كشف المفغْمورين |
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
مبارك الخاطر |
فَرَغْتف منذ مدةف من كتاب (المغمورون الثلاثة) لمبارك الخاطر؛ وهو كتابٌ يفصنَّف من كتب التراجم، أي أنّ مبارك الخاطر ترجم فيها لثلاث شخصيات من علماء البحرين أو أدباءها، ممن اعتبرَهم (مغمورين) ولم يفسلّط الضوء عليهم كما يجب، والخاطر ليس هذا أول كتبه في التراجم، بل أفردَ مؤلَّفاتف عن أشخاص بأعيانهم، رأى أنه كان لهم بالغف الأثر أو استطاع الحصول على معلومات أكثر -لقرب العهد- فاستطاع أن يففرفدَهم في مؤلَّفف مفستقل، ومن تلك الشخصيات الشيخ القاضي (قاسم المهزع) والصحفي (عبد الله الزايد) والمؤرّخ (ناصر الخيري) إلا أنّ الأخير وجد الخاطر صعوبةً في الحصول على معلومات عنه كما ذكر ذلك في مقدمة الكتاب رغم أنه عاصرَ أصحابه! صحيح أنّ مبارك الخاطر لم يَجرف على النسق التقليدي في تراجم المشايخ؛ فأحياناً تكون التراجم قائمة على مجرد الرواية في غالب الأحيان، وهذا تراه في كتاب (سفيَر أعلام النبلاء) للذهبي، فيروي الترجمة بناءً على روايات تم تناقلها من شخص إلى آخَر إلى أن وقف عليها الذهبي أو رفويَت له، و في الزمن المتقدّم لم يفعهد على العلماء أو الأئمة أن يترجموا لذواتهم؛ ربما لاعتبارات متعددة منها، الخوف من الوقوع في مدح الذات وهو أمرف مستقبَح -كما يقول عبد الله الهدلق1، ولكن حركة الترجمة الذاتية قد نشطت في فترة لاحقة؛ وكان هذا الباب قد كفسر، وقد جمع الشيخ بكر أبو زيد هذه التراجم في مؤلف في هذا أَسْماه (العلماء الذين ترجموا لأنفسهم). أسلوب الخاطر في الترجمة هذا الكتاب هو جمع المواد المكتوبة عنهم (لأنهم لم يكتبوا عن أنفسهم) ومحاولة تعضيدها بروايات شفهية تَسفدّف الفراغات في هذه السيرة؛ ثم استعراض بعض نتاج هؤلاء الشخصيات، ولعل كان هذا أوضح في قصائد الشاعر عبد المحسن الصحّاف (السليماني). وجفهد الخاطر في تدوين تراجم علماء والمشايخ المنتسبين إلى أهل السفنّة جفهدٌ مباركٌ، خاصةً مع وجود الفجوة في تراجم علماء ومشايخ أهل السفنّة في البحرين، وقد حاول البعض ردمها مثل المؤرّخ بشار الحادي في كتابه (علماء وأدباء البحرين في القرن الرابع عشر الهجري)، ولكنّ الخرقَ واسعٌ، وقد حكى الدكتور محمد رفيق طرٿًا من معاناة عدم الاعتناء بالتراجم؛ إلى درجة أنه وقف على وثائق تَذكرف أنّ الشيخ (فلان بن فلان) قاضيًا، فهو لا يمتلك معلومات عن هذا الشيخ سوى أنه كان قاضيًا، ولكن أين كان قاضيًا، وكيف تتلمذ في طلب العلم، وما هي سيرته الحياتية أو العلمية؟ لا يوجد أي إجابة، بل بقيت في حكم المجهول. ومبارك الخاطر يرفع السقف أكثر، ويقول إنّ المشكلة ليست في عدم وجود تراجمَ لأشخاصف تعلموا في نظام تعليم إسلامي مثل الكتاتيب، بل المشكلة أنه هذا النظام التعليمي لم يجد أحدًا يكتب عنه أو يؤرّخ له رغم مرور قرن ونصف على ازدهاره في البحرين! فتراه يقول: «غير أنّ ما يؤسَفف له أن مع زخم ذلك المناخ العلمي والتعليمي الذي استمر قرناً ونصف القرن، لم يتهيأ لأحد من أولئك المستفيدين منه أو المعاصرين له على امتداد مساحته الزمنية أن يؤرّخ له أو يفدوّفن له أو لبعض فتراته، عدا ترجماتف لبعض رجاله فيها». فمشكلتنا مفركّبةٌ: أساسها عدم التدوين سواءٌ في النظام التعليمي أو الرجالات التي برزت من خلاله. وثم يجب الاعتراف أنّ الشيعة في البحرين كانوا سبّاقين في باب التراجم والسفيَر، فحفظوا تراجم الكثير من علمائهم في البحرين وفي فترات مبكرة جدًا، ومن بين أقدم وأشهر هذه الكتب كتاب (لؤلؤة البحرين) ليوسف البحراني (تـ:1186هـ)، ثم أتى البلَادي (ت:1340هـ) بعده بقرنين وصنّف كتابه الشهير (أنوار البَدرَيْن ومطلع النَّيّفرَيْن تراجم علماء القَطيف والأحساء والبحرَيْن)، وكتابة التراجم في بعض الأحيان لا تنحصر في ذكر أحوال الشخص المتفرجَم له بل تمتد إلى ذكر أحوال البيئة التي عاش فيها والتي قد تتطرق إلى ذكر طرفف من المعلومات التاريخية والجغرافية، وقد دوّنت بعضها أثناء تصفحي لكتاب البلَادي المذكور. وأمّا النموذج على قلة المعلومات فتجدها في ترجمة أحد الشخصيات الثلاثة التي تكلم عنهم الخاطر في كتابه هذا، وهو الشاعر عبد الله الجامع (تـ: 1278هـ) فلا توجد إلا قصيدتين أو ثلاث للشخص المذكور، أمّا بقصية قصائده فكما يقول الخاطر نفسه: «أمّا شعر الشاعر فإنّ ما وصل إلينا منه قليل جدًا، ربما أنّ الشاعر مفقفلٌ فيه أو أنّ يد الزمان قد عَبَثَت به فضاعَ أكثره»؛ فمن المحرج أن تترجمَ لشاعرف ولا تملك له إلا النَّزْرَ اليسيرَ لقصائده، ويفستثنَى من ذلك الشاعر الذي لم يفعرَف إلا بقصيدة قد بلغت الآفاق وكانت هي رأس ماله، مثل ما حصل مع نورة الحوشان وقولها في البيت الشهير: افلّفلي يَبفينَا عيَّت النفس تَبْغيهف واللي نَبفيهْْ عَيَّا البَخت لا يفجفيبَهْ2 واندثار الشعر لعدم التدوين وجمعه في ديوان والاكتفاء بتناقله هو مما ذكره ابن سلام الجمحي (ت:232هـ) في سبب فقدان أو ضياع أغلب الشعر الجاهلي كما قال في مقدمة كتابه (طبقات فحول الشعراء)3، وهذه الآفة لا زالت إلى اليوم، فعادةً يَضيع الشعر لأنّ الشاعر ومَن حوله لم يهتموا في جمع وتدوين أشعاره، فجمعف مَن حول الشاعر لا يقل أهمية عن جمع الشاعر نفسه؛ وهذا تراه ماثلًا في حالة الشاعر محمد الجميلي الذي ذكر في أحد أشعاره أنّ الأمريكان أحرقوا ديوانه الذي جمع فيه كل قصائده أثناء حرب الفلوجة4، ثم أخبرنا شقيقه أنّ الديوان المطبوع بعنوان (شظايا الكلم) قد جمعَ الجميلي محتوى قصائده القديمة من تلاميذه! بمعنى لو لم يكن هؤلاء التلاميذ لَمَا عفرففَ من شعر الجميلي إلا القصائد التي قيلَت بعد حرق هذا الديوان. وأحسب، بل أظنّ أن أبرز الذين كانت لهم جهودٌ جبّارةٌ في جمع القصائد وتتبّعها وحفظها في بلادنا، هو المؤرّخ مبارك العماري، فالكثير من الشعراء لم تصدفر لهم دواوين وقد حرص مبارك العماري أن يجمع كل ما تطالفهف يَدفهف من مَرويات ومخطوطات لإصدار بعض الدواوين لهم، كما صنع مع الشاعر الشيخ لحدان بن صباح الكبيسي، وحسين بن علي بن مشرف التميمي وغيرهم. والشعر المدوَّن المخطوط الذي يفنقَلف من في الشاعر سواء بتدوينف ذاتي أو إملاء؛ أَضبَطف من المرويات الشفهية التي تفنقَلف عنه عبر امتداد العقود والقرون، والتي قد يطالها التحريف والتبديل والزيادة والحذف، وهذا تراه في شعر راكان بن حثلين العجمي لَمّا استقر في البحرين، فيفنقل عن الشيخ خالد بن محمد آل خليفة أنّ أشعار راكان التي نشرت في ديوان (روضة الشعر) إنما كفتبت أخذًا من راكان مباشرةً5، فهي أَضبطف الروايات في هذا الباب. وإن كانت ثمة نصيحة أفقدّمها لبعض الشعراء لحفظف أفضلَ لمَوَادّهم، فهي بثّها في المواد المطبوعة، سواء الصحف والمجلات والكتب أو جمعها في دواوين، بخلاف إلقائها في المجالس؛ فالحففّاظ في تناقص، والاهتمام بالشعر يقفلّف طبقةً إفثْرَ طبقة، وأن تكون أنتَ الناشرف لكلامك خيرٌ وأضبطف في المصداقية من أن يَنقفلَ عنك الآخَرون. والحفظ في المواد المكتوبة أقوى منه من حفظها في مواد مرئية أو صوتية، فبعض المواد المرئية أو المسموعة التي تفحذَفف من الصعب العثور عليها، خاصةً مع تقادم الزمن. *** وإذا عدنا إلى الشاعر (عبد الله بن جامع) فهو من أسرة آل جامع العلمية6 فقد عفرففَت هذه الأسرة بالعلم الشرعي وبأخذهم للمذهب الحنبلي7 وهذا لم يذكره الخاطر؛ لا عن الأسرة ولا عن الشيخ الشاعر عبد الله بن جامع، وهذا أمرٌ لا يخفى على الخاطر إذ أنّ هذا الأمر قد ذكره هو بنفسه في أحد أول كتبه (قاسم بن مهزع: القاضي الرئيس)8، فلا يفعرَف لماذا سقط هذا الأمر أثناء كلامه عن الشيخ عبد الله في هذا الكتاب! كما أنه لم يذكر نَسَبَ هذه الأسرة كما صنع مع أسرة آل نبهان، ٿَنَسَبفهفم يرجع إلى الأنصار من الخزرج9، رغم أنّ هذا الأمر ذكرته المراجع نفسها التي اعتمدَ عليها الخاطر في ترجمته وهو كتاب (علماء نجد خلال ثمانية قرون)10. هناك أيضًا إشكالاتٌ تتعلق بالمراجع، مثل قول الخاطر في سياق الكلام عن مؤلفات ابن جامع: «إلا أنّ المصادر التي بين أيدينا كسبائك العَسجد والسفحفب الوابلة ونزهة الأفراح -كما