المدونات

  • المحتوى المنشور يمثل رأي كاتب المدونة ولا يعكس وجهة نظر إدارة المركز.
  • المحتوى المنشور لم يخضع لاشتراطات التحكيم العلمي.

المصادر التاريخية (1) : (كتب الحوليات) 


د. الزهراء بهزاد

د. الزهراء بهزاد

 من المسلم به أن المصادر تشكل النبع الذي ينهل منه المؤرخ الحديث العناصر الأولى التي يشيد منها بناءه، فالمصادر هي الأساس في الحكم على مدى صحة أي رواية تاريخية مع مراعاة مدى صحة المعلومات والأخبار الواردة فيها. حيث يجب على المؤرخ أن يقوم بعملية "غربلة" دقيقة إن صح القول لكل ما يقرأه من معلومات واردة في هذه المصادر للوصول إلى الحقيقة التاريخية. والحق أن المشتغل بالتاريخ الإسلامي لا يستطيع أن يكون مؤرخاً موفقاً إلاّ إذا كان له إلمام كبير بالمصادر التاريخية وأنواعها.

ويمكن تقسيم مصادر التاريخ الإسلامي إلى ثلاثة أقسام أساسية هي:
1- كتب الحوليات
2- كتب البلدانيين (الجغرافيين) والرحالة
3- كتب التراجم والطبقات والسير
أولا: كتب الحوليات
ويقصد بها الكتب التي ترصد وتسجل أحداث التاريخ الإسلامي وفق السنين من الجانب السياسي، الإقتصادي، الديني، الإجتماعي،...الخ؛ ، ويكون ذلك خلال الفترة التي عاشها المؤرخ المعاصر، أو التي سمع عنها المؤرخ الناقل.
والحوليات نوعين:
أ‌- الحوليات العامة
وهي تلك التي تتناول أحداثاً عامة متسلسلة زمنياً وفق السنين ولكن دون ربطها بمكان أو قُطر محدد، ويعد كتاب (تاريخ الرسل والملوك) للطبري (ت: 310هـ)، والمعروف باسم تاريخ الطبري، أقدم وأهم هذا النوع من الحوليات، وهو يؤرخ للفترة منذ بدأ الخليقة وحتى عام 300هـ. والكتاب من كتب الحوليات التي أعتمد فيها الطبري على النقل والإسناد ففيقول في مقدمة كتابه: "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضيين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فيعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أًدي إلينا". وقد تم تحقق تاريخ الطبري عدة تحقيقات؛ يعد تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم( ) المنشور في عشرة أجزاء من أفضلها.
كما يدخل (الكامل في التاريخ) لإبن الأثير، ضمن الحوليات العامة، وهو يُعد مكمل لتاريخ الطبري فيتناول أحداث الفترة الزمنية من عام 300هـ وحتى عام 628هـ. وقد حققه محمد يوسف الدقاق ورفاقه، ونُشر كذلك في عشرة أجزاء. 
ومن الحوليات العامة كذلك (العقد الفريد) لإبن عبد ربه (ت: 328هـ). وكان يسمى عند تأليفه بالعقد، ثم أضيفت كلمة الفريد عليه في وقت لاحق لروعته وتفرده.( ) يُذكر أن المعتمد بن عباد قال عنه: "نُقل إلينا المشرق من خلال العقد".( ) وقد قسم ابن عبد ربه العقد إلى خمسة وعشرين باباً أو كتاباً حمل كل كتاب منها إسم حجر كريم، كاللؤلؤة والزبرجده والمرجانة والياقوتة والجامانة،..الخ. وللعقد الفريد ستة عشر تحقيق مختلف منذ عام 1940م. 
ب‌- الحوليات الأقليمية
وهي الحوليات التي ترتبط ببلد واحد وترتب الأحداث بها وفق السنين أيضاً، وقد ترتبط بعصر معين، وقد لا ترتبط بفترة محددة مثل (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة) لإبن تغري بردي، وهو محقق ومشور في 16 جزء، حقق الأجزاء من الأول وحتى الثاني عشر محمد بك رمزي( )، ثم حقق الأجزاء الأربعة الأخيرة وكتب الفهارس فهيم محمد شلتوت. وكذلك من الحوليات الأقليمية غير المرتبطة بفترة محددة (بدائع الزهور في وقائع الدهور) لإبن إياس. وهو محقق ومشور في 5 أجزاء، يغطي التاريخ الإسلامي في مصر وفق السنين تناول عصر الغوري وقايتباي وفترة قضاء العثمانيين على المماليك في مصر كما تناول فترة الحكم العثماني لمصر. 
أما الحوليات الأقليمية والتي ترتبط بفترة معينة، فمن أهمها (السلوك لمعرفة دول الملوك) للمقريزي، وهو محقق ومنشور في إثنى عشر جزءاً، حقق أول ثلاثة أجزاء دكتور محمد مصطفى زيادة،( ) ثم إستكمل تحقيق باقي الأجزاء (الثالث والرابع) تلميذة الدكتور سعيد عاشور( ) ونشرهم في 6 مجلدات ما بين عامي 1970- 1973م. 
