المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

المصادر لتاريخية (2) : كتب البلدانيين والجغرافيين والرحالة 


د. الزهراء بهزاد

د. الزهراء بهزاد

 كانت حاجة الدولة الإسلامية إلى معرفة الأقاليم التابعة لها بيئة وسكاناً وموارد، هي السبب الرئيسي في تأليف كتب (المسالك والممالك)، فلقد دعت الحاجة الإدارية والمالية والتنظيمية إلى وصف أقاليم الدولة، ومعرفة الطرق ومراحلها، والمسافات بين الأقاليم، والطرق التجارية والبحرية، والاهتمام بغلات الأرض ومعادنها، هذا فضلاً عن الرغبة في معرفة البلدان التي فُتحت وكيفية فتحها، وهي القضية التي فرضت نفسها على المسلمين مبكراً، لمعرفة التعامل مع أهل الذمة، وتوضيح مقادير خراجاتهم وجزيتهم. وبتأثير من هذه الحاجة تم تعيين مجموعة من الرحالة للقيام بهذه المهمة بتكليف من الخليفة فظهر فريق من الجغرافيين عُرفوا باسم (الجغرافيين الرحّالة). 

وتعتبر كتب البلدانيين بما ورد بها من معلومات دقيقة ومفصلة مقدمة لكتب الجغرافيين، التي ازدادت فيها المعارف أكثر من كتب البلدانيين، ومن أشهرهم: ابن خُرداذْبه صاحب أول مؤلف يحمل اسم (المسالك والممالك)، وإبن حوقل، وقُدامة بن جعفر صاحب كتاب (الخَراج)، وابن رُسْتَه صاحب كتاب (الأعلاق النفيسة)، والإصطخري، والكرخي، البلخي وغيرهم. وكانت كتب البلدانيين والجرافيين معاً القاعدة الأساسية لكتب الرحالة بعد ذلك. فكل البلدانيين والجغرافيين رحالة، وليس كل الرحالة بلدانيين أو جغرافيين. 
إبن حوقل (ت. 367هـ/ 977م(: هو ابو القاسم محمد بن علي النصيبيني. جغرافي ورحالة، ولد في نصيبين عام 920م، وتوفي في بغداد عام 977م. وقد بدأ ابن حوقل الرحلة من بغداد سنة (331 هـ/943 م)، متجهاً شرقاً نحو بلاد فارس، والتقى سنة (340هـ/952م) بالجغرافي الشهير الإصْطَخْري أبو إسحاق المعروف بالكَرْخي (ت. 346هـ)، صاحب كتاب (المسالك والممالك)( ). أمضى ابن حوقل في رحلاته ثلاثين سنة، تجوّل خلالها في أرجاء العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، من نهر السند حتى ضفاف الأطلسي، وشملت رحلاته مناطق شاسعة من قارات العالم القديم الثلاثة. وقد اتهمه دوزيه بانه كان جاسوسا فاطميا، ونهج الزركلي نهج دوزيه فقال "ويقال: كان عَيْناً للفاطميين" (الزركلي: الأعلام، 6/111).  وان هذا كان سبب تحامله على بعض الحكام من غير اهل الشيعة. والحق ان ابن حوقل لم يقدر حكام او شعب الاندلس والمغرب، وانعكست هذه الكراهية على كتاباته. وقد رد المؤرخ الاندلسي ابن سعيد في القرن الثالث عشر على اتهامات ابن حوقل للاندلس، واعاد كتابة تاريخها في كتاب ابن حوقل (صورة الارض).