ذكرنا- لم تنقل لنا شيئًا من تلك الكتابات». يظهر لي حقيقةً أنّ مبارك الخاطر قد اعتمد على كتاب (علماء نجد) والذي كان مؤلفه ينقل عن مؤلَّفاتف سابقة، وهذا واضح إذا رأيت ثَبت المراجع؛ فستجد أنه يعزو القول إلى ابن حميد صاحب مؤلف (السفحفب الوابلة) ولكن في الهامش تراه يعزو إلى كتاب (علماء نجد)، وهذه إشكالية تَبرزف لبعض المؤرّخين، وأحياناً الناقل أو الناسخ يفسقط أموراً ويفثبت أفخرى، فلا بفدّ عليك أن ترجع إلى الأصل وتفطابق، ومن هذه الأمور التي سقطت وأظنّ لو وقف عليها الخاطر لَوَقَفَ على أبياتف لابن جامع لم يعرضها وذلك في قول ابن حميد في الهامش: «تنبيه: ذكر صاحب نَفحة اليمن في صحيفة 140 من النفخة مساجلاتف شعريةف بينَه وبين صاحب الترجمة عبد الله بن عثمان بن جامع، والمؤلف هو أحمد بن محرر الأنصاري اليمني الشرواني وهو صاحب كتاب (حديقة الأفراح لإزاحة الأتراح) وقد ترجم الشيخ عبد الله بن عثمان بن جامع صاحب الحديقة في صحيفة 104 من حديقته فافهم»11. وفي كفلا الكتابين (نفحة اليمن بما يزول بذكره الشجن)12 و (حديقة الأفراح لإزاحة الأتراح)13 قد أورد فيها المؤلف -الشرواني- أبيات لم يعرضها الخاطر في كتابه. وربما لو كان قد وقف على نص ابن حميد هذا لحرث الأرض حرثًا في سبيل البحث عن مؤلَّفَي الشرواني هذين، وكل هذا بسبب خطأ الاعتماد على التراجم التي يفظَنّف أنها جامعةٌ لفمَا قبلها ولكنها في الحقيقة مفختَصَرٌ لها. والشيخ عبد الله بن جامع كانت ترجمته من أقصر التراجم في الكتاب؛ وذلك لبفعد العهد به، فأغلب المراجع التي اعتمد عليها الخاطر فيها فهي المراجع المكتوبة، لا الروايات الشفهية التي يبدو أنه لم تسعفه. فقد ولد صاحب الكتاب بعد وفاة هذه الشخصية بـ 72 سنة وهي فترةٌ زمنية لا بأس بها؛ فالمؤلف عاش في زمن أحفاد المترجم له -إذا أخذنا بتقسيم ابن خلدون للأجيال-، فقد تكون المعلومات شحيحة، كما أنه لم يأخذ أيَّ معلومةف من أسرة الجامع حول هذه الشخصية كما هو مفبيَّن في ثَبت المراجع. ونلاحظ أنّ كافة المراجع ذكرت للشيخ عبد الله بن جامع مؤلفاً واحداً وهو (الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات) في الفقه الحنبلي، وهو شرحٌ على كتاب ابن بفلبان الدمشقي الحنبلي، لذلك تستغرب من قول صلاح الجودر14 أنّ لديه أكثرَ من مؤلَّف، ومن بينها كتاب (تأسيس التقديس في الرد على ابن جرجيس) وهو نفس عنوان كتاب للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، وقال كذلك أنّ له كتابٌ آخَر بعنوان (الانتصار في الرد على ابن جرجيس) وهو قريب من مؤلَّف آخَر للشيخ عبد الرحمن أبا بطين بعنوان (الانتصار لحزب الله الموحّدين، والردّف على المجادل عن المشركين)، ثم لَمّا تتبعت بقية الأسماء وجدت أنها كلها لأبا بطين! وأظن لو أنّ مبارك الخاطر قد وقف على هذا الكتاب الوحيد الذي ألَّفه ابن جامع أو الوحيد الذي وصلنا لنا، لاستطاع أن يعرف مفعتَقَدَهف، فهو قطعًا ليس سلفيّ التوَّجه، بل كان يصف الشيخ محمد بن عبد الوهاب بـ«طاغية العارض»15، وفي حين قد يففهم منه أنه متصوّفٌ على الطريقة المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني؛ لأنه لا يفصدّر اسمه إلا بقوله «شيخنا قدّس الله روحه»16، ولكن هذا ليس بلازم؛ فربما هذا التعظيم لكون هذا الشيخ حنبليَّ المذهب أيضًا. ولكنّ هذا الكتاب ظل مخطوطاً ولم يفطبع إلا في الفترة الأخيرة في سنة 2003، أي بعد وفاة الخاطر نفسه. *** أمّا الشخصية الثانية الشيخ (خليفة النبهاني) والثالثة الشاعر (عبد المحسن الصحّاف)؛ فهذه الشخصيات لها بفعدٌ آخَر يستحقّ التأمل والوقوف عنده، وهي أنّ المعيار لصعود الشخص في بلدف ما هو قدرته ومهارته وإتقانه واحتياج البلاد إليه، دون النظر في أصله وجنسيته، فلا يفقال كيف تفعينون هذا الرجل في هذا المنصب بهذا البلد وهو ليس من أهلها! فيبدو أنّ تلك الاعتبارات لم تَشتدَّ كاشتدادها في زماننا الحالي؛ وبنحو ذلك ذكر الشيخ علي الطنطاوي ترشح البعض لمناصب كبيرة في سورية رغم أنهم ليسوا سوريين بل لكفاءتهم17، وهذا ليس حفكرًا في بلد ما، فتجد مثلاً في مصر تقلّد مشيخة الأزهر الشيخ محمد الحسين الخضر تونسي الأصل. فالشيخ خليفة النبهاني والشاعر عبد المحسن الصحّاف لم يبزفغ نجمهم في بلادهم البحرين، بل بزغَ في الحجاز وفي مكّة تحديدًا، والشيخ خليفة النبهاني ولد في المحرّق سنة 1852م، وهو ينتمي إلى أسرة آل نبهان، التي لا زال لها وجود في البحرين إلى اليوم، وقد حكى مبارك الخاطر نسبهم وهو أنهم يعودون إلى طيء، وهذا مفثبتٌ في كتب محمد بن خليفة النبهاني المؤرخ (ابن الشيخ المترجم له) الذي قال عن نسب عائلته: «أنهم منسوبون لنبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء»18؛ وقد كان للمؤرّخ النبهاني عنايةٌ بالأنساب وله كتابٌ أظنّه لم يفطبَع وهو (مؤنس العرب تذييل سبائك الذهب في أنساب العرب) ولعله تعليقاتٌ على كتاب محمد أمين البغدادي (ت: 1830م)، والناس عمومًا مؤتَمَنون على أنسابهم، بل وإثبات نَسَبه الطائي كان حتى من تلميذ تلميذه محمد سعيد الشافعي19، إلا أنّ في محاضرة للدكتور محمد رفيق عن الشيخ خليفة البنهاني والتي أسماها بـ(من دواعيس المحرّق إلى محراب الحرم)؛ ذكر نقلًا عن أحد كبار عائلة النبهان في قطر أنّ أصولهم من عفمان، وهذا قد يكون له وجهٌ من الصحة، باعتبار أنّ النبهاني نفسه يقول عن تَفَرّفق أفسرَته: «فنزل بعضهم اليمامة، وبعضهم استوطن بَرَّ قطر، وقسمٌ منهم سكنوا عفماناً، (وكانت جدود المؤلف) ممن نزلوا أخيرًا بَرَّ قطر»20. ولكن هؤلاء الذين نزلوا بَرَّ قطر هم الذين انتقلوا مع آل خليفة إلى البحرين بعد طرد آل مذكور منها، فيبدو أنّ مَن أخبر الدكتور محمد رفيق ليس من هذه الحمولة، وإنما أتى متأخرًا إلى قطر من عفمان. وأصلهم البعيد ليس من عفمان وإنما من الحائل كما يقول المؤرّخ محمد بن خليفة النبهاني. وفي أثناء المحاضرة، علّق الدكتور عيسى أمين بأنّ في عفمان وجدت الدولة النبهانية، وكأنّ الدكتور محمد رفيق استحسن هذا الربط بين الأمرَيْن، وهذا غير صحيح؛ لأنّ معناه أن نسبهم يرجع إلى أَزد عمان من العتيك -كما هو حال ملوك الدولة النبهانية-21 وليس إلى طيء. وتَفَرّفق آل نبهان من طيء في الأمصار -كما قال النبهاني- كان مع حركة الفتوح الإسلامية، بينما وجود الأَزد في عفمان كان قد بدأ بعد انهيار سَدّ مأرب؛ أي قبل الإسلام22. وثانيًا تشابه الأسماء لا يلزَمف منه أنّ النسب واحدٌ، فأنا من الحمدان ولا علاقة لي بالدولة الحمدانية في الشام. فالمعرفة الأوليّة في الأنساب مهمةٌ في ضبط المعلومة التاريخية، وحتى لا يحصل نوع من التداخل أو الخلط. *** وهذه الشخصية -أعني خليفة النبهاني- لها غيرف تَرجمةف، من بينها ترجمة ابنه محمد بن خليفة النبهاني في كتابه (التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية)، وكذلك تلميذ تلميذه محمد سعيد الشافعي وهو يفترجم لشيوخ شيخه محمد بن ياسين الفاداني في كتاب أسماه (تشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع أو إمتاع أولي النظر ببعض أعيان القرن الرابع عشر)؛ فما الداعي إلى الكتابة عنها من جديد من وجهة نظر الخاطر؟ يقول الخاطر: «ومع شمول هاتين الكتابتين في الترجمة للشيخ خليفة النبهاني إلا أنها لم تتطرّقا لحياته الأولى في البحرين التي قضاها في مرحلتي الطفولة والفتوة، ولا لحياته وأنشطته العلمية في زياراته الطويلة المدد والمنتظَمة التي كان يقوم بها من مَهجره في الحجاز إلى بلاده البحرين، كذلك لم تأتف هاتان الكتابتان بدراسة لشخصية الشيخ خليفة أو أعماله». فمن الجيد عدم الاكتفاء بما كفتب إن كان لديك إضافة عليه. ولكن ما هي إضافات الخاطر الحقيقة على ما سبق ذكره؟ تتمثّل فقط في إضافة صفحتين (صـ38-39) من روايةف شفهيةف أخذها من تلميذ الشيخ خليفة وهو جاسم محمد الدغاث الخليفة. وذكر تلاميذه وشيوخه الذين في البحرين. للأسف لم يوفّق مبارك الخاطر في جعل كتابة يفغني عن غيره من التراجم عن الشيخ خليفة، فمثلًا لم يأخذ بكل ما كتب في تلك التراجم الأخرى ورتبها في ترجمته هو، بل أخذ أمورًا واستَبعَدَ أفخرى، فلم يكن كتابه مفغنيًا عن غيره أو جامعًا لفمَا قبله بالإضافة إلى ما كتبهف هو. وفي أصل الترجمة يفعد ما ذكره الخاطر من إضافات = أمرٌ ثانوي في أغلبه، فالمهم والأصل في الترجمة لعالفم أو شيخ أن تذكر على مَن درس وماذا درس، ورحلته في طلب العلم، وما يتعلق بالجانب الشرعي من عبادةف وزفهدف ووَرَعف ونحو ذلك، أمّا هواياته وكيف كان يقضي وقته فهذا زيادةٌ على الأصل. *** حسنًا وإذا رجعنا إلى سيرة الشيخ نفسه، نستشفّ منها بعض الأمور التي يفستَحسَنف التأكيدف عليها ومن ذلك: إذا رأى الأب في ابنه نباهةً فَليَبْذفل ما يستطيع من مالف ودعمف لهذا الابن لتنتفعَ منهف الأفمّة، وهذا ما حصل مع الشيخ خليفة النبهاني عندما رأى والده حَمَدَ النبوغَ فيه؛ قامَ على إرساله إلى مكّة للتعلّم، وكان حَمَدٌ النبهاني كثيرَ العيال قليل المال؛ ومع ذلك أرسل ابنه مع ما في تكاليف السفر مع مشقّة وضغطف مالي على الأب. وكان نبوغ الشيخ خليفة النبهاني عجيبٌ، فهو الفقيه والفلكي والرفبّان، بل حتى في شأن الغوص، كانت له بصمة، فكانت البحرين تفعرف بالغوص من أجل اللؤلؤ، وكان الشيخ خليفة النبهاني في مسكنه الأول في البحرين بَرَعَ في شأن الغوص، واستطاع أن يستفيد من هذه البراعة عندما كان في مكّة ووقعت حادثةٌ ما؛ وهي وفاة أحد الحجاج وسقوطه في عين أو بئر زَبيدة، وقد استعان ولاة الأمر آنذاك بالغوّاصين من جدة ولم يففلحوا في انشال الجثّة، فبدأ هو بالغوص، وينقل عنه شاهد عيان وهو عمر عبد الجبار في كتابه (سفيَرٌ وتراجم) ما يلي: «فأخرج الغريق وأخبر الغَوَّاصين بوجود أوساخ في قاع البئر وأرشدهم إلى الطريقة الفنية للوصول إلى قاع البئر فغاصوا على ضوء إرشاداته ونظَّفوا البئر مما فيها من دفلَاء وشَرَحَ لهم ولطلابه وصف البئر...»، وكان وصفهف يفخالف وصف بعض المؤرّخين مثل الأزرقي وغيره، وليس مَن رأى كمن سمع. بل بات وصفهف مصدرًا يفنقل عنه ويفعتمَدف ويفقدَّم على غيره، فَرفبَّ ضارةف نافعة. *** وفي ملاحظات يسيرة على منهج المؤرّخ مبارك الخاطر في ترجمته هذه: منها أنه أسقطَ جملةً من الشيوخ الذين ذكروا أنّ الشيخ خليفة تتلمذَ عليهم، وذكر خمسة فقط في الحجاز، رغم أنّ العدد أكبر من ذلك ولهم ذكرٌ في مراجع كان الخاطر يستشهدف بها، فمثلًا في كتاب (إمتاع أولي النظر ببعض أعيان القرن الرابع عشر) تجده ذكر 12 شيخًا متوزّعين بين مكّة والمدينة، بل وذكر ما أخذ الشيخ خليفة على يدهم، وعلى مَن أخذ النحو والفقه وعلى مَن أخذ التفسير وعلى يد مَن أخذ الحديث والفلك. أمّا في كتاب (سفيَرف وتراجم بعض علمائنا في القرن الرابع عشر) فقد كان عددهم 14 شيخًا. ولكن تجد أنّ ثمة طريقة قام بها الدكتور محمد رفيق في تقريب عدد شيوخ خليفة النبهاني، وهو الوقوف على الرواة الذين روى عنهم، وبذلك استطاعَ حصرَ شيوخ خليفة النبهاني على وجه التقريب من خلال رواية الحديث من النبهاني نفسهف عن شيوخه. فمثلاً في كتاب (فَيض المبدي بإجازة الشيخ محمد عوض منقش الزبيدي)؛ تجد الرواة الذين روى عنهم الشيخ خليفة النبهاني، أنّ عددهم 50 رجلًا23؛ فإذا سَلَّمنا جدلًا بأنّ هؤلاء الخمسين هم كفلّفهفم شيوخه، فيكون عدد شيوخه خمسين لا خمسة! أي أنّ الرقم تضاعف أضعافاً مضاعفةً عن الرقم الذي وضعه مبارك الخاطر، وكان الوصول إلى هذه النتيجة سببها الإلمام بشيءف من علوم الحديث، فالعلوم تتداخَلف، وتوضّح بعضها بعضًا. وتجد في سلسلة الأشياخ والتلاميذ تنوّعًا مذهبيًا عجيب، فالشيخ خليفة النبهاني (مالكي) وقد تتلمذ على يد الشيخ عباس بن صديق (مفتي الأحناف)، وتتلمذ على يده الشيخ محمد ياسين الفاداني (الشافعي)، فيبدو أنّ مكّة آنذاك كانت بعيدةً عن التعصّب المذهبي. كما أنّ من خلال معرفة الجو العام العلمي استطاع الدكتور محمد رفيق أن يفبرز علم الشيخ خليفة النبهاني، فمثلًا ليس كل أحد يستطيع أن يدرس في الحرم -كما كان الشيخ خليفة النبهاني-، بل كان عليه -كما يقول الدكتور محمد رفيق- أن يجتاز امتحاناً في اثني عشر علمًا من علوم الشريعة، ويكون شفهيًا، وقد يطول الامتحان إلى ساعات، حتى يتأكّد ويطمئنّ قلب الممتحفن أنّ هذا الشخص مؤهّلٌ للدراسة في الحرم، وهذا الأمر لم يذكره الخاطر؛ بل اكتفى بالقول أنه بات يدرس في الحرم. فالبحث عن جذر المعلومة يعطيك إضافة مهمة لها. ولعله يفنتقد على الخاطر أيضًا عدم التوسّع في الاستقصاء، وذلك من خلال ضَرْبَيْن: الأول: عدم البحث عن الذين قد يفقدّمون إضافةً حقيقيةً كتلاميذ الشيخ أو مَن تتلمذ عليهم، فمثلًا تكلم الخاطر عن تلامذة الشيخ ثم قال: «وقد عفرفٿَ الشيخ خليفة النبهاني بأنه شاعر مفقفلٌّ جدًا، ولكنه شاعرٌ ناظمٌ وليس بمطبوع الشعر، وأكثر شعره مدائح نبوية، وعفمّفر حتى ناهز التسعين ولم يصلنا شيءٌ من شعره»، هذه مفارقةٌ غريبةٌ أن لم يستطع أن يقف على شيءف من شعره، رغم أنّ مبارك الخاطر أدرك تلاميذ النبهاني أو كان معاصرًا لجفلّفهم بل لأبرزهم، كتب مثلًا الخاطر كتابه في سنة 1989م أي قبل أن يفتوفَّى محمد ياسين الفاداني تلميذ الشيخ الأبرز في سنة 1990م! ومؤكّد جمعه لسنوات مادة الكتاب، فكان بالإمكان أن يلتقي بالفاداني أو غيره أثناء ذلك ويستزيد منهم. ولاحظ أنّ الدكتور محمد رفيق رغم أنه لم يدرك في بحثه تلاميذ الشيخ؛ وقد أدرك الطبقة الذين بعدهم، إلا أنه استطاع الوقوف على بعض الآثار له أو شيء من الأشعار، مثل الأبيات التي وجدها عند الشيخ الفلكي صالح العجيري رحمه الله، والذي التقى به الدكتور محمد رفيق ونقل له شيئًا من أشعار النبهاني التي سمعها عبر واسطة إذ لم يدرس على الشيخ خليفة النبهاني -وإن عاصره- وإنما دَرَسَ على يد أبناءه أحمد ومحمد، وظلت هذه الأبيات في ذاكرته مذ ذلك الوقت إلى أن سجّلها الدكتور محمد رفيق له وهو يقولها. ولعل كانت هناك ثمة مزيةٌ للدكتور محمد رفيق؛ إذ كان هو والشيخ خليفة النبهاني كلاهما يَسبحان في نفس المجال وهو العلم الشرعي، فلعل الاستقصاء والسؤال كان أسهل، فهو يعرف مَن يسأل وعلى مَن يَطرق، لذلك وقف على أشخاص لم يستطع الخاطر أن يلتقي بهم أو ربما لم يعلم أنّ لديهم ما يففيد لبحثه. والشيخ النبهاني كان مفكثرَ السفر، وتنقّل كثيرًا بين الأمصار، فكان مَن يريد أن يكتب كتابًا أن يسافر إلى نفس البلدان ويجمع منها الأخبار، خاصةً ونحن نتحدث عن روايات شفهية التي إن لم تفستَنْطَقَ من صدور الرجال؛ فإنها تذهب بذهابهم في أغلب الأحيان؛ ما لم يورّثوا بعضها لفمَن حولَهم. والذي حصل في هذا الكتاب أنّ المعلومات باتت محصورةً في رواية شفهية من شخص من البحرين وبين ما هو مكتوب؛ وأظن لو سافر الخاطر إلى الحجاز حيث كان مفستقرّ الشيخ النبهاني لَتَضَاعَفَ حجم الكتاب. ولكنه لم يفعل لا لشخصية النبهاني ولا للشخصية التي بعدها وهي شخصية عبد المحسن الصحّاف. وأظن أنّ مرجع ذلك إلى أنّ القاعدة التي وضعها الخاطر في مقدمة السيرة، وهي التركيز على ارتباط هذه الشخصيات بالبحرين، وبذلك طفرحت بقية الأمور جانبًا أو باتت أمورًا هامشيةً ذات أهمية أقلّ. وأفضلية مبارك الخاطر على الدكتور محمد رفيق كانت أنّ الشيخ مبارك الخاطر قد بدأ مشروعه وكبار السن موجودون وهم الذين لم يدركهم أو لم يفدرك جفلَّهفم الدكتور محمد رفيق. أمّا الضرب الثاني: فهو عدم التوسّع في البحث للوقوف على مراجع ممكن تفثري بحث الخاطر؛ فالنبهاني مذكور في مراجع متنوعة، وقد يفستخلَص من ترجمته أو ذكر أسانيده أو شيوخه وتلامذته أمورٌ، منها أسماء الكتب التي قرأها أو قفرأت عليه وهذا يوضّح مَعلَمًا من معالم توجهاته، ويفعرَفف منها أيضًا مَن هم مشايخه ومَن هم تلامذته، وترى في بعض تراجمه معلومات شخصية من خلال شهود عيان وهم تلامذته. وهذه المراجع جفمعت أخيرًا في كتاب (تشنيفف الأَسماع بشيوخ الإجازة والسماع)؛ ولكنها أفضيفت في الطبعة الثانية في ختام ترجمة النبهاني، وهي طبعةٌ حديثة طبعت قبل 9 سنوات تقريبًا، وهي تختلف عن الطبعة الأولى التي وقف عليها الخاطر والتي لم تكن بها هذه الإضافات والزيادات، ولكن أظن كان بالإمكان الوصول إلى هذه المراجع بسؤال أهل الاختصاص والمعرفة، خاصةً من طلبة العلم في تلك المنطقة؛ خاصةً وأنّ بعض هذه المراجع قد طفبعت قبل أن ينشر الخاطر كتابه. وأمّا المراجع المذكورة فهي:
