كان وقفاً على النخبة الحاكمة وسبب ذلك عدم وجود طبقة وسطة ذات تأثير ذا بال، ومن أدلة ذلك تدنى الممارسات الطبية في المجتمع الصليبي غير أن طبقة الصفوة استفادت على نحو جيد من الأطباء المسلمين. ومن هنا أخذ الفرنج عن المسلمين سنة تأسيس المستشفيات في عدد من المدن الصليبية مثل عكا وصور وأنطاكية. وكان مجال فن الحرب مجالاً رحباً لتأثر الفرنج بالمسلمين فقد أخذوا عنهم بعض الوسائل التقنية في تدمير الحصون واقتحام المدن المحاصرة. وكذلك تركيبات بعض القذائف النارية التي تستخدم في تدمير السفن والتي عرفت بالنار الإغريقية. كما نقل الأوربيون عن المسلمين تحضير واستخدام الباروود. وقد تسبب صراع المسلمين مع الافرنج في نقل الأخيرين عن البيزنطيين طريقة بناء القلاع المستديرة، وطريقة الأسوار المتتالية. كما انتقلت كثير من الصناعات إلى أوربا ومنها صناعة الزجاج المتشكل بالنفخ، ومن الطريف أن بوهمند السابع أمير انطاكية وطرابلس (1275-1287) عقد اتفاق مع حاكم البندقية تعهد فيه بنقل سر صناعة الزجاج المشرقي للبندقية. كما نقل سر صناعة الورق الدمشقي إلى أوربا على يد عدد من الاسرى الذين أسروا في حملة لويس السابع على مصر والشام وعرفوا طريقة تصنيعه فلما فكوا من أسرهم عادوا إلى أوربا أسسوا مصنعاً للورق في مقاطعة أوفرنييه، وتأثر الفرنج بالمسلمين في فن المعمار خاصة العمارة الحربية. ومن طرائف التأثير الفرنجي على المسلمين تبدل مقاييس الجمال لدى الشعراء العرب فبعد ان كان الشعراء يتغنون بالمرأة السمينة منذ العصر الجاهلي تغير ذلك بسبب مشاهدتهم للجمال الأوربي، وقد ظهر ذلك في كثير من القصائد التي مدحت الجمال الرشيق الذي تعرفوا عليه من خلال النساء الأوربيات في بلاد الشام إبان عصر الحروب الصليبية.
  - باحث في التاريخ الإسلامي والوسيط
عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية
Raheela2010(at)gmail(dot)com


اخبار أقدم :

الأندلس.. بين الحالمون والواهمون الأندلس.. بين الحالمون والواهمون
بقلم الكاتب: أحمد السميط

الحضور الأندلسي في الحياة الإسبانية المعاصرة الحضور الأندلسي في الحياة الإسبانية المعاصرة
الباحث في التاريخ الاندلسي سعد الغامدي


الصفحة السابقة