ومن الحوليات الإقليمية الهامة كذلك (نزهة النفوس والأبدان في تواريخ أهل الزمان) للصيرفي (ت: 900هـ) وهو يتحدث عن العصر المملوكي، تحقيق حسن حبشي( ).
( ) كان رئيساً للجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، حقق في مجال التاريخ الإسلامي: سيرة إبن هشام، ومروج الذهب للمسعودي، ووفيات الأعيان لإبن خليكان، ووفات الوفيات لإبن شاكر، ونفخ الطيب للمقري، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، ووفاء الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي. توفي رحمه الله عام 1980م.
( ) قيل أن أول من أضاف كلمة (الفريد) للعقد هو الأبشيهي صاحب المستطرف. عبد الله حازم: العقد الفريد بين المشرق والأندلس، مجلة آداب الرافدين، 1976.
( ) يذكر الأستاذ الدكتور محمد حمزة الحداد أن زيارة إبن عبد ربه للشرق كانت قبل عام 300هـ، ذلك أن حادثة سرقة الحجر الأسود كانت منذ عام 317هـ، وحتى عام 119هـ، وهو ما لم يشر له ابن عبد ربه عند زيارته للمسجد الحرام، وكان ابن عبد ربه ملازماً للخليفة في الأندلس خلال الفترة من عام 300هـ، وحتى عام 316هـ. محمد حمزة الحداد؛ دراسة جديدة لعمارة الجامع النبوي الشريف في ضوء مشاهدات الرحالة ابن عبد ربه الأندلسي، مكتبة زهراء الشرق، ط2، ص13.
( ) يُعد محمد رمزي من أفضل من حققوا المصادر التاريخية، رغم عدم تقلده منصباً أكاديمياً حيث كان موظفاً بوظيفة كتابية صغيرة بوزارة المالية بمديرية الدقهلية، إلا أنه كان ذو ثقافة تاريخية واسعة فكان يحمل معه دائما خطط المقريزي وخطط علي باشا مبارك، يسترشد بهما في تنقلاته في الريف لتحقيق تاريخ البلاد المصرية وأسماء مواقعها، وبذلك جمع بين الدراسة والبحث والتحقيق العلمي وبين الدراسة الحقلية، وبذلك أكسب دراساته مصداقية نادرة. كما أوغل في مؤلفات إميلينو، وهنرى جويتييه وقادته أبحاثه إلى دراسة التاريخ، فقرأ ما كتبه الرحالة والجغرافيين المسلمين مثل المقدسي وابن رسته، وابن حوقل، وابن خرداذبه، وقرأ بعناية النجوم الزاهرة لابن تغري بردي وبدائع الزهور لابن إياس الحنفي وتاج العروس. حتى صدر كتابه الموسوعي "القاموس الجغرافى للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945" وهو في الستين من عمره. عكف رمزي بعد إحالته إلى المعاش على كتابة التحقيقات الجغرافية لكتب تاريخ مصر في العصر المملوكي، مثل النجوم الزاهرة، وتحفة الإرشاد. وله أبحاث عديدة لم تنشر توفي محمد رمزي في فبراير سنة 1945م.
( ) درس التاريخ في جامعة ليفربول وعاد إلى القاهرة بعد حصوله على الدكتوراه عام 1930م، فعين مدرسا لتاريخ العصور الوسطى بكلية الآداب- جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا) لسكون بذلك أول مدرس لتاريخ العصور الوسطى بالوطن العربي، كان له مدرسة في النقد والتحليل والتحقيق والترجمة. وله إنتاج وافر وجهود رائد في هذه المجالات، تتلمذ على يديه كبار أساتذة تاريخ العصور الوسطى وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور. 
( ) سعيد عبد الفتاح عاشور استاذ تاريخ العصور الوسطى بكلية الآداب، جامعة الإسكندرية. عمل كأستاذ زائر وترأس الدكتور عاشور كرسي العصور الوسطى لعدة عقود بالجامعات المصرية والعربية. له مشوار علمي حافل وله اكثر من 22 كتاباً في تاريخ العصور الوسطى، بإلإضافة إلى مجموعة كبيرة من الدراسات والبحوث والتحقيقات.
( ) لقّب الدكتور حسن حبشي بشيخ المؤرخين العرب، حيث تجاوزت عدد كتبه الخمسين بين تأليف وتحقيق وترجمة، يعتبر أهم مؤرخي الحركة الصليبية، عمل في دار الكتب المصرية، وكان عضوا في لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة، كان أستاذ في تاريخ العصور الوسطى في جامعة عين شمس. توفي رحمه الله عام 2005م.