وهذا الانحصار في مراجع محدودة هو ما جعل الخاطرَ يذكرف أنّ الشيخ خليفة النبهاني قد توفي 1362هـ دون التنبّه إلى وجود خلاف في تحديد سنة الوفاة على ثلاثة أقوال، وهي:
ولكن الدكتور محمد رفيق رجّح القول الثالث باعتبار أنّ الفاداني من أقرب التلاميذ له. وأمّا اختيار الخاطر لتاريخ (1362هـ) لأنه هو المرجع الوحيد الذي اطلع عليه وعيّن سنة الوفاة وهو كتاب عمر عبد الجبار! وكذلك الوقوف على مراجع قد استَشْهَدَ الخاطر بها، ولكن طَرَأَ عليها نوعٌ من التغيّر في الطبعات اللاحقة، فمثلاً يحكي الدكتور محمد رفيق أنه وقف على أربعة أبيات في كتاب (التحفة النبهانية) في طبعتهف الأولى، نسبها المؤلف إلى الشيخ خليفة النبهاني، ولكن هذه الأبيات لم تكن موجودةً في الطبعات اللاحقة. وأظنّ لو وقف الخاطر على الطبعة الأولى؛ لَمَا قال مقولته السالفة بأنه لم يعثر على أبيات للشيخ خليفة النبهاني. فمن المهم المقارنة بين الطبعات في مواضيع معينة أو محددة حتى لا تفرط معلومة من هنا أو هناك. ما هو معتقد الشيخ خليفة النبهاني؟ هناك قضية لم تفطرَق لدى كلا الرجلين في ترجمتهم وبحثهم عن الشيخ، فنحن نعرف مذهبه الفقهي، ونعرف الفنون التي برع بها، ولكن ماذا كان مذهبه في المعتقد؟ أي كان الشيخ على أي مدرسةف في العقيدة من المدارس التي تزخَرف بها هذه الأفمّة وتفنسب إليها؟ أنا أقول ليست العقيدة السلفية؛ لأنّ ابنه كان مفبغضًا لها وهذا واضحٌ في كتابه (التحفة النبهانية) ولو كان والده سلفيًا لَمَا استقام مدحه مع ذمّه لها، وبنحو ذلك كتاب (تشنيف الأسماع) للشافعي؛ والذي كان ناقمًا على السلفية وتجد هذا صريحًا أثناء ترجمته للشيخ عبد الله بن بليهد (ت: 1359هـ). وقد يفكشف شيءٌ من طرف توجّه الشيخ العَقَدي من كلام الخاطر عندما قال إنّ أغلب قصائده في المدائح النبوية، لعل كان مفتصوّٿًا، لأنّ هذه القصائد كانت تستخدم في الموالد عادةً، وهنا نعود إلى النقطة التي ذكرناها فيما سبق، وهي البحث عن البيئة العلمية التي تَزْخَرف بها مكّة آنذاك، لنَحْصفرَ الخيارات في توجهات محددة. كما يجب القول إنّ العقيدة السلفية طارئة على البحرين، بمعنى أنّ شيوخها في القرن الرابع عشر الهجري لم يَشع بينهم هذا المعتقد، بل حتى السلفي الذي استقرَّ في البحرين كان وافدًا من نجد بعد خراب الدرعية على يد جيش محمد علي باشا، وهو الشيخ عبد العزيز بن مفعَمّر أحد أئمة الدعوة (ت: 1244هـ)، ورغم علمية هذا الشيخ التي كان لها حضورها؛ إذ يفقال أنّ حاكم البحرين آنذاك عبد الله بن أحمد آل خليفة عندما طلب من المشايخ في البحرين أن يردّوا على كتاب القسيس الهولندي (هوقودي قروت) والذي تفرجم إلى العربية تحت اسم (مفتاح المخازن ومصباح الدفائن) لم يكتب الردّ سوى الشيخ عبد العزيز بن معمر وقد طفبع تحت عنوان (منحة القريب المجيب في الرد على عفبّاد الصليب)29، إلا أنّ الشيخ ابن مفعَمّر لم يؤسس لوجود مدرسة سلفية لها حضورٌ دائم في البحرين؛ رغم أنه عاش في حي الحنابلة بالمحرّق وسفكّان هذا الحي كلهم سنيّفون حنابلة30. *** وقد انتقد الدكتور محمد رفيق طريقة تناول الخاطر في بحثه هذا لسيرة الشيخ والذي كان فيه الخاطر منتقدًا لفمَن قبلَه فيه! ولا أعلم ما هي الإضافات التي زادها الدكتور محمد رفيق والذي ربما طَرحها في تحقيقاته كتحقيقه لرسالة (منازل القمر) للشيخ خليفة النبهاني، أو حتى في كتيبه (المسلسلات النبهانية)، ولم أستطع الاطّلاع عليهما. وأثناء بحثي في الشبكة العنكبوتية وقفت على بعض المعلومات القليلة عن الشيخ حمد النبهاني. يقول الشيخ صالح العجيري في أحد اللقاءات معه: «وقد درست علم الربع المجيب عام 1935م على يد الأستاذ عبدالرحمن قاسم الحجي رحمه الله الأخ الأكبر للأستاذ يوسفف الحجي وزير الأوقاف سابقًا الذي تلقى علم الربع المجيب على يد بيت آل النبهان بالحجاز. وتَرجع أصول بيت آل النبهان إلى البحرين ووالدهم حمد بن خليفة وهم جماعةٌ من العلماء الفقهاء والمهتمين بمصطلح الحديث والفقه والتاريخ بالإضافة إلى علم الربع المجيب الذي انتشر في الجزيرة العربية عن طريقهم. وعلم الربع المجيب من العلوم الإسلامية القديمة لكنه اضمحلَّ مع اضمحلال دولة الإسلام ولكن مع قدوم الدولة العثمانية أفحييَ هذا العلم وأفعيدَ الرسم والتأليف فيه واستفخدم لتحديد مواقيت الصلاة وتحديد اتجاه القبلة، ويعتقد أنّ علم الربع المجيب قد وصل الجزيرة العربية عن طريق العثمانيين ونَقَلَهف آل النبهان إلى الحجاز ثم الكويت عن طريق عبدالرحمن الحجي حيث تبعته وأكملت عنده دراسة هذا العلم ولم يدعني حبي لعلم الفلك ساكنًا في مكاني بل بذلت قفصارَى جفهدي لتلقي هذا العلم في آخر الدنيا [...] وكما قلت سابقاً فقد واجهتني في دراسة علم الفلك معاناةٌ شديدةٌ, فقد درست علم الربع المجيب في الفلك وكان أستاذي في ذلك هو المرحوم (عبدالرحمن الحجي) وقد أخبرني أنه دَرَسَهف في مكّة المكرمة على يد الشيخ (خليفة حمد النبهاني) وآل النبهاني مشايخ يهتمون بعلم الربع المجيب والتاريخ ومصطلح الحديث ولهم مؤلَّفاتٌ في ذلك وقد عَلفمَ والدي وأنا مازلت صغيرًا أنّ أحدهم وهو الشيخ أحمد خليفة النبهاني قد حضر إلى الكويت وهو في ضيافة آل الإبراهيم ومنزلهم وديوانيتهم قرب (قصر السيف) ومنزلنا قرب فندق (ميريديان) فحرصت على أن ألقاه وكنت أذهب إليه مشياً على القدمين في حَرّ الصيف لكنه لم يأبه بي بادئ الأمر لصغر سني وشكلي لكنني ثابرت وسَعَيْتف إلى تقديم أسئلتي إليه في فرصةف مدتها بضع دقائق عندما عرفت أنه يستيقظ من نَوْمَة القيلولة ثم يذهب إلى الحمام ليتوضأ لصلاة العصر وبعد ذلك يشرب الشاي الذي يفعَدّف له عندئذف كانت فرصتي هي بين خروجه من الحمام وجلوسه للشاي وهكذا كنت في كل يوم أقطع المسافة الطويلة في حَرّ القَيْظ لكنه لَمّا وجد إدراكي في علم الفلك ساعدني كثيراً وأراني مجاميع النجوم في الليل وعند سفره أعطاني عنوان شقيقه الشيخ محمد خليفة النبهاني الوكيل الوحيد للعقارات والبساتين للحرم ومَقَرّفه في البصرة فراسلته واستفدت منه وعندما حضر إلى الكويت عرفت منه الكثير»31. ولَمّا تتبّعت كل التراجم وجدت أنها كلها لم تذكر أنّ للشيخ شرحٌ على المنظومة البيقونية، ولكن ذفكر ذلك في ترجمة حسين بن علوي الحبشي (تـ: 1960م)، الذي صَنَّفَ في البيقونية وقال في مقدمة الشرح: «فَشَرَعْتف في شرحف لطيفف، وتعليقف شريفف يحلّف مبانفيها، ويفبرزف معانيفها، أخذتهف من شفرَّاح المنظومة كالعلامة الزرقاني، والشيخ خليفة النبهاني، وشيخنا الهمام حسن محمد المشَّاط، ومن غيرها، سميته النزهة البهية في شرح المنظومة البيقونية»32. ويبدو أنّ اسم هذا الشرح هو (التحفة النبهانية بشرح المنظومة البيقونية)33. *** أما الشخصية الثالثة فهي الشاعر (عبد المحسن الصحّاف أو السليماني)، فهنالك بوارق أربع لاحت للمؤلف حتى يَشرَع في الكتابة عنها:
وهنا فائدةٌ بَديهية: وهي كون وجود المراجع في موضع مفعيّن يستلزم فيه السفر وشَدَّ الرحال فلا بفدّ من تحمّل عَنَاء السفر وإكمال المشروع البحثي؛ فلذلك البحث التاريخي يحتاج ميزانيةً للسفر والتنقّل والاستقصاء للخروج بأعلى كميّة من الأخبار والمعلومات، وهذا للأسف أبرزف مَن يقوم به هم المستشرقون الجدد الذين كتبوا أبحاثًا في الجماعات الإسلامية، بل انظر ماذا يقول ستيفان لاكروا عن كتابة (زمن الصحوة): «يستند هذا الكتاب في الأساس إلى عملف ميداني قفمتف به من شهر يونيو 2003 حتى شهر مايو 2007، في المملكة العربية السعودية في الأكثر، وكذلك في الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن وبريطانيا العظمى، وأجريت في أثناء زيارتي إلى تلك الدول 50 مقابلةً مسهَبةً»34. وقد يففهَمف أنّ المضي في البحث حول أربع سنوات هذا من مستلزمات رسالة الدكتوراة التي كان يعمل عليها ستيفان لاكروا، ولكن صديقه توماس هيهغامر عندما أراد أن يترجم لشخص وهو الشيخ عبد الله عزّام تقبّله الله، قد عمل في بحثه لمدة عَقدف كامل (10 سنوات)35، فمحاولة الإتقان هي التي أَخَّرَت هؤلاء للخروج بأبحاثف تستحق الوقوف عندها. ولكن للأمانة هنالك فارقٌ بين الباحثين العرب وهؤلاء الباحثين الأجانب، فهم مدعومون من قفبَل مؤسسات، بل انظر ماذا يقول توماس هيغامر نفسه: «في نهاية عام 2007م استطعت أن أفرّغ نفسي بشكل كامل لكتابة سيرة عزام بفضل زمالة ما بعد الدكتوراة ومنحة سفر من جامعة برنستون؛ حيث تمتعت بدعمف كريمف من برنارد هيكل. سفمح لي حينها بإكمال بحثي في مركز بلفور في كلية كيندي في جامعة هارفارد بفضل حفاوة مونيكا دوفي... إلخ»36، وهو يذكر مراكز الأبحاث التي دعمته وذللت أمامه الصفعَاب المادية وغيرها. ولكن انظر إلى مبارك خاطر في الطرف المقابل رغم اختلاف مواضيع البحث، يقول الخاطر في مقدمة كتابة الآخر عن القاضي قاسم بن مهزع: «لا بفدّ من التفرغ للبحث عن هذا التراث واستقصائه وتسجيله. ثم غربلته وتمحيصه، في شيءف من الصبر والأناة واللذَيْن قد يتطلبان في جزءف منه فقط الوقت والجهد والمال، فأين الحصول على هذه الحوافز الثلاثة لواحدف مثلي؟ غير أنه وفي أثناء تنفيذ مخطط هذه الدراسة، برزت القاهرة جهةً أستطيعف أن أحصل فيها عن شيء من المراجع في هذا الخصوص. لكن أينها مفؤنَةف الطريق وأنا لا أستطيع ذلك بسبب ما يفعانيه مثلي من قلة الرعاية، وليس هنالك ما يوحي بوجود جهاتف مفعينةف يجتمع لديها المال والرغبة في إخراج شيءف من تراث بلادها المجيد، فتقوم بإخراجه إن لم تضع أمامه المعوّقات»37. *** وكان مَقصَدف الخاطر هو الوقوف على المراجع المكتوبة؛ لا الروايات الشفهيّة؛ لذلك قصد (موضع المراجع) في الرياض لا (مسكن الشاعر) في الحجاز، وذرع الرياض حول ستة أشهر سقط فيها مريضًا. ولحسن حظ الخاطر؛ أنّ زميله المؤرّخ مبارك العماري وقف على كفرّاس فيه أشعار وقصائد لعدد كبير من الشعراء الحجازيين، وكان من بينهم قصائد للصحّاف أفضيفَت إلى المجموعة التي عَثَرَ عليها الخاطر في أرشيف جامعة الملك سعود، وهنا تعلَمف أهمية تعاون الباحثين مع بعضهم البعض؛ وأن تكون العلاقة بينهم تعاونيةً تكامليّةً لا تنافسيّةً، خصوصًا إذا كانت أهدافهم في البحث العلمي مختلفة بحيث لا يكون هناك نوعٌ من التنافس في الموضوع الواحد. وطفلبت نفسخةٌ مفصوّرةٌ من هذا الكفرّاس؛ وكان الطلب قد تَمّ عبر مكتب ولي عهد البحرين -الملك الحالي-؛ والذي سَهَّلَ المهمة، فأصبح هذا الكفرّاس في حَوْزَة الباحثين، فمثل ما يحتاج البحث العلمي إلى ميزانية للسفر والتنقّل يحتاج أيضًا إلى دعمف من جهاتف حكوميةف لفتفسَهّفلَ عليه مهمة البحث. ولكن لم يكن المقصد من استقصاء شعر الصحّاف هو نشره كديوان عبر هذا الكتاب، بل الكتاب تناول نماذج معينة من شعر الصحّاف، ولا زال شعره إلى هذه اللحظة لم يجمع في ديوان! ولكن في هذه القراءة راح نتناول أيضًا عرض الدكتور محمد رفيق في محاضرةف له بعنوان (شاعر البلاط الهاشمي عبد المحسن الصحّاف المحرقي)، ولعلّ أول الكتابين سيكون في تحديد نسب الصحّاف؛ فالخاطر جرى على ما هو مكتوبٌ وشائع؛ فاذا انتسب أحدهم إلى عائلة وبات يصدر اسمه قرينةً باسمها؛ فهو منها وهذا من البداهة، ولكن الغريب أن الشاعر عبد المحسن ليس من الصحّاف؛ بل خواله من الصحّاف، وهذا ما وقف عليه الدكتور محمد رفيق في رثاء أحمد النبهاني له في صحيفة أفمّ القرى، فيقول أحمد النبهاني عنه: «الشهير بالصحّاف نسبةً إلى جده لأم الشيخ عبد اللطيف» رغم أنّ النبهاني لم يحدد نَسَب الشاعر الصحيح؛ إلا أنّ الدكتور محمد رفيق يقول انه وقف على وثيقة يذكر فيها نسبة وهو (السليماني) ولا أعلم هل هي نفس الأسرة التي وفدت من بَرّ فارس أَم لا، والذين منهم الشيخ الفاضل محمد بن أمان الله السليماني. والدكتور محمد رفيق يقول إنّه عند تحليله الشخصي محاولًا الإجابة على سؤال لماذا الشاعر عبد المحسن لم يستخدم اسم أفسرته الحقيقية في الدلالة على نفسه في الحجاز؟ لأنه يوجد مسلمين في الحجاز من أصولف قبطية وأصولهم مصرية فحتى لا يفنسَب إليهم أو يفحدفث نوعًا من اللَبس فلم يستخدم لقب أفسرته الحقيقي. ولا أظنّ أنّ هذا هو السبب الحقيقي، لأنّ اختلاف المَنبت قد تفعطي دلالةً مباشرةً على اختلاف الأَصْلَيْن، ولكن إذا سَلَّمنا جدلًا بأنّ هذا هو السبب الحقيقي، فَلفمَ ينسفب نسبه لوجود أسرة المسلماني التي تَنتسبف إلى الأشراف في مكّة والتي كانت لهم إمارة مكّة قبل الأَشراف الهواشفم38. وأظنّ لو وقف الخاطر على رثاء أحمد النبهاني لَمّا استرسل وقال في سياق كلامه عن آل الصحّاف: «لم يخرج فيهم شاعرٌ معروفٌ كالشاعر الذي نترجم له الآن»؛ لأنه ليس منهم، ولعلّ تأكيد أحمد النبهاني على تصويب قضية النَّسَب؛ هو لوجود تحذيرف شرعي وأمرف إلهي: {ادْعفوهفمْ لفآبَائفهفمْ هفوَ أَقْسَطف عفندَ اللَّهف}. وتفويت الخاطر لمقالة أحمد النبهاني جعلته يخطأ أيضًا في تحديد سنة الوفاة التي حددها بـ1352 هـ، بينما في مقالة أحمد النبهاني يقول: «ماتَ غفرَ الله له وعٿَا عنه في أواخر رجب من عامنا هذا عام 1350هـ». ومن الأمور الغريبة حدوث ذلك؛ لأنّ الخاطر قد وقٿَ على ترجمة الصحّاف في كتاب (الأَعلام) لخير الدين الزّفرفكْلي، وفيه سنة وفاته 1350. وقد وضع الزّفرفكْليّف هامشًا يَذكرف فيها اعتماده على رثاء أحمد النبهاني من صحيفة أفمّ القرى، ومع ذلك لم يقف الخاطر عليها، رغم أنه اعتمدَ على مقالات من صحيفة أفمّ القرى في كتابه، وأغلب الظنّ أنّ ذلك حصل ظنًا من الخاطر أنّ نَصَّ الزّفرفكْلي هو نفسه نصّ النبهاني ولا جديد فيه! وانظر ماذا فاته من معلومات. *** يفقال إنّ والد عبد المحسن وهو محمد كان طالبَ علمف وقد قرر الذهاب إلى مكّة لطلب العلم والاستزادة منه، وبذلك بدأت هجرة عبد المحسن إلى مكّة واستقراره فيها، بل موته فيها، وسبب الهجرة سببٌ طبيعي أو لا غرابة فيه؛ بَيْدَ أنّ عبد المحسن في أشعاره يفدندن على قضيةف معينة وهي ترك البلد التي لا تفقدّرك، ولا أعلم هل يربط هذه الأبيات بسبب هجرتهم وأنه يرى أن هذه الأبيات تفمثّل حالَه أَم مجردَ طرحف عامّف، فيقول مثلًا:
وقوله أيضًا:
والشاعر عبد المحسن يفعرَفف بشاعر البلاط؛ ووصف البلاط المضاف عادةً لا يكون مما يفمدَح به الشاعر، كأن تقول في وصف أحد المشايخ بأنه شيخف بَلَاط، وعادةً هذا الوصف يَقترنف بمَن يدور في فلك صاحب البلاط، فالشاعر يَمدَحف صاحب البلاط بما ليس فيه، وشيخ البلاط يففتي بحسب هوى صاحب البلاط بما ليس في الشريعة. وأظنّ أنّ ذلك حصل بسبب الارتزاق من خلال كتابة الشعر؛ وكأنّ الخاطر في صـ(62) أومَأَ إلى ذلك، لذلك أنا أَعْجَبف ممن يكتب الشعر مقابل المال؛ كيف يفصيغ عباراتف لا روحَ فيها ولم تخرج من صميم قلبه؛ لأجل حفنةف من المال! وأمّا الذي يقلب الحق باطلًا والباطل حقًا؛ فهذه دَركةٌ أشدّف. عاشَ عبد المحسن السليماني في الحجاز في الوقت الذي بدت بوادر ما سفمّيَ بالثورة العربية الكفبرى تظهر على العلن، لذلك كان شفعره ضمن صفوف هذا الحراك التي تموج به الحجاز، وله من القصائد الحماسية والثورية التي أثبتت وجودها ضمن جملةف من كبار الشعراء آنذاك في الحجاز، ومن ذلك قوله:
*** وبالنسبة لي كان الملفت هو القيمة التاريخية الموجودة في شعره المرتبط بالبحرين. ويجب التأكيد على أنّ هذه المعلومات قد كانت في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، فقد وفلفدَ الصحّاف سنة 1874م وهاجر إلى مكّة -حسب كلام الدكتور محمد رفيق- بعد سبع سنوات من ميلاده، أي أنه بقيَ في البحرين حتى السنة 1881م، أي أنّ المعلومات التاريخية كانت خلال هذه الفترة الزمنية؛ كما يحتمل أنّ بعضها مما عرفه لاحقًا من الوافدين البحرينيين إلى مكّة. وله ثلاثة قصائد حول البحرين وهي (سلامٌ على البحرين) و(بلادي مجمَع البحرَيْن)، و(ميمية الصحّاف في البوعينين)، هذه الأخيرة لم يتطرق له مبارك الخاطر كثيرًا في كتابه، فلذلك سوف أفعلّق على بعض ما فيها ضمن مفلحق هذه المراجعة. *** كان القصد من هذه المراجعة العامّة هي استعراض ما في الكتاب من موضوعات؛ ولكنها مع الوقت تحولت إلى قراءةف نقدية، لم يكن الهدف منها الظهور مقابل المؤرّخ مبارك الخاطر، وتتبّع أخطاءه، لأنّ هذه الأخطاء هي وليدة تلك الظروف الزمانية والإمكانيات المادية، فمبارك الخاطر لم يكتب كتابه هذا مع وجود الكمبيوتر ولا الانترنت ومحرّكات البحث ولا وجود المكتبات الشاملة ولا البحث في خانة (الكتب) في غوغل، ولا البحث في المكتبات الرقميّة، ولا حتى وجود الكتب الرقميّة ولا حتى هذه الوَفرة من الكتب المترجفمة التي لم تكن قد وجدت بهذا الكَمّ في زمانه، ولا حتى سهولة شحن الكتب من دولة إلى أخرى، فإن أخطأ فمن الطبيعي أن يفخطأ، فإن كان يشتكي من عدم قدرته على اقتناء بعض المراجع من مصر -كما تقدم-، ومشكلته في التوفيق بين كونه رَبّ أسرةف وعاملًا غير متفرّغ وعدم توفّر الإمكانات المادية، فلو كنت في زمانه وطفلفبَ مني أن أكتبَ مراجعةً نقديةً لَمَا استطعت أن أَنسجَ هذا النَّسج، فلذلك كان المقصد من هذا التتبّع هو تبيان الثغرات التي قد توجَد في مؤلَّفات المؤرّخين لأستفيدَ منها أنا أولًا ويستفيد غيري، ومع ذلك قد نقعف مستقبلًا في أحد هذه الأخطاء التي ننبّه منها، لأنّ الكمال لله، والإنسان عفرضة الخطأ مهما اتّقى. *** ملحق تعليق على قصيدة (ميمية البوعينين) افتتح القصيدة بقوله:
وأظنّ أن هذه الأبيات مرتبطةً بما بعدها، إذ يقول بعد بضعة أبيات:
فما قصة الجَفوة التي حصلت لهم بعد التعظيم وما دور محمد بن خميس في كل ما حصل؟ في تلك الأثناء كانت قبيلة البوعينين تسكن منطقة البدع -وهي نواة لفمَا يعرف لاحقًا بالدوحة في قطر- وكانت المنطقة تحت إدارتهم، وإدارتهم كانت تابعة لحكام البحرين آل خليفة، يقول لوريمير: «في شهر يناير من عام 1823 وخلال جولةف بحريةف استشكافيةف للساحل العربي قام بها الملازم الأول ماكليود إلى الدوحة (بدع في حينه) الواقعة على الجانب الشرق من قطر وجد بأنّ هذا المكان الذي كان تابعًا للبحرين وبالتالي خاضعًا لنصوص المعاهدة العامّة للسلام لعام 1820 تحت إدارة شيخ آل بوعينين»39. ولكن تعكّرت الأجواء بين حاكم البحرين آنذاك عبد الله بن أحمد آل خليفة وشيخ قبيلة البو عينين محمد بن خميس بعد أن قام الأخير بطعن أحد الرعايا البحرينين، فقام حاكم البحرين باعتقاله وحبسه، يقول لوريمير: «في سنة 1828م طعن محمد بن خميس زعيمف آل بوعينين في الدوحة أحدَ سكان البحرين، فألقى به شيخ البحرين في السجن. وثارَت قبيلته، وفي شهر مايو من العام 1828م قام الشيخ عبد الله بعد أن دمَّر حصن آل بوعينين في الدوحة بنقلهم إلى قريتي رويس وفويرط حيث أصبحوا تحت سيطرته على نحو مباشر أكثر من السابق»40. لعل هذه الجَفوة التي قصدها الشاعر، وهي ما جرى من اعتقال شيخهم وتدمير حفصنهم وتهجيرهم من مساكنهم. ثم يقول الشاعر عن نسبهم:
وهذا القول هو نصف الحقيقة، فقبيلة البوعنين تنتسب إلى بني عبد الله بن دارفمف بن مالك بن حنظلـة بن مـالك بن زيد مَناة بن تميم، وقد حشدوا الأقوالَ الدالةَ على ذلك والتي تفثبت أنّ العلاقة مع الخوالد هي علاقة حلفف ومفصاهَرَة.41 ولكنّ اللافت أنّ هذا القول شائعٌ جدًا بين الناس آنذاك، لدرجة أنّ لوريمير قال في نفس الفترة الزمنية تقريبًا عن البوعينين: «فرعٌ من فخذ آل صبيح من قبيلة بني خالد»42. لذلك تجد أنّ بعض الأعلام من هذه القبيلة قد يفضاف إلى نهاية اسمه الخالدي ولكن يَثبفتف في نهاية المطاف على التميمي، مثل الشيخ الشهيد أبي عفمَرَ السيف. ثم ذكر الشاعر سبب تسميتهم بهذا اللقب (البوعينين)، فقال:
أي أنّ هذا اللقب أتى من أحد أجدادهم وهو الشاعر خليد عينين، وكان ينزل أرضًا بالبحرين تفعرَف بعينين، فَنفسفبَ إليها43، وهذا الشاعر يبدو أنّ اسمه خالد وصفغّفر في هجاء جرير له بخليد44. ثم ذكر مساكنهم، فحدد مساكنهم في قطر فقال:
ونلاحظ أنّ هذه المعلومات كانت قريبةً مما ذكره لوريمير إذ يقول عن البوعينين: «وفي قطر يملكون 400 منزل في الوكرة .....، ويفقال إنّ آل بوعينين هم الذين أسسوا حي الدوحة في مدينة الدوحة في أوائل القرن التاسع عشر، ولم يستقروا هناك طويلًا وتم إخراجهم منها عام 1828م إلى الرويس وفويرط وفي النهاية أقاموا في الوَكرة»45. فبناءً على هذا النصّ فهم مَن أسس حي الدوحة (بدلًا من تأسيسهم الوَكرة)، ولكن ذكر لوريمر أن حول 2000 شخص من قبيلة البو عينين، يسكنون في الكورة46، بينما يوجد لهم حوالي 20 بيت في البفدَع47، ويقول الشيخ محمد آل ثاني بعد أن قفصفَت البفدَع ودمَّرَها الانجليز سنة 1825م، وتَهَجَّرَ أهلفها، بَقفيَت مجموعةٌ من البو عينين تسكن فيها!48 رغم أني لم أقف على أي مرجعّف ذكرَ قصفَ الانجليز للبفدَع في تلك المرحلة. وأظن أنّ أقدمَ مَن سكن الوكرة هم قبائل بني ياس، فأول نصف يفثبت سفكنةَ البو عينين في الوَكرة ذفكر أن كان فيها ناس من بني ياس، وأمّا سبب انتقال البو عينين إلى الوَكرة أوّل مرة، كان بحسب ادّعاء الشيخ محمد بن أحمد آل ثاني، أنّ سيد عفمان حشّد لحملة على البحرين سنة 1816م، ولكنّ الحاكم آنذاك الشيخ سلمان بن أحمد آل خليفة «عرض عليه المصالحة على أن يدفع له مبلغًا من المال يؤديه له كل سنةف، فوافق سيّد مَسقط، ولكن القبائل القطرية رفضت ذلك، فانتقلَ البو عينين من البحرين إلى الوَكرة وفيها بني ياس»49. وبعدها حصل خلافٌ لهم مع الحاكم الذي أتى بعده وهو الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة، فأدّى هذا الأمر إلى هجرتهم من قطر، ولَمّا انقلَبَ الشيخ محمد بن خليفة على الشيخ عبد الله بن أحمد، أَرضاهم الشيخ محمد وأَسكَنَهفم منطقة الوَكرة50. فلعل مقصد الشاعر هو أنّ هذه القبيلة هي مَن أَحْيَت هذه المنطقةَ فباتت كالمؤسسة لها، ولا يَلزَمف أنها أولَ مَن سَكَنَ فيها. ويفلاحَظ أنّ قبيلة البو عينين كانت تقف في صف آل خليفة في المعارك التي جَرَت في قطر. فلمّا هَجَم أهل الدوحة بجيشف كان يقوده جاسم آل ثاني على عامل آل خليفة في قطر وهو أحمد بن محمد آل خليفة، قامت هذه القوة بمحاصرة قلعة الوَكرة -حسب الرواية البحرينية- بينما تقول الرواية القطرية أنه حصلَ قتالٌ وانتصر جيش ابن ثاني، ولكن اتّفففقَ أنّ الذي ساعد في تهريب أحمد بن محمد آل خليفة عامل البحرين في قطر من قلعة الوَكرة هو راشد بن مبارك بن خاطر البو عينين51. وبعد معركة الحمرور ومقتل عامل آل خليفة في قطر وهو أحمد بن محمد آل خليفة، أمرَ حاكم البحرين آنذاك الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة شقيقه علي بن خليفة بغزو الدوحة والأخذ بثأر أحمد بن محمد، وساعدَهم في هذا التجهيز شيخ أبو ظبي وشيخ البنعلي وشيخ البو عينين، وأغار ابن خليفة وشيخ أبي ظبي على الدوحة وخَرَّبوها52. وبعد أن تجهَّزَت قبائل الدوحة لغزو البحرين، فيما يفعرَفف لاحقًا بوَقعة (دامسة) سنة 1868م وبدء المعركة البحرية بين أهل قطر وأهل البحرين كفسفرَ أهل قطر، ولَمّا رجعوا إلى قطر تجمّعوا في الوَكرة، فأرسلَت قبيلة البو عينين رسولًا إلى حكّام البحرين تخبرهم بأن القبائل قد تجمّعت في الوَكرة53، فأدّت هذه المعلومة إلى تجهّز قوات البحرين مرةً أفخرى لخوض معركة، ولكن هذه المرة في قطر، وأدّت هذه الهجمة إلى انكسار أهل البحرين، وتبادَلَ الطرفان في نهاية المطاف الأَسرى بينهم. ولكن من الصعب الجزم أو تحديد موقف هذه القبيلة من معركة دامسة، لأنّ في الخبر السابق هناكَ دلالةٌ على أنّ قبيلة البوعينين كانت أشبه بالعيون لحكّام البحرين في قطر، ولكن في الخبر التالي سوف تجد أنّ أحدهم (وهو المطوّع أحمد بن شاهين البو عينين) هو مَن كان في الصفّ الأوّل في الدفاع عن الوَكرة أمام جيش أهل البحرين، بل حَثَّ أهل قطر على القتال وأنّ قتلاهم في هذه المعركة شهداء، يذكر هذا الخبر راشد البنعلي إذ يقول: «ولَمّا اجتمعَ أهل البحرين على ساحل الوَكرة من الشرق معهم المدافع مشوهرين بالجوخ الأحمر، ظهر لهم أهل قطر زمزوم فيهم الشيخ شاهين بن أحمد [البو عينين] بعد ما صلى بهم رَكعتين قام يفحدّثهم وقال لهم: (يا أولادي والله ما يفقتَلف منكم اليوم رجلٌ دون مَحرَمفهف إلا أدخله الله الجنة شهيدًا، فاللهَ اللهَ في وطنكم ومنثركم)، ثم أخذ غفمْدَ سيفه وكَسَرَهف على رأسه وسَبّل بالعلم وسَبّلوا معه مفكَبّرين فانكسرَ أهل البحرين لا يَلوون على شيء»54. وانفرد محمد علي التاجر بخبر أنّ قبيلة البوعينين قاتلَت مع آل خليفة في الهجوم الذي جرى بعد معركة الدامسة في قطر؛ ولكنهم انسحبوا أثناء المعركة55، لذلك يبدو أنّ هذا ما جعلهم مقبولين عند الطرفين فيما بعد ليكونوا وسطاء، ويبدو لذلك أَرسل لهم محمد بن خليفة آل خليفة ليكونوا هم الوسطاء بينه وبين أهل قطر، يقول محمد آل ثاني: «فأرسل محمد بن خليفة إلى البو عينين طالبًا منهم السعيَ في الصلح بين أهل قطر، ومبادلة جاسم بإبراهيم بن علي، والخليفي الثاني، فوافقَ أهل قطر على الصلح، ورجعت قبائل قطر إلى الدوحة، والوَكرة، وشَدّوا البو عينين ونزلوا الغارية»56.