المقدسي: كان في خلافة العزيز بالله الفاطمي سنة 375هـ، ويعد المقدسي هو مؤسس كتب الرحالة وواضع منهجها، ويعتبر كتابه (أحسن التقاسيم إلى معرفة الأقاليم) أفضل كتاب جغرافي إسلامي
أنواع الرحالة: 
1- رحالة مشارقة 
ومنهم ناصر خسرو المتوفي عام 481هـ، وهو رحالة وشاعر فارسي، اعتنق المذهب الشيعي الإسماعيلي وعمل من خلال رحلاته داعياً لمذهبة. وهو كابن حوقل كانت رحلته نوعا من التجسس لصالح الدولة الفاطمية. وكتب خلال رحلته التي كانت خلال الفترة (437- 444هـ) كتاب الأسفار أو "سفر نامة"، وقد ألف الكتاب باللغة الفارسية وهو مترجم حالياً إلى العربية. وقد دوّن في كتابه أخبار أسفاره في أرجاء العالم الإسلامي، وترجع أهمية رحلته إلى تتبع أحوال المدن، وامتاز بوصف دقيق لبيت المقدس ووصف نادر لأحوال وسط وشرق الجزيرة العربية أيام القرامطة والأخيضريين في القرن الخامس الهجري (11م). كما تحدث عن الدولة العيونية التي حكمن في منطقة الأحساء والبحرين، ويعد ناصر خسرو المصدر التاريخي الوحيد الذي أشار لهذه الدولة، ومنذ فترة تم العثور على خبيئة بها مجموعة كبيرة من نقود هذه الدولة، والتي من خلالها تعرفنا بشكل تفصيلي على حكام الدولة العينية واسمائهم وفترات ونطاق حكمهم. 
ومن الرحالة المشارقة كذلك الهروي (ت:611هـ) وهو من هراه وله "الإشارات إلى معرفة الزيارات" وقد زار فلسطين سنة 569هـ، ومر بالقدس والخليل وغيرهما، ويصل إلى ثغر عسقلان في العام التاني، وفي العام نفسه كان في الإسكندرية، ويتجول في الديار المصرية حتى أسوان، فيحدثنا عن كل ذلك ويروي لنا ما مر به من مشاهدات وملامح هامة عن هذه البلاد.
أما عبد الغني النابلسي (ت: 1143هـ) فيعد أفضل من وصف الآثار من الرحالة وسجل النصوص التأسيسة المدونة عليها في رحلته المسماه "الحقيقة والمحاز في الرحلة إلى بلاد الشام ومصر والحجاز"، وله أيضا "الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية"، و "التحفه النابلسية في زيارة لبنان وطرابلس المحميه".
ونختم الرحالة المشارقة بالرحالة التركي الشهير أوليا شلبى (ت: 1695م) والذي استمرت رحلته أربع وأربعون سنة سجل أحداثها ومشاهداته في عشرة مجلدات أختص الجزء العاشر منها بمصر والحبشة والجزيرة.
2- رحالة مغاربة
يفوق عددهم عدد الرحالة المشارقة وربما يرجع سبب ذلك إلى بعد أقطار المغرب والأندلس عن مراكز الثقل الحضاري والمراكز العلمية في المشرق من ناحية، ومن ناحية أخرى وجود المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال في المشرق دفعهم للقيام برحلاتهم إليها. ولا نغفل أن الإجهازات النصرانية المتكررة على المدن الإسلامية في الأندلس خلال ما عًرف في التاريخ بحركة الاسترداد نتج عنها هجرة الكثير من المغاربة إلى الشرق، وعلى رأسهم الصوفية ومشايخهم والذين استقر معظمهم في المدن الساحلية بمصر.  
ومن الرحالة المغربة ابن عبد ربه (ت: 328هـ)، والبكري وله "المُغرب في ذكر بلاد أفريقيا والمغرب"، وابن جبير والذي قام بثلاث رحلات إلى شرق، ودُفن في الإسكندرية بمنطقة سيدي جابر، ومن رحلات المغاربة الهامة كذلك "الإستنفار في عجائب الأمصار" ومؤلفها مجهول وكانت رحلته عام 527هـ تقريبا. ورحلة العبدلي، وقد حُققت ثلاث مرات، وأفضل تحقيقاتها وأهمها تحقيق محمد الفاسي. ثم رحلة البلوي "تاج المفرق في تحديد علماء أهل المشرق" 458هـ، وقد حققها حسن السائح. والتجيبي السبتي وله "مستفاء الرحلة والإغتراب" وقد حققه الحفيظ منصور بتونس 1997م، وعندما نتحدث عن المغاربة يبقى الأشهر ابن بطوطة (ت: 786هـ) كانت رحلته من طنجة إلى الصين، وقد نقل ابن بطوطة الكثير من الأخبار عن ابن جبير، ولكن الجديد الذي جاء به هو المقارنة التي عقدها بين مصر والمغرب. شأنه في ذلك شأن الرحالة الورثلاني نسبة الى قرية ورثلان قرب بجايه بالجزائر والذي عقد كذلك مقارنة بين الأوضاع الحضارية في المشرق وتلك التي عاشها في المغرب، في كتابه "نزهة النظار في فضل علم التواريخ والأخبار" المعروفة بـ "الرحلة الورثلانية". أما ابن خلدون فقد دون رحلته عام 804هـ بعنوان "التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا"، وله كذلك "ابن خلدون وكلافيجو في بلاط تيمور". اما ابن الأزرق وهو تلميذ ابن خلدون وله "بدائع السلك في طبائع الملك" وقد حققه سامي النشار. وجاء من بعده التمكروني وله "النفحة المسكية في السفاره التركيه"، وعبد السلام الدرعي وغيرهم. ولا يمكن أن نذكر الرحالة المغاربه دون أن نذكر الحسن ابن محمد الوزان المعروف بليون الأفريقي، وله "وصف أفريقيا" ويعتبر هو أول من اكتشف مجاهيل القارة الأفريقية وسجلها في رحلته، وقد سرق مارمول كرفاخال الأسباني رحلة الوزان الفاسي ونسبها لنفسه.
3- رحالة أجانب (أوربيين ومستشرقين)
وتعتبر كتابات الرحالة الأجانب أحد أهم مصادر التاريخ الإسلامي. وكان قدومهم إلى المشرق قبل عام 96هـ بدافع انبهارهم بالحضارة الإسلامية التي تمكنت في فترة وجيزة من القضاء على أقوى امبراطوريتين في ذلك الوقت. وكان من أهم الرحالة في تلك الفترة آركولف والذي سجل رحلته عام 50هـ ويمكننا من خلال مشاهداته وكتابته دراسة العمائر الإسلامية المبكرة، والتي تغيرت معالمها فيما بعد. فعلى سبيل المثال هو أول من يصف المسجد الأقصى الذي شيده عمر ابن الخطاب بدقة قبل أن يعيد الأمويين بناءه فتتغير ملامحه القديمة. ومن الأوربيين الذين قدمو إلى المشرق بدافع الانبهار كذلك الأب جرانجي وهو طبيب انجليزي كان مغرما بابن البيطار الصيدلي المسلم العظيم، وقد كتب جرانجي الكثير من الوثائق خلال رحلته في المشرق والتي جمعت فيما بعد في كتاب.
اما النوع الثاني من الرحالة الأجانب فكان مجيئهم إلى الشرق بدافع الجاسوسية ودراسة مواطن القوة والضعف في الدولة الإسلامية والذين كانت كتابتاهم مرشدا أساسيا للصليبين في حروبهم التي بدأت في الأندلس سنة 478هـ، وكما كانت الحملة الفرنسية على مصر نتيجة أيضاً لتقارير الرحالة وعلى رأسها الرسائل الخمسة عشر التي كتبها دي ميليه. كما قاموا برجمة كتاب المقريزي ودراسته، ولذلك عندما اقتحموا بخيولهم القذرة الجامع الأزهر رفع نابليون كتاب المقريزي ورسائل دي ميليه بيديه قائلا: "لقد نفعنا هذين الكتابين".
النوع الثالث والأخير من الرحالة الأجانب هم من جاءوا بدافع العلم أو الدين واكتشاف الشرق الحقيقي مهبط السيد المسيح عليه السلام، وكانوا على جانب كبير من التخصص: فكانوا رجال دين أو صيادلة أو مستكشفون، أو أطباء وهو ما عكسته كتاباتهم التي جاءت صادقة منصفة في اغلبها. وقد قاموا بنقل جميع المخطوطات التي اتيحيت لهم من المشرق بطرق مشروعة او غير مشروعه.
ومنهم كراتشكوفسكي، صاحب كتاب "تاريخ الأدب الجغرافي العربي" وقد ترجمه الى العربية في مجلد ضخم من 1300 صفحة العالم السوداني صلاح الدين عثمان هاشم، ويمكن اعتبار هذا الكتاب أفضل ما كُتب، في هذا الموضوع، في اللغات كافة، لأنه، قدم موسوعة حقيقية دقيقة وعابقة بالمعلومات والسير والتحليلات. ومنهم كذلك الرحالة فانسليب، وقسطنطين فرانسوا ڤولني والرحالة بير بيلون ديماند، وديفد ريبورتس وغيرهم.