وإذا كانت معركة دامسة سنة 1868م، فلعل هذا إشارةٌ إلى أنّ منطقة الغارية التي تأسست على يد البوعينين كانت هذه سنة تأسيسها. وبعد معركة دامسة أتت وقعة الضلع سنة 1869م؛ والذي حصل فيها انقلابٌ داخل بيت الحكم في البحرين، وأدّى هذا إلى مقتل الحاكم علي بن خليفة واعتقال شقيقه محمد بن خليفة، ولجوء ابن الحاكم عيسى بن علي آل خليفة إلى قطر، وتولي محمد بن عبد الله آل خليفة الحكم في البحرين، والذي أرسل إلى قبائل قطر يحثّها على مفناوَأَة عيسى بن علي ومَن معهم، فبات هؤلاء -حسب وصف النبهاني- في أسوء حال بسبب هذه التهديدات57، ورغم ذلك أتاهف شيخ قبيلة البوعينين راشد بن خاطر البو عينين وأعطاه مبلغ 15 ألف قران وقال إنّ هذه دَيْنٌ لوالدك عَليَّ58. وبعدها أتت وقعة القارية في قطر سنة 1885م، وكان سببها -حسب كلام مؤرخ العائلة الحاكم في قطر محمد الشيباني- أنّ رجلًا يفسمّى محمد بن عبد الوهّاب الفيحاني، والذي كان تاجرًا ثريًا قد استأذن من قاسم بن ثاني أن يسكن الغارية من بلاد قطر، فَأَذفنَ له، فبنى قلعة محصنة في الغارية، وأخذ يجمع الناس والقبائل حوله، ويبذل الأموال لذلك، فأتت إليه القبائل من البوكوارة، والنعيم، والبوعينين، والعمامرة فتهادوا معه، ثم يقول: «زاحمَ بتصرفاته هذه سلطان الشيخ قاسم ابن ثاني وتجاهر له بالعداء؛ فجعل يَتَحَيَّنف الفرص للقضاء عليه والتخلّص منه .. ثم إنّ الشيخ قاسم أَوْعَزَ إلى جيشه أن يحتلَّ الغارية؛ فهجمها الجيش ليلًا، فلمّا رأى محمد بن عبد الوهاب ذلك جَمَعَ أهله وعياله وغادروا الغارية قبل الهجوم عليها بثمان ساعات. فخربت الغارية في هذه الواقعة، وتَفَرَّق أهلها، وذهب آل جبران وهم راشد بن علي البوعينين وجماعته إلى البحرين، وأمّا محمد بن عبد الوهّاب فقد طَلَبَ من الدولة العثمانية أن يسكن معه والبوعينين الذين ذكرناهم في دارين»59، ولكن في السنة التالية سمح جاسم بن ثاني إلى قبيلة البوعنين بالعودة إلى قطر مجددًا60. وبعد عودتهم وتحديدًا سنة 1906م حصلت مشكلةٌ بينهم وبين جاسم بن ثاني مجددًا، بسبب مطالب شخصية للشيخ جاسم بن ثاني، وهذا ما دفهم لأن يقدموا شكوى إلى الدولة العثمانية والتي ردت عليهم من خلال والي البصرة، ونصحهم بأن: «يتعايشوا بشكل طيّب مع الشيخ قاسم»61. ثم يفكمل الشاعر ذاكرًا مواطن القبيلة:
والذيد هي منطقة بالشارقة في الإمارات حاليًا، وهذا يفشير إلى انتشارهم في قطر والإمارات والمنطقة الشرقية في السعودية بالجبيل وفي واحة العبا بالقَطيف، والبحرين. بنو قفتفب الموجودين في الشارقة هم في الأصل حلف، وتنطق بالعامية (الجتب) ومفردها (الكتبي)، ولعلّ الجزء الذي يَرجع إلى البوعينين منهم هو في الأصل ضمن الذين وَفَدوا إلى أبو ظبي واستمروا في العيش هنالك وتنقّلوا فيها، يقول الشيخ محمد بن أحمد آل ثاني أن قبيلة البو عينين هاجرت إلى أبي ظبي بعد الخلاف مع عبد الله بن أحمد آل خليفة62 ولكنه لم يذكر سبب الخلاف، وأمّا السبب الذي جعلهم يهاجرون -حسب كلام لوريمر- فهو أنّ قبيلة البوكوارة بتحريض من حاكم البحرين الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة شنّت هجومًا على منطقة الحويلة، وأدّى هذا إلى غرق أحد الزوارق ومقتل أحد خدّام عيسى بن طريف البنعلي، ورفض عبد الله بن أحمد آل خليفة إعطاء أي تعويضات جراء ذلك، فأدّى الأمر في نهاية المطاف إلى هجرة عيسى بن طريف البنعلي مصحوبًا بعدد من أفراد آل بن علي وآل بو عينين إلى أبو ظبي63. أمّا وجودهم في الجبيل، فأظنّ أنه قديمٌ إن لم يكن الأصل؛ لذلك بات مكانًا مناسبًا لتلجأَ إليه قبيلة البوعنين بعد خلافف جَرَى مع عبد الرحمن بن قاسم آل ثاني، يقول ابن مانع: «وحسن [بن عبد الله ابن ثاني] أخواله آل بو عينين الذين جفلوا من الوكرة إلى الجبيل بسبب منافسة عبد الرحمن بن قاسم لهم»64. وأمّا وجودهم في البحرين، فحاليًا هم منتشرون في عدة مناطق ومدن؛ إلا أنّ هذه الأبيات تذكر أنّ مواطنهم الأصلية قبل انتشارهم هي عسكر والمحرّق، ونلاحظ تطابق هذا البيت مع ما أورده لوريمير إذ يقول عن البوعينين: «أمّا في البحرين فيملكون 75 منزلًا في عسكر، و 20 منزلًا في المحرق»65. وأمّا قول الشاعر أنّ هذه القبيلة هي من قامت بترميم عسكر؛ ذلك لأنها كانت قبل ذلك خرابًا غير مسكونةف، يقول علي حسن البلادي (ت:1922م): «والعسكر قريةٌ من قفرَى البحرين في طرفها الجنوبي وهي الآن خراب غير مسكونة»66، ولا زال لهم وجودٌ في عسكر، بل إنّ مجلسهم العام يكون في مقدمة القرية أول ما تدخلها، وفي قريتنا -الرفاع الغربي- لهم وجودٌ أيضًا وهم بيت سالم البوعينين وكذلك أخذَت أفسرةٌ أفخرى الاسمَ بالمصاهرة وإنما هم دواسرٌ في الأصل. ثم ذكر شيخ فريج (فريج بن خاطر أو البوعينين):
هنا ذَكَرَهف بكفنْيَتفهف؛ وذكر شيئًا من صفاته، وهي الكرم، إلى درجة الاستدانة لينفق على المعسورين والمحتاجين، وفي قصيدة سابقة وهي (سلام على البحرين)، ذكر شيء من صفات هذا الفريج (أو الحي) وهو أنه مطل على البحر، فكان يقول:
إلا أنّ بعد عمليات الدفان لم يعفد هذا الحي مطلًا على البحر. وأمّا سبب تقسيم أحياء المحرّق بناءً على أسماء القبائل، فمثلًا تجد فريج (البنعلي) و(المفرّة) و(العمامرة) الخ..، فذلك كما يقول مبارك الخاطر في كتابه الآخر: «كانت كل قبيلةف تتخذ لها حيًا تسكنه، فتأتي إلى موقع في العراء لا يشاركها فيه أحد فتبني مساكنها فيه، وهذا ما يشاهد حتى الآن واضحًا في كفلّف من المحرّق والمنامة والحدّ والرفاع وما إليها»67. وهذا يعني أنّ هذا الحي هو أول موطنف تستقرّ فيه القبيلة بهذه المنطقة، فيكون مَسقطَ رأسها، ولعل امتازت المحرّق ببقاء هذه التسميات حتى يومنا هذا، وهذا واضحٌ إذا دخلت سوق المحرّق الشعبي، فترى اللافتات التي تدل على أسماء الأحياء بناءً على أسماء الأفسَر، وهذا لا يمنع من طروء تغيّرف ديموغرافي على المنطقة بزوال أهلها الأصليين ووفود آخَرين عليها، كما هو الحال في حي البنعلي الذي بات يسمى بحي كَريمي. ثم ذكر اسم شيخ الحي هذا وما فعله مع الملك عبد العزيز آل سعود عندما أتى إلى البحرين فقال:
في سنة 1891م زارَ عبد العزيز آل سعود البحرين، وكانت هذه الزيارة بعد سنةف من سقوط الرياض بعد معركة المليداء سنة 1890م على يد ابن الرشيد، فأرسل عبد الرحمن ابنه عبد العزيز إلى البحرين ليستأذن حكمها لكي تسكن فيها نساءه، يقول الزّفرفكْلي: «ولم تكن حياة البادية وشدائدها مما تتحمّله سيّدات الرياض وسدير، وقد آذاهنّ ما لقينَ في الحفل والتّفرحال، وما في اختراق الدهناء من عناء، فنادى عبد الرحمن ابنه عبد العزيز، وقال: امضف يا بفنيَّ إلى ابن خليفة وحدّثه بما نحنف فيه، واستأذنه لنسائنا بالإقامة في جواره، ولا ضيرَ عليه من ابن رشيد، ما دمنا نحن بعيدين عن البحرين، وأفنيخت الركائب فامتطى عبد العزيز إحدى نياقها، وعاد بعد أيام مستبشرًا يحمل إذن ابن خليفة للنساء»68، فكان هذا سبب الزيارة، وهو وضع النساء في مكانف آمنف ومريحف واستئناف القتال في محاولة استرداد الرياض. وهذه الأبيات تحكي أنّ محمد بن حسن الخاطر - شيخ الفريج- هو مَن أَمَّ في عبد العزيز آل سعود وأنهم وصلوا مساءً وناموا في المسجد؛ فلعله كان إمام المسجد. وحسب رواية عبد الله بن سلمان آل مبارك: «أخبرني والدي سلمان بن مبارك بن عبد الله آل مبارك (رحمها الله) عن والده مبارك ولقائه مع الملك عبد الرحمن آل سعود وابنه عبد العزيز وعبد الله بن جلوي وخمسة مرافقين بأنهم جاؤوا إلى البحرين ووصلوا مدينة المحرّق، ودخلوا في مسجد بن خاطر، وكان المؤذّن في ذلك المسجد جَدي مبارك بن عبد الله آل مبارك ولَمّا دخل المؤذّن المذكور إلى المسجد، كان بيده سراج غاز، لأنّ الكهرباء لم تكن قد دخلت بعدف المساجدَ.. أَذَّنَ لصلاة العشاء، ولكن الجَدّ مبارك رأى هؤلاء الرجال الثمانية على أنهم من الأَغراب، فسأل عنهم، وأخبروه بالحقيقة، ولَمّا صلوا صلاة العشاء جماعةً، توجّه الجَدّف إلى المنزل وأمرَ لهم بالعشاء، وأخذه إلى المسجد، ولَمّا تعشَّوْا تناولوا القهوة وناموا إلى الفجر، وبعد الصلاة أحضرَ لهم الفطور والقهوة، وذهبَ الجَدّف إلى الشيخ عيسى بن علي وأخبره عنهم، وفرح الشيخ عيسى، وطلب من الجَدّ أن يفحضرَهم إلى مجلسه، ولَمّا جاؤوا إلى الشيخ عيسى حَيَّاهم ورَحَّبَ بهم ومكثوا في ضيافته إلى أن توجّهوا إلى الكويت»69. وإخوان الملك عبد العزيز الذين أشار لهم الشاعر ذكرتهم هذه الرواية، وهما سعد ومحمد. ولكنّ الرواية ذكرت عددًا أكثر أتى مع الملك عبد العزيز. وصاحب الرواية أعلاه هو عبد الله المبارك؛ كان عمره أثناء اللقاء سنة 2014 حول 95 سنة؛ ولكن هناكَ روايةٌ أخرى أقدمَ منها، حكاها المعمَّر جابر بن صباح سيادي لتلفزيون البحرين سنة 1983م، إذ يقول: «عندما أتى عبد العزيز إلى البحرين كنا موجودين وصفغار، فأتى الملك عبد العزيز بن سعود إلى مسجد بن خاطر، وكان عندهم سحيحه في كيس، وليس لديهم من الدنيا شيء، وكان يوجد هناك جليب في المسجد فشربوا منه ماء وناموا، فلمّا أتى الصباح خرجوا من المسجد، فسألوا عن بيت عيسى بن علي حتى وصلوه، وكان هناك شخصٌ يفقالف له سالم بن مبارك وهو كان عَبدًا، ومن تنتهي صلاة الصبح كان يأتي ويقف أمام بيت الشيخ عيسى، وهو يسأل ويتكلم مع مَن يأتي إلى بيت الشيخ عيسى، فأتى هؤلاء والشخص الذي دَلّاهم على بيت الشيخ عيسى بن علي، وقال هذا رجل الشيخ عيسى، فسألوه: هل الشيخ عيسى موجود؟ فقال لهم: من أنتم، من البداة؟ فقالوا: نحن عمانك ولسنا من البداة، فقال: أهلا وسهلاً بالأعمام، والشيخ عيسى موجود وسوف أبلغه، ولكن ما هي أسمائكم؟ فقالوا: عبد العزيز بن سعود وابنه سعود، فأخبر الشيخ عيسى بذلك وسأله: كيف هي هيئتهم؟ فقال: ليست جيدة، فأمر لهم بأن تفحضَرَ لهم الكسوة والاجوخ والبشوت والاغتر، وهنالك دارٌ صغيرة في الدهريز عند عيسى بن علي، فَالي يأتي لافي يدخلونه هناك فدخلوا ولَبسوا الملابس، حتى تكون نفس الملابس التي على الشيخ عيسى بن علي عليهم، ثم استقبلهم الشيخ عيسى بن علي .. »70. هذه الحلقة سفجّفلَت عام 1983 والزيارة حصلت سنة 1891 فإن كان جابر سيادي أدركها؛ فهذا يعني أنه عندما سَجَّل هذه الحلقات، كان عمره أكثر من 90 سنة. وفي رواية سيادي ذكر أنّ الملك عبد العزيز أتى ومعه ابنه سعود الذي أصبح الملك بعده، وهذا لا يصحّ؛ لأنّ الملك سعود ولد سنة 1902م، ولا حتى ابنه الآخَر والأكبر تركي الذي ولد سنة 1896م، فعندما زار الملك عبد العزيز البحرين لأول مرة لم تكن له ذرية، وإنما الصحيح هو شقيقه الأصغر منه محمد. وفي روايته إشارةٌ إلى الحالة الصعبة التي كانوا عليها بعد سقوط الرياض من حيث الهيئة، وهذه الرواية شهيرةٌ سمعتها من غير واحد من كبار السن، وهي أشبه بالمتواترة. ثم تكلّم الشاعر عن عبد الله بن محمد بن حسن بن خاطر البوعينين، وقال:
والشيخ عبد الله بن خاطر له ترجمتان وقفتف عليهما، تفسّران شيئًا من هذه الأبيات. الأولى: للشيخ القطري عبد الرحمن بن عبد الله بن درهم (ت: 1943)، وهي طويلة ويقول فيها: «وفي سنة 1326هـ ستة وعشرين بعد الثلاثمئة والألف: قسم الله أن المرحوم عبد الله بن محمد بن خاطر يخرص للقنص مع صاحب له وبعض خدامه، واتفق أن يعرض لهم ركبٌ من آل جابر، وأغَاروا على عبد الله وأصحابه، ورماهم عبد الله وأصاب منهم رجلًا، رموا عليه عدّة بنادق وقتلوه، فلما وصل خبر مقتله البلاد حزن الناس عليه حزنًا شديدًا لفمَا يَعهدونَ فيه من حفسن السيرة وجميل الأخلاق، وكرم الذات، ورفثيَ بالمَراثي الفائقة، وممن رثاه الشيخ محمد بن حسن المرزوقي رحمه الله بمَرثية طويلةف أجادَ فيها، واستقصى جميع مآثره، ولم أظفَرْ بها، ثم إنه أرسلها إلى الشيخ سليمان بن سَحمان وطلب منه أن يساعده بمَرثيةف أخرى فأجابه بقوله. وحيث ذكرت مَرثية الشيخ سليمان بن سَحمان رحمه الله في المرحوم عبد الله بن محمد آل خاطر، أحببت أن أذكر طرٿًا من سيرته وحفسن سمعته، ومروءته، وهو عبد الله بن محمد بن حسن بن خاطر العيوني من القبيلة المعروفة بآل أبي عينين، وكان الشيخ المرحوم قاسم الثاني رحمه الله جده لأفمّه، ومات أبوه صغيرًا وربي في كنف جده الشيخ قاسم وخاله الشيخ عبد الله بن قاسم وناله ببركة تربيتهما صلاحٌ وحٌسن أدبف وعففّةٌ وسمو للمكارم، واجتنابٌ للرذائل، ولَمّا تَوَسَّما فيه مخائل النَّجَابة جَلَّ في أعينفهفما، وأَمَدَّهف من المال بما جَمَّلَهف وأَغْنَاهف، وكان يَتَّجفرف في اللؤلؤ ورفزفقَ في تجارته قَبولًا وبركةً وحفسنَ توفيقف. وكان رحمه الله من خفيار بني جنسه من جميع أحواله، ذا دينف مَتينف ومحبّةً لأهل العلم والصلاح، وكان كثيرَ المطالعة في كتب العلم والتواريخ والأدب، وكان ذا شفقةف على أقاربه وذَويهف وأصحابه ومَن يفدانيه، يَبذفلف لهم من الإحسان ما يَقدفرف عليه بتواضعف وتوددف ونفسف مطمئنةف، لا يَمَلّف جَليسه ولا يَنفر منه أَنيسهف، فَرفزفقَ لذلك محبةً من الخاصّ والعامّ، ونظر بعين الإجلال والاحترام، وكان كثير التلاوة للقرآن، وكان مواظبًا على الأوراد الواردة في الصباح والمساء، لا يفخفلّف بها. أمّا الكرم والسماحة، وحفسن الخلق ومفحسن المحاضرة لفمَن جالسه فقد أخذ من ذلك بحظف وافر، وكان ذو عقيدةف سلفيةف محبًا لأهل هذه العقيدة، قاليًا لفمَن سواهم، وكان مواظبًا على الصلاة في أول وقتها، وتفقّدًا جيرانه وخدامه مؤدّبًا لمن تَخَلَّفَ عنهم بلا عفذرف، ولم يزل يزداد من الخصال الحميدة إلى أن اخترمته المنية. أَحَلَّهف الله أعلى منازل الأَبرار آمين»71. والثانية: فقد ذكرها إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن (ت: 2004)، ويقول فيها: «ثم دخلت سنة 1329هـ وفيها توفي الشيخ عبد الله بن خاطر قدس الله روحه ونور مرقده وضريحة، وهو العالم العارف الصابر الجواد الكريم السخي ذو الفضل والمعرفة، عبد الله بن محمد بن خاطر المعروف بالدين والفضل والمنتظم في سفلك أهل هذه الدعوة الوهابية النجدية مظهر التوحيد ومفبيد الكفر والتنديد، كان مكرمًا لحملة العلم والدين وحبرًا جليلًا وثقةً نبيلاً، يقصده أهل الإيمان ويألَففهف أهل الفضل والعرفان فيجدون عنده ما يؤملون، ويكفيك شرفاً له أن يبعث إليه الشيخ سليمان بن سحمان يطلب منه أن يطبع ردوده على أعداء الله ورسوله لَمّا انتشر ما طَبَعوه في مَسَبَّة الشيخ الإمام وعَلَم الأعلام محمد عبد الوهّاب، وما رَمَوْهف به من الأكاذيب والتفرَّهَات، وكان صندوق الحكومة السعودية إذ ذاك خاليًا بواسطة نفقات الحروب والغزوات، فبعث يفشجّعه ويَستنجده علمًا بأنه العَضفد الأشدّف في نفصرة الدين ومفكافحة الكفار والمنافقين، فإذا كان أولئك الزنادقة يبحون بما لديهم من الكففريات والضلالات، وعندنا أعظم مصادمةف لها وقوة مَلَكة وإرادة، غير أنه لا مطابعَ عندنا ولا نفقةَ للطبع، فإنا نستنجفدف بك يا عبدَ الله، ونرجوك المساعدة في نشر هذه الردود لمصادمتها خفرافاتفهفم وتمويهاتهم»72. وتحديد سنة الوفاة عند ابن درهم أَضبط من ابن عبيد؛ باعتبار أنّ ابن درهم معاصر للشيخ عبد الله بن خاطر وبينهما مراسلات وسجالات شعرية وكلاهما من قطر. يقول الشاعر:
الذي وقف عليه مبارك الخاطر هي مَرثية ابن سَحمان، ومَرثية ابن درهم، ومَرثية أحمد بن ماجد، وفي ترجمة ابن درهم ذكر لمَرثية أخرى وهي للشيخ محمد المرزوقي. ولم أجد غيرهم، ولعلّ البقية ضاعَت أو لا زالت ضمن المخطوط. وهذا والله أعلم وصَلَّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
تاريخ العبودية في الخليج العربي
هشام العوضي
جزء من النص مفقود: محمد البراك الفضالة حياته وسيرته
د. عبدالرحمن الابراهيم
المصادر لتاريخية (2) : كتب البلدانيين والجغرافيين والرحالة
د. الزهراء بهزاد
المصادر التاريخية (1) : (كتب الحوليات)
د. الزهراء بهزاد