وبعض هؤلاء الرحالة لهم أهمية من نوع خاص اذ ان كتاباتهم كانت مصحوبة برسومات سجلت عادات وتقاليد مختلفة وهامة جدا، ثم كانت الرحلة الثانية من هذه اللوحات وهي مرحلة التصوير الأركيولوجي بالكاميرا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. 
وتكمن أهمية كتب الجغرافيين والرحالة بشكل عام في أنها المصدر الأساسي لدراسة الأنثروبولوجيا وهي كل ما يتعلق بتاريخ علم الإنسان في شتى جوانبه، وينبثق عن الأنثروبولوجيا علمين أساسيين هما: علم الأنثوجرافيا، وعلم الأنثرولوجيا، وأول من وضع هذا التصنيف هو الفيلسوف والمؤرخ الأندلسي ابن طفيل، والذي يبدوا انه قام بجولات في غرب افريقيا. وقد نسب الأوربيون رحلاته لأنفسهم باسم (رحلات جنيفر) ويؤيد هذا المخطوطات التي عثر عليها له.
1- علم الأنثوجرافيا: وهو دراسة وصفية لعادات وتقاليد الشعوب. واحسن من يصف ذلك الرحالة لأنه من المعروف أن عين الغريب تلتقط كل ما هو غير مألوف في البلد التي قدم منها، ولذلك تأتي كتابات الرحالة في هذا المجال الأقرب أكثر واقعية وصدقاً. 
2- علم الأنثرولوجيا: وهو الدراسة التحليلية لعادات وتقاليد الشعوب ومعرفة الأصيل منها والدخيل نتيجة الهجرات والفتوحات وغيرها.
ونرى ذلك بوضوح في كتاب الإعتبار لاسامه ابن منقذ، والذي كان قائدا في بلاد الشام وقد عاش خلال العصرين الفاطمي والأيوبي، وعاصر الحروب الصليبية، وكان صديقاً لبعض الأمراء الصليبيين، وفي كتابه الإعتبار تحدث ووصف الكثير من عادات المجتمعات الأوربية السيئة والمرزولة كما وصفها. ولأن الثقافة هي معيار خصوصية الشعوب وإثبات الهوية والذات فهي متجذرة تجدر التاريخ ومعبرة عنه. أما البيروني العالم العظيم والرحالة المبدع فقد بلغ من الذكاء منتهاه في كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرزولة" فخلال رحلته الى الهند وصف وتحدث عن إيجابيات وسلبيات ما رآه في بلد تضم أكثر من مائتي ديانة وما يزيد عن مئة وخمسون لغة. ومن نماذج العصر الحديث رفاعة الطهطاوي والذي اختاره محمد علي عام 1820م كمرشد للبعثات العلمية في باريس، التي وجد فيها "كل ما هو مختلف وشاذ" عما اعتاد عليه من عادات وتقاليد، فسجل مشاهداته في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" ويعتبر هذا الكتاب عصب دراسة المجتمع الفرنسي خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. وقد تُرجم هذا الكتاب إلى جميع اللغات الأوربية.
( ) قيل أن (المسالك والممالك) لإبن حوقل كان اصلا للاصطخري، وان الاصطخري قد رغب الى ابن حوقل ان يراجعه فانتحله الأخير لنفسه. وبمقارنة كتاب ابن حوقل بكتاب الإصطخري يظهر أن الأول يدين للثاني بأكثر مما يعترف به، فقد أخذ عنه مخططاته، فضلاً عن فصول برمتها، كالتي تتعلق بجزيرة العرب، والخليج العربي، وخوزستان، وفارس، وكرمان، وحوض نهر السند، والدَّيْلم، وبحر الخزر، وهي فصول اكتفى ابن حوقل بأن أضاف إليها زيادات هامة، ولكنها مقتضبة جداً، كما استعار منه معظم الأبحاث المتعلقة بمصر وبلاد الشام والعراق وبلاد ما بين النهرين. ومع ذلك كان لابن حوقل نهج رسمه لنفسه في تأليف كتابه؛ إذ أن ابن حوقل التزم المنهج التوثيقي، كما اعتنى بالجغرافية الوصفية، فرسم لكل اقليم خارطة مستقلة، وجمع خرائطه جميعا في اطلس واحد. ولأطلس ابن حوقل اهمية بالغة، اذ يعد أول الاطالس الاسلامية التي يظهر فيها العالم المعروف وقتئذ اهليجيا بدلا من مستديرا.